First Published: 2015-02-06

الرباط - باريس: 'الصفعة'!

 

يحق للمراقب أن يعترف للمغرب ببراعة في معالجة ملف العلاقات مع باريس، لا سيما عدم اللجوء لمسالك خلفية ملتوية، بل اعتماد شفافية معلّنة واتخاذ مواقف حازمة حاسمة شكلت صفعة وأيقظت أوليّ الأمر في فرنسا من سبات بليد.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

على قاعدة الهاجس الأمني الذي يخيّم على فرنسا منذ الهجوم على صحيفة "شارلي ابدو"، تستفيقُ باريس فجأة على عجالة إعادة الحيوية إلى علاقاتها مع الرباط. يتذكرُ مانويل فالس رئيس الحكومة الفرنسي "تاريخية" العلاقة بين فرنسا والمغرب، ويؤكد وزير الخارجية لوران فابيوس على الصداقة التي ما برحت تجمع البلدين، فيما أصوات وازنة، لدى اليمين (في مقدمها الرئيس السابق نيقولا ساركوزي) واليسار، تطالبُ بتصحيح فوري للأعطاب التي طرأت على منظومة التواصل بين البلدين.

تدهورت علاقات المغرب وفرنسا منذ حوالي العام (فبراير 2014)، حين استدعت الجهات القضائية الفرنسية مدير مراقبة التراب الوطني المغربي، عبداللطيف الحموشي، إلى العدالة الفرنسية (كان يزور باريس) بتهمة حالات تعذيب مفترضة في حق مواطنين مغاربة بجنسيات فرنسية. أطلقت الصحافة الفرنسية آنذاك على الحدث تعبير "صفعة نويي" حسب الصحافة الفرنسية، في إشارة إلى بلدة Neuilly Sur Seine التي تتواجد فيها إقامة السفير المغربي، شكيب بن موسى، حيث تم تسليم الاستدعاء.

استشاطت الرباط غضباً، وأعلنت الحكومة المغربية تعليق اتفاقيات التعاون القضائي بين البلدين (27 فبراير)، فيما استعاد مراقبون ذكرى القطيعة التي جرت بين الرباط وباريس أيام الملك الحسن الثاني والرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران بعد صدور الكتاب الشهير لجيل بيرو "صديقنا الملك".

على أن أحداثاً أخرى تتالت وصبت زيتاً على نار التوتر بين البلدين: محاولة عسكري مغربي سابق دخول خلسة غرفة الجنرال عبدالعزيز بناني، الرجل الثاني في الجيش المغربي سابقا، الذي أدخل مستشفى "فال دو غراس" العسكري في باريس للعلاج، من أجل تسليمه رسالة يتهمه فيها بالقتل (حسب جريدة "الموند" الفرنسية). عملية مراقبة وتفتيش تعرض لها وزير الخارجية المغربي صلاح الدين مزوار اثناء مروره في مطار شارل ديغول، رغم حمله لجوز سفر دبلوماسي، وهو أمر قدم بشأنه وزير الخارجية الفرنسي اعتذاراً رسمياً. تصريحات وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان، التي أغضبت الرباط، بخصوص دور المغرب في مسار المصالحة في مالي...إلخ. كل ذلك عزز قناعة لدى الجانب المغربي أن التجاوزات الفرنسية ضد المغرب ليست صدفاً سيئة الحظ، بل هي نتاجُ موقفٍ فرنسي رسمي متواصل ضد مصالح المغرب.

لم ترتح الرباط إلى وصول الاشتراكي فرانسوا هولاند إلى سدة الرئاسة في فرنسا. فما هو معروف عن الرجل، كما عن وزير خارجيته لوران فابيوس، ميلهما باتجاه الجزائر (مجلة الاكسبرس الفرنسية تحمل فابيوس مسؤولية تدهور علاقات فرنسا بالمغرب)، فيما مالت مشاعر الإليزيه في عهديّ نيكولا ساركوزي وجاك شيراك نحو الجانب المغربي.

وجاءت زيارة هولاند للجزائر في نهاية 2012 لتزيد من قلق المغرب بصدد فرضيات توجهات سيّد الاليزيه الجديد. حاول العاهل المغربي الملك محمد السادس استباق تلك الفرضيات بزيارة قام بها إلى باريس (مايو 2012)، كأول زعيم دولة يزور الإليزيه في عهد الرئيس الجديد فرانسوا هولاند. ولئن اعتبرت الخطوة إشارة فرنسية، أيضاً، لرغبة باريس في تطوير علاقاتها مع الرباط بغض النظر عن علاقاتها مع الجزائر، إلا أن الإدارة الفرنسية الجديدة لم تنتبه إلى مراعاة حساسيات الرباط لدرجة تعفن العلاقات وتراجعها، ولجوء الرباط من جهتها إلى وقف التعاون الأمني بين البلدين احتجاجا (نقلت الـ "إلموندو" الاسبانية الخبر عن مصادر دبلوماسية فرنسية ولم تعلق الرباط على ذلك).

