First Published: 2015-03-15

عودة مشروع 'غزة أولا'، ولكن بثمن أفدح

 

هذه المرة 'غزة أولا وأخيرا'.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. إبراهيم أبراش

بعد اثنين وعشرين عاما على الطرح الإسرائيلي لخطة "غزة أولا" والذي تم رفضه من الراحل أبو عمار ومن الكل الفلسطيني، يعود الشعار اليوم كتسوية ممكنة بل وأمر قائم يحتاج فقط لمن يقرع الجرس، ولكن هذه المرة كمطلب من جهات دولية وبعض الفلسطينيين، متساوقا مع جهود حثيثة لنزع غزة من سياقها الوطني وإقامة دولة غزة تحت ذريعة الظروف الإنسانية القاسية، أيضا قد تكون هذه المرة "غزة أولا وأخيرا".

منذ أن طرح شارون خطته رسميا للانسحاب من غزة عام 2004 ونحن نحذر من خطورة ما يُحاك لقطاع غزة، حتى اتهمنا البعض بأننا مهووسون بنظرية المؤامرة. واليوم وبعد النكران المطلق والصمت المريب للنخب السياسية الفلسطينية حول حقيقة ما يُحاك لصناعة دولة غزة، وبعد وصول حل الدولة المستقلة في الضفة وغزة إلى طريق مسدود، بدأ البعض يحذر بوضوح من دولة في غزة تقوم على حساب وأنقاض المشروع الوطني الفلسطيني، وآخرون لا يتحدثون مباشرة عن دولة غزة ولكنهم يعملون من خلال الممارسة والخطاب المدسوس والتحريضي على كي وعي الشعب الفلسطيني وخصوصا أبناء قطاع غزة لقبول دولة غزة.

تكرار العدوان على قطاع غزة، استمرار الحصار وتشديده، إعاقة كل سبيل يمكن أن يؤدي للمصالحة، بث ثقافة الكراهية والحقد بين فتح وحماس وبين أهلنا في قطاع غزة وأهلنا في الضفة الغربية، المبالغة والتهويل في الحديث عن الأخطار والمآسي التي يتعرض لها أبناء القطاع من فقر وجوع وحصار وانتشار الأوبئة ومشاكل الكهرباء والماء، انغلاق أفق المستقبل والتحذير من أن قطاع غزة موشك على الانفجار وبات مكانا غير صالح للحياة الخ. تضخيم وتهويل خطورة الوضع الإنساني والأمني يهدف إلى تهيئة الرأي العام الفلسطيني وخصوصا في القطاع لقبول أي حل حتى وإن كان تجريد قطاع غزة من وطنيته ونزعه من سياقه الوطني، مقابل ميناء ومطار ورفع الحصار.

مشروع دولة غزة فكرة قديمة، ولكن الحرب الأخيرة على غزة كشفت كثيرا من الأوراق وعجلت من انضاج المشروع وخصوصا بعد المؤتمر الدولي حول غزة الذي تم عقده في باريس يوم 26 يوليو 2014 وضم وزراء خارجية أميركا والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وتركيا وقطر وتم استبعاد الفلسطينيين أصحاب الشأن، حيث ناقش المؤتمر سرا موضوع رفع الحصار وبناء ميناء وقيام كيان في غزة، مقابل نزع سلاحها أو هدنة طويلة المدى، وفك ارتباط غزة بالضفة وبالمشروع الوطني.

بصمت استمر الاشتغال على الموضوع. السيد موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس يصرح في مقابلة مع قناة القدس يوم الحادي عشر من سبتمبر 2014 وهو ما كتبه أيضا على موقعه على الفيس بوك، أنه "لا مانع لدى حماس من التفاوض مع إسرائيل، لأنها قد تجد نفسها مضطرة للتفاوض مع إسرائيل بضغط من شعبها في غزة"، وأن "القضايا التي كانت في الماضي تعتبر من المحرمات يمكن أن يتم تسويتها اليوم". هذه التصريحات تنسجم وتتعزز عمليا مع فشل كل جهود المصالحة الفلسطينية وإصرار حركة حماس على أن تبقى حاكمة لغزة حتى وإن تركت الحكومة – مقولة السيد إسماعيل هنية "لقد تركنا الحكومة ولم نترك الحكم".

