First Published: 2015-04-25

لا تنتهي مرثيتي في سنة العراق

 

لا جدوى من الحوار العراقي الداخلي، لأن العراقيين أصبحوا اليوم مجرد مسافرين في حافلة قديمة، لا فائدة من وجهة نظرهم بالرحلة والطرقات لأن السائق في النهاية إيراني.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أسعد البصري

كيف يمكن لفتاة طالبة ماجستير أن تقول لك "أرجوك نحن مرتاحون بالموصل، لا نريد شيئا سوى ابتعاد الطائرات والحشد الشعبي عن مدينتنا؟" أنا أذكر مثلا أن الفتيات الشيعيات المتعلمات رفضن التمرد الشيعي عام 1991 لأنه كان دينيا، فهن يفضلن الثورات التي تكفل لهن الحقوق المدنية والحرية الشخصية. كيف يمكن أن نتجاهل حقائق صادمة من هذا النوع؟ ما هو نوع الممارسات الطائفية بالموصل خلال السنوات العشر الماضية حتى أصبحت فتيات موصليات على درجة عالية من الثقافة، يفضلن الدواعش على العودة إلى حكومة بغداد الطائفية؟

ألا تحب الفتاة الموصلية الحرية؟ ألا ترغب بإكمال دراستها في لندن؟ ألا يعجبها الذهاب مع خطيبها إلى مقهى مفتوح كمقاهي الخليج مثلا؟ كيف رضيت بحكم داعشي متطرف من القرون الوسطى؟ أليس ذلك لأن هناك شيئا ما قد حدث خلال تلك السنوات الماضية؟ أليس لأن الإذلال قد وصل حدودا لا تُطاق؟ فما جدوى كلام صحفية فرنسية رشيقة عن مكافحة الإرهاب بالموصل بعد هذا؟ هل نبيد المدينة عن بكرة أبيها، لمجرد أننا لا نمتلك شجاعة الكشف عن الحقيقة؟ لا مفر من الدعوة إلى تغيير الحكم الطائفي ببغداد. أليس التحرير الأسهل للموصل هو بتحرير بغداد من الطائفيين والصفويين؟ أليس هذا أكثر منطقية من هدم واحدة من أعظم مدن الشرق العربية وتشريد أهلها؟

يقول الأستاذ وليد الراوي كان الجيش يهين السكان بكل الطرق، يعتدون بالضرب، يعتقلون على الشبهة، يشتمون مقدسات اهل الموصل، يتحرشون بالنساء، يسرقون، يقتلون، يسلطون المتخلفين من بعض شرق الموصل على سكانها، يرتشون، ويرتكبون كل الموبقات. جيش طائفي بمعنى الكلمة، لذلك هب أهل الموصل ضدهم حتى الذي ليس له علاقة صار ضدهم، نتيجة تصرفات غير طبيعية من الجيش. حقد وكره وخبث على السكان، واسألوا وزير الدفاع شخصيا؟ فهو على علم بذلك. وشاب من الموصل يقول "كانوا يتعمدون إهانة والد الفتاة أمامها، لأنهم يريدون اعتقاله والفتاة معه لغرض التحرش."

مشكلة الشباب السنة اليوم هي أنهم قد تحولوا الى غضب ودموع مطلق. البلد يحترق، والظلم في تصاعد. لا نستطيع حتى أن نطالبهم بهامش صغير من التسامح. كيف نجحوا في دفعنا الى هذه الهاوية المميتة؟ نحن تركنا العراق حين كان عراقا حقيقيا، لا نعرف تماما ما الذي حدث حقا بعد ذلك، وحتى لو عرفنا لا نستطيع تقمص ذلك الشعور تماما بالظلم. أعتقد بأن تصاعد القمع الديني والجسدي والرمزي هو سبب انعدام وجود عدد كاف من الكتاب السنة، لأن الانسحاق الى هذه الدرجة يؤدي الى تطرف شامل، لا يسمح بتطور فكر معتدل يكون مقبولا للصحف والاعلام العربي.

نحن حتى لا نتساءل من هؤلاء الفتيان الذين يحاربون؟ نقول هناك 500 قتيل داعشي و20 قتيلا، من هؤلاء القتلى الدواعش؟ ما هي أسماؤهم؟ وما هي ملامحهم؟ لابد عندهم أمهات وأخوات. هؤلاء الطالعون كالأناشيد الجنائزية على الدنيا، المتدفقون من الفك المكسور للوطن والتاريخ والرحمة. نتحدث عن التوحش، ولا نعرف كيف يتوحش البشر؟ ألا يحب هؤلاء الفتيان خطيبات جميلات، وسفر حول العالم؟ نعم كانوا يحبون الحياة، إلا أن الحياة لم تبادلهم الحب. لقد تم نبذهم هكذا تحت تأثير الظلم النهائي، فوهبوا حياتهم للأناشيد المتصاعدة.

