First Published: 2015-06-25

شيزوفرينيا اجتماعية في مصر

 

من يشاهد اعلانات دور الايتام والمستشفيات والمساعدات التي تصاحب برامج رمضان يعتقد ان مصر بلد من الشحاذين والمتسولين.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

لا يستطيع المرء أن يتجاوز حمى الهجمة الإعلانية التي اجتاحت الكثير من القنوات الفضائية مع بداية رمضان، التي تحث الناس على التبرع المادي، لمستشفيات، ودور أيتام، وبناء مساكن، وتقديم مساعدات مختلفة، من الإبرة وحتى الصاروخ، أو هكذا يخيل لمن يجلس بعض الوقت أمام التليفزيون، في انتظار مسلسل أو برنامج ترفيهي.

من يسوقه حظه العاثر للمشاهدة بتركيز، سيخرج بانطباع كأن المصريين شعب، للأسف، من "الشحاذين والمتسولين"، حيث يتم استخدام كل أنواع الاستجداء، لحض المواطنين على فعل الخير، مع أنه ليس بحاجة لأي ابتزاز إنساني أو وجداني، فهذا النوع من العمل، إذا لم ينبع بشكل إرادي ومستتر فلا قيمة له.

وقد أدت المبالغة والالحاح واستخدام كل مفردات قاموس الابهار والنفاق والجذب والترويج، من نجوم رياضة إلى فن إلى إعلام إلى طب وخلافه، إلى تشكيك في طبيعة الرسالة التي يريد أن يوصلها القائمون على عمل الخيرات، والخوف من أن تكون هناك أهداف خفية يسعون لتحقيقها، خاصة أن هذه البضاعة شهدت ازدهارا غير مسبوق في شهر رمضان، وتوظيف مبهر للحالة الروحانية التي يبدو عليها قطاع كبير من الناس، تتخطى حدود التبرع، وشارك فيها نجوم متطوعون ومأجورون بطريقة تدعو للرثاء أكثر مما تدعو للتعاطف والتلاحم، فمن يريد المساعدة لن يكون في حاجة إلى من يستفز مشاعره، لكنه بحاجة لمن يسبقه بلا ضجر أو صخب.

لست ضد عمل الخير بكل أنواعه، لكن الخير الذي تكون له ضوابط حاكمة وصارمة، ويتم تحت بصر القانون، ولا يلتف عليه أو حوله، فيستغل حالة الرخاوة التي تظهر عليها بعض مؤسسات الدولة، ويقدم محتوى إعلاني يمكن أن يضر بهيبتها، سواء عن قصد أو بدونه، فالحصيلة التي تصل إلى عقل وقلب من يشاهد التنوع الكبير في عدد الإعلانات، تسيء إلى صورة مصر والنظام الحاكم، وترسخ انطباعات بشأن الاستسهال والحرص الشديد على ادمان طلب المساعدات، في الداخل والخارج.

أخشى أن نستيقظ ذات يوم، ونكتشف جملة من الأغراض المخيفة التي تكمن وراء لافتة إعلانات الخير، حيث تذكرنا بإعلانات توظيف الأموال، التي جرى استخدام نجوم الفن والدين والرياضة، لدغدغة مشاعر الناس، ثم صحونا على كابوس الريان والسعد والشريف وشركائهم، منذ حوالي ثلاثين عاما، لذلك كل ما نتمناه أن تكون هذه الإعلانات مقننة، وتخضع لاشراف مؤسسات رسمية محددة، نعرف أولها من آخرها، لأن الصورة التي تقدم بها تشير إلى أنها أصبحت "سداح مداح"، وكأنه لا توجد رقابة أو متابعة أو محاسبة حقيقية، وتوحي بأن ثمة كعكعة كبيرة يريد البعض الإسراع بقضم أكبر جزء منها، قبل أن تختفي أو يسبقه آخرون إلى التهامها.

