المغرب يتصدى لإرهاب 'الجهاد الفردي' ويستبق الخطر المتحوّل
الرباط - أعاد توقيف عنصر موال لتنظيم "داعش" بمدينة بركان، يوم 25 يونيو/حزيران، تسليط الضوء على تحوّل نمط التهديد الإرهابي الذي تتابعه الأجهزة الأمنية المغربية بيقظة عالية، بعد سلسلة عمليات شملت الداخلة وميدلت واليوسفية والمضيق. وتكشف هذه التوقيفات المتقاربة عن تصاعد نمط "الجهاد الفردي"، بما يحمله من خطورة أمنية ناتجة عن محدودية البصمة التنظيمية، وسرعة الانتقال من التشبع بالدعاية المتطرفة إلى الإعداد لمخططات تستهدف الأشخاص والنظام العام ومنشآت حيوية.
بدأ هذا المسار بتوقيف عنصر متطرف بمدينة الداخلة، يوم 12 مايو/أيار، بناء على معلومات وفرتها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني. ووفق المعطيات الرسمية، يتعلق الأمر بشخص يبلغ 22 سنة، موال لما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، أبدى عزمه على تنفيذ مخططات إرهابية تمس سلامة الأشخاص والنظام العام. وأسفرت العملية عن حجز دعائم إلكترونية وأسلحة بيضاء وبدلات شبه عسكرية، قبل وضع المشتبه فيه رهن الحراسة النظرية قصد تسليمه إلى المكتب المركزي للأبحاث القضائية لتعميق البحث تحت إشراف النيابة العامة المكلفة بقضايا الإرهاب.
أهمية عملية الداخلة ارتبطت أيضا بمكانها وسياقها. فالمدينة توجد في قلب الصحراء المغربية، وتحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واجهة أطلسية للمملكة ونقطة ارتكاز في الانفتاح على إفريقيا. وجاء التوقيف في ظرف حساس تزامن مع هجمات السمارة التي تبنتها جبهة بوليساريو، ومع مناورات "الأسد الإفريقي" في الصحراء، وزيارة السفير الأميركي للداخلة. في مثل هذا السياق، يصبح الرصد المبكر لأي نية متطرفة عاملا حاسما في حماية الاستقرار داخل مجال يحظى بمتابعة إقليمية ودولية.
بعد ثلاثة أيام، أعلنت المصالح الأمنية عن توقيف متطرفين مواليين لتنظيم "داعش" بكل من ميدلت ودوار الدويبات بإقليم اليوسفية، يبلغان معا 19 سنة. وأظهرت الأبحاث والتحريات الأولية أنهما قاما بمبايعة الأمير المزعوم للتنظيم، وكانا يعتزمان تنفيذ مخططات إرهابية وشيكة في إطار ما يسمى "الجهاد الفردي"، تستهدف المساس بسلامة الأشخاص والنظام العام ومنشآت حيوية.
جاءت عمليتا ميدلت واليوسفية عشية 16 مايو/أيار، وهو تاريخ حاضر في الذاكرة الأمنية المغربية منذ تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003، كما تزامنتا مع الذكرى السبعين لتأسيس الأمن الوطني. هذا التوقيت أبرز استمرار استهداف الأمن الداخلي، وأكد انتقال الخطر من الخلية المنظمة ذات الهيكل والتمويل والتحركات الجماعية، إلى عناصر شابة قليلة العدد، قابلة للتعبئة عبر الدعاية الرقمية، وتتحرك بوسائل بسيطة ومنخفضة التكلفة.
في 6 يونيو/حزيران، تدخل المكتب المركزي للأبحاث القضائية بمدينة المضيق، على ضوء معلومات استخباراتية وفرتها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، لتوقيف عنصر يبلغ 31 سنة، حامل للفكر المتشدد الذي يروج له تنظيم "داعش". وأفادت المعطيات الرسمية بأنه يشتبه في تورطه في الإعداد والتحضير لتنفيذ مخطط إرهابي يمس سلامة الأشخاص والنظام العام، كما أظهرت الأبحاث انخراطه في مشاريع مرتبطة بنمط "الجهاد الفردي"، في أفق استهداف منشآت حيوية.
