الملكية العامة للكتب: فرص أم تحديات؟

جدل يُثار بين مؤيدين يرون في هذا الإجراء فرصة لنشر المعرفة وتخفيض أسعار الكتب، ومعارضين يتخوفون من تراجع جودة الإصدارات وفقدان حقوق الورثة.

أعاد دخول أعمال الكاتب والمترجم سامي الدروبي (1921–1976)، إلى الملكية العامة في مصر وبعض الدول العربية، إحياء الجدل المستمر حول مصير الحقوق الفكرية بعد انتهاء مدة حمايتها القانونية، وربما اكتسب هذا الجدل أهمية خاصة في حالة الدروبي، لأنه اشتُهر بترجماته لأعمال الكاتب الروسي دوستويفسكي، والتي لعبت دورًا في توسيع قاعدة قراء الأدب الروسي في العالم العربي، لذلك، بمجرد سقوط الحماية القانونية عن هذه الترجمات، سارعت دور النشر في إعادة إصدارها وتداولها، ما أثار نقاشًا بين القُرَّاء، الذين تباينت آراؤهم، بين من يرى في هذا مكسبًا للثقافة والمعرفة، ومن يعتبره خسارة للمبدعين وورثتهم من الناحيتين المادية والمعنوية، وانتقاصًا من قيمة الأعمال ذاتها.

تُعرّف الملكية العامة بأنها الحالة التي تنتهي فيها الحماية القانونية لحقوق المؤلف، لتصبح أعماله متاحة لإعادة النشر والاستخدام، دون الحاجة إلى إذن من أصحاب الحقوق، وفقًا للقوانين المنظمة لذلك في كل دولة. ويخضع هذا الإطار لمبدأ إقليمي في تطبيق حقوق الملكية الفكرية، حيث تُحدد مدة الحماية وشروطها وفقًا لقوانين الدولة التي يُنشر فيها العمل أو يُطالب فيها بالحماية، وليس وفقًا لجنسية المؤلف أو بلد منشأ العمل، وهو ما قد يؤدي إلى اختلاف وضع العمل من دولة إلى أخرى، أي أن العمل نفسه قد يكون متاحًا في دولة، ومحميًا في دولة أخرى، إذ تتراوح مدة الحماية غالبًا بين 50 و70 عامًا.

ووفقًا لقانون حماية حقوق الملكية الفكرية المصري رقم 82 لسنة 2002، تمتد الحماية المالية للمؤلف طوال حياته ولمدة خمسين عامًا بعد وفاته، لتنتقل بعدها الأعمال إلى الملكية العامة، كما تخضع الترجمات للمبدأ نفسه باعتبارها مصنفات مستقلة إذا توافر فيها الجهد الإبداعي، وتتمتع بالحماية ذاتها قبل انقضاء مدتها القانونية.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن دخول الأعمال إلى الملكية العامة يختلف باختلاف طبيعتها، فالأصل الأدبي للمؤلف قد ينتهي من حيث الحماية القانونية بعد مرور المدة المحددة، بينما قد تظل الترجمات أو المعالجات اللاحقة خاضعة لحماية مستقلة، باعتبارها أعمالًا مشتقة لها مؤلفون وحقوق منفصلة، وفقًا لما يقره القانون.

ويستند مؤيدو نظام الملكية العامة إلى ما شهدته السنوات الأخيرة، من انتقال أعمال طه حسين وغسان كنفاني، إلى جانب الأعمال الأصلية للكاتبة العالمية أغاثا كريستي، إلى الملكية العامة، وهو ما أعاد إحياء هذه الأعمال، من خلال إتاحة طباعتها بتكلفة أقل، ومن ثم طرحها بأسعار أكثر انخفاضًا، وبالتالي وصولها إلى شريحة أوسع من القراء. كما يفتح هذا التحول المجال أمام دور النشر لإصدار طبعات متنوعة، من نسخ شعبية منخفضة التكلفة، إلى طبعات محققة ومراجعة، فضلًا عن إتاحة الأعمال في صيغ رقمية وصوتية، بالإضافة إلى تسهيل استخدامها في الدراسات والأبحاث الأكاديمية دون قيود.

في المقابل، يرى آخرون أن انتقال الأعمال إلى الملكية العامة قد يؤدي إلى انتشار إصدارات غير دقيقة أو ضعيفة، من حيث التحرير والمراجعة، نتيجة غياب الرقابة التي تفرضها حقوق المؤلف. وفي حالة الأعمال المترجمة، قد يؤدي ذلك إلى تراجع إنتاج ترجمات جديدة، لصالح إعادة نشر الترجمات القديمة، باعتبارها أسهل وأقل تكلفة.

ويقف في هذا الجانب أيضًا، ورثة بعض المؤلفين والمترجمين، الذين يرون أن انتقال الأعمال إلى الملكية العامة يمثل خسارة لهم، بسبب فقدان العائد المادي الناتج عن حقوق النشر.

ولا يقتصر الجدل حول الملكية العامة على الكتب فقط، بل يمتد إلى مجالات إبداعية وثقافية أخرى، مثل الموسيقى والأفلام والفنون التشكيلية والمسرحيات والمواد البصرية والوثائق التاريخية، التي تنتقل إلى نطاق الملكية العامة بعد انتهاء مدة حمايتها القانونية، ما يثير الفرص والتحديات نفسها، حول تحقيق التوازن بين حماية حقوق المبدعين، وضمان وصول المعرفة إلى الجمهور بجودة عالية.