ورغم الأهداف النبيلة الظاهرة لإعلانات التسول، إلا أن الإسراف الواضح فيها، يمكن أن يأتي بمردودات عكسية، ويسيء لأفراد وجمعيات أهلية تعمل منذ فترة طويلة في صمت، وحققت نجاحات لافتة، كما أن الافراط في سخاء الإعلانات ينطوي على مجموعة كبيرة من السلبيات، فبعضها يصيب الناس بالاكتئاب والألم، مرة عندما يرون نماذج وحالات مرضية متدهورة، ومرة أخرى لأن هناك قطاعا يشعر بالعجز لأنه لا يستطيع مد يد العون لهؤلاء المرضى، ومرة ثالثة لأن من يشاهدونهم أصبحوا سلعة تتم المتاجرة بها عن عمد.

ومرة رابعة لأنها تؤكد أن الحكومة غائبة، والدور المفروض أن تقوم به في خدمة المواطنين والعمل على راحتهم ذهب لجهات أخرى، الأمر الذي سوف تكون له انعكاسات سيئة على العمل العام، فعندما تتخلى الدولة عن صميم دورها لجمعيات معروفة أو مجهولة، لا أحد يلوم الناس إذا تقاعسوا عن الاستجابة لندائها في مجالات حيوية، خاصة أن المرحلة المقبلة مليئة بالتحديات، بما يتطلب تكاتفا كبيرا من المصريين، وإيمانا بفكرة الدور الوطني لكل فرد في القدرة على العمل والمزيد من الانتاج.

المشكلة أن هذه الإعلانات كأنها تحث على الكسل، وتشيع التواكل بين الناس، وتبعث على فقدان الأمل في المستقبل، فإذا كان هناك من يساهمون في المطعم والمشرب والملبس والمسكن والعلاج، فلماذا يعمل ويجتهد الناس لتغيير أحوالهم، وتحسين أوضاعهم الاجتماعية؟

الأخطر أن المبالغة في الانتشار والتكرار، قد تمنح قبلة حياة لجمعيات بذلت الدولة جهودا مضنية للسيطرة عليها، ولم تتمكن تماما حتى الآن من تحقيق هذا الهدف، لأن غالبية الإعلانات تستخدم خطابا دينيا غير مباشر، وهو ما يسير في الاتجاه المقابل، لعملية التجفيف والرقابة على منابع الجمعيات الأهلية التي نجحت في الوصول إلى قاع المجتمع، وحققت من وراء ذلك مكاسب سياسية كبيرة، وكانت لها تأثيرات إجتماعية على طبيعة المهمة التي من الواجب أن تقوم بها أجهزة الدولة، والتي إذا وضعت في مقارنة، لمالت لصالح مناهضيها.

الحاصل أن إعلانات الخير، كما يسمونها، تتناقض تماما مع إعلانات المنتجعات والمساكن الفاخرة التي تذاع قبلها أو بعدها، وهو ما يثير الكثير من الأمراض الاجتماعية، ويكرس حساسيات طبقية لا لزوم لها في الوقت الراهن، فعندما يرى المشاهد البسيط هذه "الشيزوفرينيا" من الصعوبة أن ينحاز إلى معاناة المرضى والفقراء، لكن من السهولة أن يصب غضبه ونقمته على ساكني المنتجعات، وبالتالي تتزايد معالم التفسخ في المجتمع، وتفضي الرسالة الإعلانية إلى مشكلات جديدة، لا أعلم هل وضعها أصحابها في الحسبان أم لا؟

من المهم قبل الانتهاء من التشريعات الإعلامية الجديدة المكملة للدستور، أن تتم مراعاة ملف الإعلانات من جميع جوانبه، القانونية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية ايضا، ويتم وضع تفاصيل بالضوابط الإعلامية الحاكمة له، وعدم الاستهانة به، فالعملية ليست أموالا أو استثمارات تضخ، من جهات معلومة وأخرى غير معلومة، لكنها عملية تتعلق بصميم الأمن القومي لأي دولة، والذي من أهم أهدافه الحفاظ على تماسك المجتمع، ووقف محاولات تخريبه وتفتيته، عن قصد أو عن جهل، فإعلانات الخير أو الاستجداء لا يمكن أن تؤدي إلى تقدم البلاد.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر
2017-05-11
هل تستطيع حماس خداع العالم؟
2017-05-04
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
قفزة حماس الجديدة
2017-04-06
تغيير وجه السودان سياسيا
2017-03-30
إغلاق صفحة أوباما مع مصر
2017-03-23
معركة تحرير العراق من إيران
2017-03-16
المزيد

 
>>