المطلوب الآن ليس ذبحهم فقط، بل حرق بيوتهم، واغتصاب أخواتهم، وتشريد ابائهم، وهدم مدنهم، حتى تصبح جميع المدن "إلا طحين". أحاول أن أساعد غير أن هذا الظلم أكبر من الحياة والعالم. إنه ضمير منكس في عالم مقلوب، ومنطق مشابه للشيخ حميد الهايس الذي يحمل العجائز النازحة من الأنبار مسؤولية الحرب. ليس هناك محبة في هذا العالم كله تكفي لانقاذ الفتيان الذين ضاعوا بالتطرف.

العالم كله يشحذ سكاكينه لذبح الموصل الجميلة الرشيقة، ولا يسمون ذبح المدينة القديمة سوى حرب على داعش. ولا يمكننا حتى تبريد قلوب الفتيان بكلمة عقلانية، إنهم مصرون على الانتقام لقتلاهم وكرامتهم، لا يفهمون بأن الحياة نادرة، والشباب أغنى من الملوك. غليان أسطوري للدمع والغضب في كل مكان. هؤلاء الفتيان ينفجرون حتى علي أنا المدافع عن دمعة المدينة وأطفالها، وحين أقسو عليهم يبكون، ويقولون بأنهم يعانون القهر الطائفي، ولا يحلمون بغير الانتقام، لا يتحملون كلاما عن العدل والإعتدال. لقد نجح الاعداء في دفعنا الى هذا المذبح الصفوي النائي.

الخطاب ينحدر شيئا فشيئا نحو الرثاء. فما علاقة الشباب بالجدل الفقهي التاريخي، وما ذنبهم ليتحملوا وزر صراعات عقائدية ثقيلة، لا يطيقها سوى الكبار أمثال ابن حنبل وأبي حنيفة. هؤلاء أولادنا الصغار، أبناء الحياة، وفتحة عيوننا على المستقبل، جدير بهم أن يتعلموا القصائد الغزلية لمراسلة حبيباتهم. وليس هكذا ينغمرون بتفسير النصوص الصعبة والتاريخ. ما جدوى هذا الهدر العراقي للحب، والمدن، والشباب، والطاقات. إنها سياسة ايران التوسعية القبيحة بفقهاء الأقبية المليئين بالمكر، تمكنت في النهاية من أفئدة أولادنا، ودقات قلوب بناتنا.

نحن كمسلمين عندنا "سفرٌ" قاس، لا معنى له في الظروف العادية. أئمتنا الكبار "فقهاء الحياة" هم المعتدلون العباقرة كأبي حنيفة والشافعي ومالك وابن حنبل، إلا أننا حين يتم هتك أعراضنا وسلب أموالنا وقتلنا بالطرقات على الهوية، وحين يكون الدين في خطر والمساجد تنهدم على المصلين. نذهب عندها بصمت الى ذلك المكان المظلم من المكتبة، ونمسح الدم عن عيوننا لنفتح السفر القاسي كتاب شيخ الاسلام ابن تيمية، الذي لا يضيء الا في الظروف الصعبة "فقيه موت" وهو القائل "أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة." فقيه مخصص للمسلمين الذين تحاصر مدنهم وتُغتَصب حقوقهم، وفي حالات البكاء دما.

وهذا يفسر لنا لقاء بعض العرب مع العراقيين في الموصل، فهو لقاء "قارئ لكتاب بمكابدٍ لعذاب" فالمسلم الذي قرأ ابن تيمية، وجد في عذاب سنة العراق مصداقا لما قرأ. والعراقي الذي تعذب وأُذِلّ واغتصب عرضه، وجد بشيخ الإسلام أبا وحيدا لخلاصه. هذا هو التفسير المنطقي الوحيد لما يجري. الا أننا نطمح بعودة السلام و"فقيه الحياة" العراقي أبو حنيفة مرة أخرى، وعودة السفر القاسي إلى الركن النائي من المكتبة الإسلامية.