ثم جاءت عملية بركان يوم 25 يونيو/حزيران لتؤكد استمرار المنحى نفسه. فقد تمكنت مصالح الشرطة القضائية، بناء على معلومات استخباراتية وفرتها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، من توقيف عنصر موال لتنظيم "داعش" حامل لمشاريع تخريبية داخل المملكة. وأظهرت الأبحاث الأولية أنه بايع مؤخرا الأمير المزعوم للتنظيم، في أفق تنفيذ مخططات إرهابية تستهدف سلامة الأشخاص والنظام العام ومنشآت حيوية، بعدما تعذر عليه الالتحاق بصفوف التنظيم في الساحل الإفريقي.
هذه الواقعة تضيف بعدا إقليميا إلى سلسلة التوقيفات، لأن الساحل لم يعد مجرد مجال اضطراب بعيد عن المغرب، بل فضاء تنتج داخله التنظيمات الإرهابية أثرا دعائيا وتجنيديا يمتد عبر الحدود. وعندما يتعذر الالتحاق ببؤر التوتر، قد يتحول الداخل إلى بديل عملياتي، وهو ما يفرض ربط اليقظة الاستخباراتية بين المحلي والإقليمي، وبين الفضاء الرقمي والحركة الميدانية.
تراكم هذه العمليات من مايو/أيار إلى يونيو/حزيران يكشف طبيعة التهديد الجديد. الفرد المتشبع بالدعاية المتطرفة لا يحتاج دائما إلى شبكة واسعة أو تمويل معقد أو أوامر مباشرة، إذ يمكن أن ينتقل من المبايعة الافتراضية إلى البحث عن أدوات التنفيذ في فترة قصيرة. وتكمن خطورة هذا النمط في محدودية المؤشرات التقليدية، لأنه يتشكل غالبا داخل عزلة رقمية ونفسية ضيقة، ثم يتحول بسرعة إلى استعداد عملي.
قوة النموذج الأمني المغربي تظهر في القدرة على تحويل المؤشرات الصغيرة إلى قرار أمني وقضائي سريع. فالمعلومة التي توفرها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني تتحول إلى تدخل ميداني، ثم إلى بحث قضائي يشرف عليه المكتب المركزي للأبحاث القضائية والنيابة العامة المختصة، بما يسمح بتدقيق الأنشطة المنسوبة للمشتبه فيهم وفحص ارتباطاتهم المحتملة داخل المغرب وخارجه.
كما يكشف توزيع التوقيفات بين الداخلة وميدلت واليوسفية والمضيق وبركان اتساع خريطة الرصد الأمني. التهديد لم يعد محصورا في المدن الكبرى، والمناطق الهادئة أو الأقل حضورا إعلاميا يمكن أن تتحول في حسابات المتطرفين إلى فضاءات للتحضير أو التخفي أو البحث عن أثر مفاجئ. الرد المغربي أظهر أن التغطية الترابية الشاملة لم تعد تسمح بتحويل الهامش إلى نقطة ضعف.
الحصيلة الأخيرة تدق ناقوس الخطر بشأن إرهاب أقل تنظيما وأكثر قابلية للمباغتة، لكنها تكشف في الوقت نفسه قدرة المخابرات المغربية على مواكبة هذا التحول. من الخلية المنظمة إلى الفرد المتشبع رقميا، ومن التمويل التقليدي إلى الوسائل البسيطة، ومن التخطيط الطويل إلى الجاهزية السريعة، يواصل المغرب التعامل مع الإرهاب باعتباره تهديدا متحركا يحتاج إلى استباق دائم وقراءة دقيقة للتفاصيل الصغيرة قبل أن تتحول إلى خطر كبير.