لم يقتصر الأمر على حركة حماس، فقد كتب الدكتور سلام فياض في مقال له يوم 9 من مارس الجاري مقالا تحت عنوان "سعي الفلسطينيين للدولة يبدأ من غزة"، وفي ظني أن هذا المقال يحتاج لتوضيح حتى لا يثير توقيته الريبة. أيضا التصريحات الحديثة لممثل الأمم المتحدة روبرت سري في يوم 2 مارس 2015 حيث طالب في تصريحه: "باعتماد استراتيجية غزة أولا، وأن غزة هي مشكلة سياسية ويجب معالجتها كجزء من إنهاء الاحتلال وتحقيق حل الدولتين، ولن يكون هناك سلام دون معالجة احتياجات غزة أولا، وسوف أطلع مجلس الأمن في أواخر شهر آذار للمرة الأخيرة وسوف أؤكد على ضرورة إعطاء الأولوية لغزة"، وبما هو قريب من هذا المعنى تحدث ممثل اللجنة الرباعية طوني بلير خلال زيارته الأخيرة لقطاع غزة.

إذا ربطنا ذلك بما سربه موقع "والا" الإسرائيلي عن عرض قدمته حركة حماس عبر روبرت سري والقنصل السويسري مفاده القبول بهدنة طويلة المدى مقابل رفع الحصار وبناء ميناء ومطار، ولم تنف حركة حماس وجود اتصالات معها بهذا الشأن، وإن قالت إنها ليست المبادِرة لها ولكن أطرافا أجنبية عرضتها عليها وهي محل بحث، وأن يتزامن ذلك أيضا مع خطاب نتنياهو الأحد الماضي عندما تنكر لخطابه في جامعة بار إيلان عام 2009 والذي وافق فيه بالاعتراف بدولة على حدود 1967 ضمن شروط، وأعلن في خطابه الأخير رفضه قيام دولة فلسطينية تشمل الضفة الغربية... كل ذلك يؤكد أننا في الربع ساعة الأخيرة لقيام كيان غزة رسميا.

للمرة الألف نعيد التأكيد على والتحذير من:

1- كانت إسرائيل أول من رفع شعار "غزة أولا" في بداية مسلسل التسوية، حيث كانت إسرائيل تريد أن يقتصر الانسحاب على قطاع غزة، وهي وإن عدلته لاحقا في إطار اتفاق القاهرة يوم الرابع من مايو 1994 في إطار المناورة السياسية إلى " غزة وأريحا أولا"، ثم سلطة حكم ذاتي مرحلي أوسع، إلا أن إسرائيل لم تتخل عن هدفها الرئيس بقصر الانسحاب على قطاع غزة فقط. لذا عطلت تفعيل الممر الآمن بين قطاع غزة والضفة المنصوص عليه في اتفاقية أوسلو، وفصلت بين هوية أبناء القطاع وهوية أبناء الضفة، ثم كان الانسحاب من القطاع 2005.

2- إن معركتنا الرئيسة في الضفة والقدس إن لم يكن في كل فلسطين، وليس في قطاع غزة، وإن الذين يرفعون شعار "غزة أولا" يعملون، بقصد أو بدون قصد، على حرف الأنظار عن المعركة الحقيقية في الضفة والقدس، ودفع الفلسطينيين ليتقاتلوا أو يتلهون بقطاع غزة وترك الضفة والقدس للإسرائيليين.