الإعلام هو الآخر يبدو مخصصا لتأجيج التطرف وليس إلى معالجته. الـ "سي أن أن" تلتقي بصبيات شقراوات مترفات يتحدثن عن الإرهاب في العراق وسبل القضاء عليه، هكذا يحركن ألسنتهن بسرعة لضيق الوقت الإعلامي، وهي عجلة مفتعلة تسبب انعدام الدقة والحقيقة. كذلك الإعلام العربي معظم مقالاته تبدو وكأنها مقالات أجنبية مترجمة، فهي لا تكتفي بحصر الكلام بتصريحات المسؤولين الأجانب، بل تفتقر إلى الوجدان والمصداقية. فلو عثرت دابة في الموصل، نذهب إلى واشنطن لنكتب وجهة نظر خبير أميركي "بالدواب العاثرة" وهذا ما يؤدي باستمرار إلى تفوق الخطاب الإيراني علينا في هذه النقطة بالذات.

لا أحد يبدو منتبها إلى صمت المفكرين الكبار في جميع أنحاء العالم العربي، وكأنهم انتحروا جماعيا ولم يعد لهم وجود. هذا ربما لأنهم يرون بأن معظم الإعلام أصبح خارج اختصاصهم. كاتب عراقي عجوز يعيش في أوروبا، لا يستطيع كتابة كلمة عن الطائفية في العراق خوفا من اتهامه بها، لهذا يلجأ إلى نشر مقالات أجنبية باللغة الإنگليزية، وكأنه يقول بأن الأجانب يقولون هذه الأشياء ولست أنا.

حتى أن النقد الذي وجه للإحتلال الأميركي للعراق كتبه أميركان وأوروبيون، وبتأثير منهم بدأ بعض العرب يكتبون. الفتيان المحتجزون اليوم بالقهر، والمضيعون بالطائفية العراقية شعروا بأن العالم كله مزيف، وأن التطرف يبدو أكثر مصداقية في التعبير عن آلامهم وطموحاتهم. ونحن حين دائماً نوجه خطابنا من العراق إلى العرب لأننا نطمع بنظرة عطف ومساعدة، فلا جدوى من الحوار العراقي الداخلي، لأن العراقيين أصبحوا اليوم مجرد مسافرين في حافلة قديمة، لا فائدة من وجهة نظرهم بالرحلة والطرقات لأن السائق في النهاية إيراني.

الدول العربية هي الحافلات التي ما زالت بقيادات عربية. لا نستطيع الكف عن توقع الأمل والتوسل بأشقائنا، فلا يوجد بديل آخر. إيران تنجح في تصدير ثورتها أحيانا لأننا لا ننتبه في معظم الأحيان إلى العزلة التي يعاني منها خطابنا إلى الناس.

لقد دعا الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إلى دراسة التطرف فكريا وتشخيص أسبابه، كما صرح أكثر من مسؤول سعودي بأن معظم المتطرفين هم فتيان متحمسون وضحايا عواطفهم، هذا شيء كان يمكن للمثقف استثماره والتأسيس عليه بالإتجاه المفيد. لقد استمعت بنفسي إلى مكالمة هاتفية أجراها ولي ولي العهد السعودي مع متطرف باليمن وحدثه كولد ضائع من أولاده، وبرنامج المناصحة السعودي من أرقى المشاريع الإنسانية في إعادة تأهيل المتطرفين.

المثقف العربي بالمقابل أخذنا في كتابة جيمس بوندية، مخابراتية، تنجيمية، تدويخية، وقراءة فنجان سياسي عن التطرف، وزاد الأمر عزلة ولا جدوى، بدلا من الكشف عن تأثير العزل، والقمع الرمزي الطائفي على مزاج الشباب مما يزيد من تصاعد جاذبية التطرف الديني.

ثم لماذا أشعر بوجود خطأ إنساني كبير في كل ما يجري؟ لماذا لا يوجد آخرون يشاركونني هذه القناعة؟ هذا الأمر وحده يجعلني أشعر بالخوف. ثم كيف نتهم شيوخ التطرف بتضليل الشباب، وتسميم عقولهم، ونحن كمثقفين من جهة أخرى، نقوم بالشيء ذاته تماماً.

السؤال هو لماذا أنا لست متطرفا؟ ربما لأن عندي بنات، وجوازا أجنبيا، وعملا، وأصحابا. ربما لأن هناك مقهى على بعد خمس دقائق أشرب فيه الشاي، وأكتب بحرية. فلو اغتصبت ابنتي، وطردتني من عملي، وسجنت أصحابي، وأحرقت المقهى الذي أكتب فيه، ومنعتني من السفر الى أي مكان، ربما أصبح متطرفا عندها، ويصبح اسمي أبو قتادة.

