تفاهمات مصرية - تركية في ملفات إقليمية
القاهرة - بدأت المصالحة المصرية - التركية تظهر تجلياتها الإيجابية في شكل تفاهمات مشتركة في عدد من الملفات الإقليمية. سطعت ملامح التقارب في تعدد وتنوع اللقاءات المتبادلة بين مسؤولين كبار في البلدين وجرى توسيع نطاق المناقشات المشتركة حيال عدد من القضايا الحيوية في منطقة الشرق الأوسط.
تبلورت معالم التحركات الأخيرة في شكل منتدى يضم إلى جانب مصر وتركيا، كل من السعودية وباكستان مهمته وضع تصورات واضحة للتعامل مع ملفات ساخنة في المنطقة.
تم عقد أربعة لقاءات في الدول الأربع، آخرها في القاهرة منذ نحو أسبوع ركزت جميعها على الاستعداد للتعاون مع التحولات الجديدة في المنطقة، فقد كشفت نتائج الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران عن وجود منظومة إقليمية لا تزال لم تتبلور مكوناتها النهائية بعد.
ويمكن أن تلعب في هذه المنظومة واشنطن وطهران وتل أبيب أدوارا مركبة ومتعارضة. لا يوجد دور ظاهر لأي من الدول الأربع فيها. التنسيق بينهم وتحديد الأولويات يمنحهم مزايا، ويوفر فرصة للحفاظ على مصالحهم.
على الصعيد الثنائي، قطعت القاهرة وأنقرة شوطا لتقريب المسافات السياسية بينهما. تم حل جزء مُعتبر من الخلافات التي تسببت في توتير العلاقات على مدار نحو عشر سنوات. ما تبقى منها وُضع على الرف أو جرى تقويض منغصاته وتقليص روافده (ملف جماعة الإخوان). كان التوافق حاضرا في بعض القضايا الإقليمية، مستفيدا من نتائج فترة التوتر، والتي لم تفلح في تخريب العلاقات بينهما وما لم يتم حله وديا أو تجاوزه ضمنيا، لم يتحول إلى أزمة مستعصية.
انتقل تفاوت التقديرات والتدخلات في أزمة مثل ليبيا إلى تقارب وتفاهم بعد ميل القاهرة إلى صف القوى الفاعلة في شرق ليبيا، واحتضان أنقرة لنظيرتها في الغرب. ما حدث من استقطابات حادة بين الفريقين لم يتسبب كثيرا في تعكير الأجواء بين البلدين. بدأت الليونة تطفو على السطح وتصطحب معها مقاربات إيجابية.
المبادرة التي قدمتها الإدارة الأميركية لتوحيد القوى الرئيسية في شرق وغرب ليبيا، كان من الصعب طرحها لو لم تكن العلاقات بين مصر وليبيا وصلت حدا جيدا في الوقت الراهن، كلاهما يستطيع تمهيد الطريق أو عرقلته. تشير المرونة في هذه المبادرة إلى أن البلدين في خلفيتها أسهمتا في إزالة كثير من العراقيل أمامها.
بعيدا عن نجاح الخطة التي طرحها مسعد بولس المبعوث الشخصي للرئيس الأميركي دونالد ترامب، وما حوته من مكونات أمنية وسياسية مستقبلية، فإن نجاحها أو فشلها يتوقف على حجم التأييد الذي توفره مصر وتركيا معا، حيث تمثلان رمانة ميزان في شرق وغرب ليبيا. لا يمكن لمن يريد تنفيذ خطة أو طرح مبادرة الثقة في جدواها في غياب الحصول على دعم قوي من هاتين الدولتين.
تتخطى التفاهمات بين القاهرة وأنقرة حدود الأزمة الليبية. في غزة مثلا، يوجد تفاهم بينهما على تفويت الفرصة على تحقيق أهداف إسرائيل في مقدمتها قتل القضية الفلسطينية، وقطع الأمل على كل فرصة للذهاب بعيدا في عملية حل الدولتين.