3- إسرائيل لا تتخوف من أي تجمع فلسطيني مثلما تتخوف من قطاع غزة، حيث تتم تصفية الحالة الوطنية في خارج فلسطين. قطاع غزة وحده هو المؤهل لاحتضان الوطنية الفلسطينية وشحذها واستنهاضها كما كان منذ 1948 حيث كان القطاع وحده من حمل الهوية الوطنية الفلسطينية. لذا فإن الهدف من وراء فصل غزة وحصارها هو حصار الحالة الوطنية التي تمثلها غزة، وجعل غزة مقبرة للوطنية الفلسطينية.

4- فشل النظام السياسي بكل مكوناته خلال سنوات السلطة في الحفاظ على وحدة الثقافة والهوية الوطنية والضمير الجمعي بين أبناء الوطن وخصوصا في الضفة والقطاع، والذي كان يسود خلال عقود الثورة والكفاح المسلح. فالسلطة قَصَّرت في حماية الهوية والثقافة الوطنية، وحركة حماس لا تعترف بهما حيث لها مفهومها الخاص للثقافة والهوية، وهذا الأمر أدى لغياب حالة من الصدمة أو الإحساس بالخطر عند جموع الشعب بسبب الانقسام أو قيام كيان في غزة

5- التلويح، سواء من أطراف فلسطينية أو من طرف إسرائيل، بحل السلطة (سلطة الحكم الذاتي حسب اتفاقية أوسلو) والموجودة عمليا في الضفة فقط، مع استمرار الحديث عن دولتين لشعبين أو مطلب الدولة الفلسطينية، سيؤدي إلى صيرورة قطاع غزة الخاضع عمليا لسلطة حماس إلى الدولة الفلسطينية الممكنة، وهذا ما يتوافق مع خطة خارطة الطريق التي تحدثت عن دولة ذات حدود مؤقتة.

6- هناك أطراف فلسطينية وعربية وإقليمية ودولية مستعدة للتعامل مع كيان قائم بذاته في غزة تحت حكم حركة حماس، ولكن ضمن شروط هي اليوم محل بحث بعيدا عن الأضواء.

7- في حالة التسليم بالأمر الواقع والإقرار بصعوبة انسحاب إسرائيل من الضفة وغزة في ظل موازين القوى المحلية والإقليمية والدولية الراهنة، وأن لا إعمار للقطاع ولا رفع للحصار إلا من خلال تكريس فصل غزة عن الضفة وإقامة دولة غزة، فإن دولة في غزة تحت سيطرة حركة حماس التي هي فرع من جماعة الإخوان المسلمين التي لا تعترف بالمشروع الوطني وربما لا تؤمن به، سيؤدي لإقبار الوطنية الفلسطينية، وهنا مكمن الخطورة.

 

د. إبراهيم أبراش

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر – غزة

Ibrahemibrach1@gmail.com

الاسم سعيد
الدولة السعودية

فلسطين أرض محتله , والأحتلال إلى زوال هكذا يقول لنا التاريخ , وتقسيم فلسطين الى مناطق وكيانات مستقله لتسهل القمه على المغتصب للارض , شكرأً دكتور

2015-03-16

 
د. إبراهيم أبراش
 
أرشيف الكاتب
مثقفون غير مثقفين: مثقفو الشتائم والإحباط
2017-03-19
الهروب نحو الحل الإقليمي لن يحل المشكلة
2017-03-09
في خفايا العلاقات المصرية الفلسطينية
2017-03-03
الدولة الفلسطينية ليست منة أو منحة من أحد
2017-02-18
تهافت مقولة عبقرية اليهود والغرب وتخلف العرب
2017-02-14
تصفية مرحلة التحرر الوطني قبل إنهاء الاحتلال
2017-02-07
كفى مكابرة، فقد أنكشف المستور
2017-01-31
ترامب وسياسة حافة الهاوية
2017-01-27
السلام: هذا المصطلح المراوغ
2017-01-21
أهمية مؤتمر باريس في انعقاده وليس في مخرجاته
2017-01-15
المزيد

 
>>