وفي ما نقل عن سفير فرنسا في الأمم المتحدة من كلام "جارح" (حسب الاستنكار الرسمي للرباط) بحق المغرب تعبيرٌ عن مزاج فرنسي يُفهم منه استخفاف بمقاربة شؤون المغرب وفهم طبيعة العلاقة بين البلدين. وفي ما صدر عن وزير الخارجية المغربي صلاح الدين مزوار (في مجلة جون افريك) من أن "زمن الوصاية لفرنسا على المغرب قد ولى"، ما يعبّر عن مزاج جديد في الرباط لا يقبل فوقية باريس ولا يستجدي تطبيعا مشوهاً لعلاقات البلدين.

أهملت باريس، أو عاندت، أو أن لوبيات داخلية عملت على تعطيل أي تقارب مع الرباط (حسب تصريحات مزوار)، فهذا قابل للنقاش الداخلي الفرنسي - الفرنسي. وسواء كان مصدر التوتر زلات فرنسية عابرة أو تأثراً بنزوع نحو ارضاء الجزائر، فإن باريس واجهت موقفا مغربياً صلباً تمثّل، خلال العام المنصرم، بتأجيل زيارات مبرمجة لوزير الخارجية المغربي لباريس، انتهاء بعزوفه عن المشاركة بالتظاهرة المليونية التي سارت استنكاراً للعملية الارهابية ضد "شارلي ايبدو".

ولا شك أن النخبة السياسية الفرنسية اكتشفت بالاجماع انكشاف الأمن الفرنسي نتيجة وقف التعاون الامني بين البلدين، وحرمان باريس من كمٍّ ونوعٍ من المعلومات المخابراتية المغربية الضرورية لمكافحة الارهاب (حسب الفيغارو الفرنسية يتلقى المغرب معلومات مهمّة من أصدقائه في جنوب الصحراء، لاسيما من موريتانيا ودول الساحل حيث تنشطُ الجماعات المتطرفة بشكل لافت)، مقابل ما تنعم به اسبانيا، مثلاً، في هذا الصدد، حيث تطور التعاون الأمني وتقدم على حساب تراجع العلاقة مع باريس (حسب ما نقلت الـ "موندو" الاسبانية عن فيرناندو رينار الباحث في المعهد الملكي الإسباني "إلكانو").

بيد أن الورشة الفرنسية الناشطة حالياً لـ "اعادة" العلاقات إلى "طبيعتها" مع الرباط، تتطلب إعادة تعريف لـ "طبيعة" هذه العلاقات وآفاقها والمطلوب منها، لا سيما لجهة موقف باريس الملتبس من موضوع الصحراء الغربية. هكذا ترى الرباط ذلك، وهي وإن تجهد لتجاوز الازمة، تسعى للحصول على ضمانات تحمي مسؤوليها (وهو ما نفاه وزير الاعلام المغرب مصطفى الخلفي وأكدته جريدة "البايس" الاسبانية)، كما تسعى لتخصيب ما يوصف بالعلاقات التاريخية بسمة الشراكة لا "العشق" (على ما قاله ممثل باريس في الأمم المتحدة في زلة لسان تافهة أخرى).

موقف المغرب واضح من مسألة علاقة فرنسا بالجزائر، ويعتبر أنه من حق باريس أن تطور بكل حرية علاقاتها مع أي كان، لكن الرباط، حسب ما نقلته الـ "الموند" الفرنسية عن الوزير مزوار، "لا تقبل أن تستخدم العلاقة مع دولة أخرى ضد المغرب"، مضيفاً "أننا نشعر أن الجزائر عملت على افساد العلاقات الفرنسية المغربية." بمعنى آخر، يخوض البلدان، المغرب والجزائر، حربهم الباردة في ميادين شتى، بما فيها ميدان العلاقة مع باريس.

يحقُ للدبلوماسية الفرنسية أن تشتكي من صعوبة التوفيق في علاقاتها المغربية الجزائرية بسبب الأزمة بينهما، لا سيما الموقف المتنازع عليه بشأن الصحراء الغربية. ويحق للدبلوماسية المغربية أن لا تغفل اهمالاً متعمداً تحوّل إلى ما يشبه العدائية في سلوك باريس إزاء الرباط. ويحق للمراقب أن يعترف للمغرب براعة في معالجة ملف العلاقات مع باريس، لا سيما عدم اللجوء لمسالك خلفية ملتوية، بل اعتماد شفافية معلّنة واتخاذ مواقف حازمة حاسمة شكلت صفعة (ردت بها على "صفعة نويي") وأيقظت أوليّ الأمر في فرنسا من سبات بليد.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
لبنان: ضجيج الرياض.. ورياض سلامة!
2017-05-26
هذه الترامبية التي تقلق إسرائيل!
2017-05-19
هل من صدام مقبل بين إيران وباكستان؟
2017-05-12
ماكرون رئيساً: فرنسا تعيد تصويب التاريخ!
2017-05-08
وثيقة حماس: ضجيج من أجل الهمس!
2017-05-05
لا إصلاحيون في إيران.. نعم لرئيس محافظ!
2017-05-01
هل تتطلب 'التسوية الكبرى' زعامة مروان البرغوثي؟
2017-04-28
نعم مارين لوبن تقترب جدا من أبواب الاليزيه!
2017-04-21
روسيا ترد على الغرب بدبلوماسية 'قلة الفهم'!
2017-04-14
توماهوك الشعيرات: قراءة بيتية أميركية!
2017-04-10
المزيد

 
>>