أمس الخميس خرجت اﻷمم المتحدة للإطلاع على أحوال نازحي الرمادي، كانت محطتهم اﻷولى مخيم النازحين في حي الجامعة بجانب جامع برهان الدين. قدم الشيخ محسن - مسؤول المخيم - إيجازا للمنظمة الإنسانية متحدثا عن تبرعات ومساهمات اﻷهالي، فاقترب منه شخص يرتدي بدلة بلون رمادي وقميص أبيض بدون ربطة عنق مع لحية خفيفة زاجرا الشيخ محسن لعدم إشارته لمساعدة بعثها السيد عمار الحكيم، فاستجاب الشيخ محسن لهذا الشخص، وبعد انتهائه استدار نحو الشخص المنوه عنه وسأله "هل أرضاكم كلامي؟". المحطة الثانية في الزيارة الإنسانية كانت مع قائم مقام أبو غريب الذي انطلق بهم إلى موقعين للنازحين أحدهما ميدان رماية أولمبي يقع في حي الرسالة، وأثناء تقديم القائم مقام الشرح للزوار أشار إلى أن المخيم نتاج جهد جماعي من اﻷهالي، فصرخ بوجهه أحد الحضور من نفس مواصفات الشخص اﻷول "يعني قصدك الحكومة كل شي ما قدمت." قالها بصوت عال أمام جميع الضيوف فتلعثم القائم مقام وتبعثرت كلماته فأنقذت السيدة ليز - مسؤولة تنسيق العمليات اﻹنسانية - الموقف وأخذت زمام الكلام ﻹنهاء الحرج. هذا هو حالنا حتى ونحن نازحين متسولين، فما عساه يكون حالنا لو كنا أسرى محاربين؟

هذا الصباح رسالة من بغداد "استاذ بداخلنا نار احرقت قلوبنا، العام الماضي في مثل هكذا أيام احتفلنا بعيد ميلاد رفيقي" عبدالله " طالب هندسة كهرباء مرحلة ثانية، لنتلقى خبر اختطافه وقتله (خنقاً) رابع أيام عيد الاضحى". ورسالة أخرى من بغداد "اليوم في صلاة الجمعة، تطرق الخطيب الى قصة عام الرمادة وبالذات الى قول سيدنا عمر: 'اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يد عمر.' فأجهش الشباب بالبكاء قبل كبار السن. وقفزت الى ذاكرتي صورة المنشور الذي كتبته أنت قبل عدة أيام عن سر هذه الدموع."

لا تنتهي أغنيتي في رثائك يا شعبي.

 

أسعد البصري

الاسم عبد المتكبر
الدولة المغرب

لقد مر اليهود بما هو أسوء و لمسوا برؤوسهم القاع و قاع القاع مكرهين و رغم ذلك لم يستسلموا حتى وصلوا بطريقهم (التي لا نتفق معهم عليها بالضرورة) إلى ما يريدون.الشام و العراق يدفعان ثمن سذاجة السنة و ثقتهم في من يعلمون أنه يكرههم إرضاء للآخرين على حساب أنفسهم باستسهال بعض التنازلا...

2015-04-25

الاسم برنايو بريونا
الدولة المملكة المتحدة

قلت لك سابقا اتركوا اللطميات والبكائيات ودافعوا عن انفسكم والا لن يبقى سني واحد في العراق. الشيعي العاقل عملة نادرة وهو ليس عدو لكن الاغلبية جاهلة حقودة اسيرة تاريخ مزور ومركوبين من قبل اسيادهم الصفويين

2015-04-25

 
أسعد البصري
 
أرشيف الكاتب
جهاد النكاح في العراق
2017-06-13
طهران تعيش هاجس التغيير الداخلي
2017-05-20
زيارة الكاظم تجمع الشيعة وتفرق العراقيين
2017-04-21
الخطر الأول الذي يهدد العرب
2017-04-13
المطرب حسين نعمة واجتثاث البعث
2017-04-01
بعد خطبة النهاية الداعشية، على سنة العراق تقديم قيادات مقبولة
2017-03-23
الطائفية الثقافية في العراق
2017-03-03
ماذا عن سنة العراق لو تمت المصالحة بين السعودية وايران؟
2017-02-06
الخميني وشعار الموت لإسرائيل
2017-02-02
هل ظلمنا الرئيس عبدالفتاح السيسي؟
2017-01-03
المزيد

 
>>