تلعب مصر وتركيا دورا وازنا في مجلس السلام الذي يرأسه دونالد ترامب. تقفان حائطا أمام طموحات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في إعادة هندسة الشرق الأوسط بما يخدم تطلعاته الاستراتيجية وحدها.
اللافت للانتباه أن التقارب بين القاهرة وأنقرة وصل إلى السودان. كلاهما يؤيد الجيش، كمؤسسة عسكرية نظامية ومنضبطة، وليس كجهة لها أفكار إيديولوجية تابعة لتنظيم الإخوان. يمكن للجيش المحافظة على وحدة واستقرار السودان.
تتفاوت أشكال الدعم المقدمة من البلدين، بين السياسي والعسكري. في الحالتين لا تنكر مصر وتركيا الوقوف خلف الجيش السوداني على حساب قوات الدعم السريع. مهما كان الاختلاف في الأهداف المرجوة، تعد القاهرة وأنقرة في طليعة الجهات الخارجية المؤيدة للمؤسسة العسكرية. من المتوقع زيادة أطر التفاهم بينهما بما يحجّم أدوار قوى أخرى تريد تدجين السودان بشكل يخدم مصالحها.
أسهم الحضور التركي المبكر في القرن الأفريقي في رفع مستوى التفاهم مع مصر. الصومال الذي يواجه تحديات كبيرة بعد إعلان إقليم أرض الصومال انفصاله والحصول على اعتراف من إسرائيل، أخذ يظهر على الخريطة الإقليمية كأحد بوابات التوتر الصاعدة في المنطقة.
ولأن القاهرة وأنقرة لهما حسابات مختلفة في الصومال وما حوله، تم تذويب الفوارق والاستفادة من النقاط المشتركة بينهما، ما أتاح مساحة جيدة للحركة، إن لم يكن في إطار من التكامل، على الأقل هناك درجة عالية من الحرص على تجنب الصدام.
تأتي أهمية التفاهمات في ملف الصومال من المسافة القريبة التي تفصله عن البحر الأحمر، الذي أصبح معرضا لتهديدات من جماعة الحوثي في اليمن، وتلويح إيران بتوظيفه لتعطيل الملاحة فيه ضمن رؤيتها لاستغلال الممرات البحرية، ومن إصرار إثيوبيا للحصول على منفذ بحري على خليج عدن من خلال أرض الصومال، أو عبر السيطرة على ميناء عصب في إريتريا.
الأول مدخل لمضيق باب المندب، والثاني يقع في عرض البحر الأحمر، وكلاهما ممر لقناة السويس. كل تفاهم بين مصر وتركيا في هذه المنطقة يمثل إضافة للحفاظ على مصالحهما، ويعزز فكرة التعاون الإقليمي.
تعد منطقة شرق البحر المتوسط واحدة من أبرز الصعوبات التي تواجه العلاقات بين البلدين. مصر حددت منذ سنوات طريقها ضمن دول، بعضها أو غالبيتها، ليس على وئام مع تركيا. أُنشأ منتدى خاص بغاز شرق المتوسط دون مشاركة أنقرة فيه، التي سعت إلى صياغة رؤية تجعلها مكونا مؤثرا في مفاصل شرق المتوسط.
ولأن جميع المحاولات لم تفلح أو تحصل بموجبها تركيا على مكاسب، قامت باستدارة نحو مصر، بحسبانها المفتاح الرئيسي في هذه المنطقة. المشكلة أن كل خطوة تخطوها القاهرة نحو أنقرة ربما تكبدها خسارة خطوة أو أكثر باتجاه اليونان وقبرص.
تتريث مصر كثيرا في إيجاد حل لهذه المعضلة. تريد أن تكسب أنقرة ولا تخسر أثينا أو نيقوسيا. رفع سقف التفاهم بين مصر وتركيا، قد يصبح كفيلا بتجاوز هذه المفارقة، التي سوف يمتد تأثيرها بعيدا عن شرق المتوسط. حلها أو القفز عليها يساعد في تثبيت التفاهمات، بينما الإخفاق سوف يؤدي إلى فرملة التوجهات الرامية لتطوير العلاقات بينهما على المستوى الإقليمي، والصعود بها إلى مستوى التحالف الاستراتيجي.