First Published: 2015-01-08

دروس مصرية من السحابة المغربية

 

كيف سيتغلب الرئيس السيسي على مشكلة من هذا النوع: العلاقات مع المغرب، حتى تتطور، سوف تكون مرهونة بتراجعها مع الجزائر أو العكس. عليك خسارة طرف لتقيم علاقات قوية مع طرف ثان.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

لا أستطيع وصف ما حدث خلال الأيام الماضية بين مصر والمغرب، أنه أزمة سياسية بمعنى الكلمة، لأن العلاقات التاريخية والوشائج الاجتماعية قوية، بما يجعل ما حدث لا يتجاوز سحابة شاردة، تختبر عمق الروابط بين البلدين، وتدق جرس إنذار للالتفات إلى أن هناك جهات داخلية وخارجية، تسعى لتعكير صفو العلاقات، بل تتمنى تخريبها، لقطع الطريق على أي أفق واعد.

لست في حاجة للتدليل على المواقف النبيلة للقيادة المغربية تجاه مصر منذ ثورة 30 يونيو، وما بعدها. لكن للتذكير، يمكن القول أن الملك محمد السادس كان في مقدمة القيادات العربية التي دعمت هذه الثورة، في الوقت الذي نشط فيه التيار الإسلامي في بلاده، وعلى رأسه جماعة الإخوان، لفرملة هذا التوجه الإيجابي. لذلك يمثل الوقوف عند ما جرى أهمية كبيرة، لاستخلاص العبر والدروس، لأن الحساسية المغربية المفرطة التي تم التعامل بها مع بعض المواقف المصرية، وجميعها غير رسمية، وبعضها كان يقصد إثارة زوبعة سياسية بين البلدين، يمكن أن يؤدي تكرارها، من جانب دول أخرى، إلى مزيد من الالتباس والتعقيد في علاقات مصر العربية. في وقت تسعى فيه إلى تنقية الأجواء، وترتيب الأوراق، وفتح صفحة جديدة، تضمن متانة العمل العربي المشترك.

الواقع، أن هناك انطباعا راسخا، أن وسائل الإعلام في أي دولة عربية، تمثل لسان حال قيادتها، ويتم تحميل كل من ينتقد أو يمتدح هذه الدولة أو تلك، جميع المعاني السلبية أو الإيجابية اللازمة. وهذا الخطأ أفضى إلى أزمات سياسية متعددة. ولهذا السبب يمكن تفسير تعمد الرئيس عبدالفتاح السيسي إجراء حوارات متتالية مع الإعلاميين، وتوضيح كثير من تفاصيل وخبايا بعض القضايا الشائكة. وفي كل مرة تظهر فيها مقدمات أزمة بين مصر والمغرب، كان الإعلام يقف وراءها، لأن السائد عربيا، أن الإعلام، سواء كان رسميا أو خاصا، لصيق الصلة بالحكومات. وربما يكون هذا الاعتقاد على قدر من الصواب، في بعض الحالات، لكن تعميمه من الممكن أن يصيب العلاقات في مقتل. بالتالي فإن فهم طبيعة البيئة التي يعمل في إطارها الإعلام بكل تشابكاته، أحد المفاتيح الرئيسية لتحديد غرضه، في حالتي المدح أو الذم.

هنا نصل إلى بيت القصيد، أو جوهر الموضوع، الذي أدى إلى صعود السحابة المغربية لعنان السماء. فقناة "مصر الآن" التابعة للإخوان، وتبث إرسالها من تركيا، شاع أنها محطة تنطلق من القاهرة. الأمر الذي منح الانتقادات التي وجهها أحد مقدمي البرامج بها للقيادة المغربية قدرا من الجدية. وكانت النتيجة أن ردت إحدى المحطات هناك على هذا التطاول، ردا محملا بشيء من الرسمية. وفي النهاية وصلت الرسالة السياسية، وكأن القضية "إعلام يواجه إعلام". وهو ما كشف عن نقطتين مهمتين.

الأولى، خاصة بثوابت الموقف المغربي الداعم لمصر، لذلك بدا استخدام عبارات ومعان يرددها الإخوان، من قبيل "الإنقلاب والشرعية" خارج السياق العام، بما أكد أن هناك خللا أصاب العلاقات المشتركة. وحسنا فعلت وزارة الخارجية، لتصحيح هذا الخلط، وشرح الصورة على حقيقتها، والتعامل مع السحابة، بحذر وتريث وتشديد على متانة العلاقات مع المغرب، واعتبار الخلاف عابرا. وقد يكون مدخلا لمزيد من الانتباه لـ "الشوشرة"، التي تحدثها بعض محطات الإخوان في تركيا، ومحاولة دحض الافتراءات التي تبثها أولا بأول، حتى لا تتراكم وتتحول إلى منغصات.

الثانية، تتعلق بذهاب بعض الزملاء الإعلاميين إلى الصحراء، عن طريق الجزائر، وقد فهمت هذه الخطوة زيفا على أنها تمت بترتيب رسمي في مصر. والمشكلة أن كثيرا ممن كتبوا عن أزمة الصحراء، لا يعرفون بعض خيوطها، ومدى خطورتها في كل من المغرب والجزائر، فمن ورائها نشبت أزمات سياسية، لا يزال دخانها متصاعدا. والأهم أن غالبية الكتابات ظهرت كأنها رضخت لوجهة النظر الجزائرية، وتجاهلت أو غضت الطرف، عن الرؤية المغربية.

هذه المسألة تبين عمق التحدي الذي يواجه الدور المصري، الراغب في تشييد علاقات جيدة مع كل الدول العربية. ولا أدري كيف سيتغلب الرئيس السيسي على مشكلة من هذا النوع؟ إذ يبدو أن العلاقات مع المغرب، حتى تتطور، سوف تكون مرهونة بتراجعها مع الجزائر أو العكس. ويمكن القياس على ذلك في حالات عربية أخرى، تتطلب خسارة طرف لتقيم علاقات قوية مع طرف ثان، لأن فكرة التوازن وحسابات المصالح، من الواضح أنها مقبولة دوليا، وليس لها نصيبا وافرا في المنطقة العربية. فقد تجد قيادة (عربية) تدخل في عداء ممتد مع قيادة دولة أخرى، وترفض تصحيح مواقفها الخاطئة، انطلاقا من تقديرات شخصية بحتة.

الظاهر أن علاقات مصر مع غالبية الدول العربية تسير على وتيرة جيدة، ونجح الرئيس السيسي في تذليل الكثير من العقبات، وتجاوز حزمة من المشكلات، بطريقة أوحت لبعضنا بالتفاؤل، بشأن مستقبل النظام الإقليمي العربي، سواء في شكله التقليدي، أو من خلال استحداث منظومة بديلة.

لكن في ظل الواقع العربي الأليم، سوف تواجه التحركات العملية بسلسلة من التحديات. في مقدمتها، رفض فكرة العلاقات المتوازنة السائدة عالميا، والتي تتبناها مصر حاليا، وربما تواجه بسببها مشكلات مكتومة، سوف تنعكس على آليات التسوية السياسية التي تتبناها مصر في بعض الأزمات. ولعل الحالة الليبية، تنطق بكلام تم السكوت عنه رسميا. فبعد أن طرحت مصر مبادرتها، طفت على السطح مبادرات موازية من دول أخرى. وعندما أوحت بأنها معنية بحل الأزمة السورية، بدأت القيادة الجديدة للائتلاف المعارض تسلك طريقا أقل مرونة من سابقتها. هكذا تبدو سحابة المغرب مليئة بالعبر العربية.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
المزيد

 
>>