First Published: 2015-07-07

لبنان: نعم لانتخاب الرئيس المسيحي القوي!

 

في تقديم نفسه 'القوي'، يعبثُ الجنرال عون بمشهد سياسي مسيحي متعدد لطالما أنتج رؤساء أداروا البلد وفق معايير حكم البلد الداخلية والإقليمية والدولية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

تعاقبَ على رئاسة الجمهورية في لبنان منذ الاستقلال (1943) إثنا عشر من الشخصيات المسيحية المارونية، كان لها ما لها وعليها ما عليها. أتى توافقٌ محلي وإقليمي ودولي بكل الرؤوساء. وحين وجدت تلك التوليفة التوافقة أن الأمر سيّان بين المرشحيْن إلياس سركيس وسليمان فرنجية في انتخابات عام 1970، حمل البرلمان اللبناني فرنجية إلى سدّة الرئاسة بفارق صوت واحد، بما عدّه البعضُ اقتراعاً لبنانياً خالصاً.

وفي لائحة الرؤساء الذين تعاقبوا على قصر بعبدا أثناء وبعد الحرب الأهلية، كان واضحاً أن إسم الرئيس منذ بشير الجميل إنتهاء بميشال سليمان يصدرُ عن مطابخ خارجية (ليس بالضرورة أن تكون متوافقة) "تساعد" اللبنانيين في إختيار رئيسهم، ولا بأس من دمغ الإنتاج بعبارة "صنع في لبنان"، ومن تخريجه وفق الطقوس البرلمانية البيروتية (وربما أن إغتيال بشير الجميّل ورينيه معوّض سببه غياب التوافق الإقليمي الدولي حولهما).

يكابرُ اللبنانيون بعددهم وعدّتهم ويمعنون في تخيّل أنفسهم أمةً كبرى تناطح أمما عظمى. ولطالما تنافست معسكراتُ السياسة في لبنان، داخل اصطفافاتها، في تعظيم قوة البلد وجبروته وقدراته السيادية الاستقلالية التي لا تخضعُ لوليّ ولا تنصاع لفقيه. وإذا ما قُدّر لقادرٍ على رسم هذا البلد واختراع كينونته، على منوال نماذج عديدة في هذا العالم، فإن دينامياته تخضعُ تاريخياً لتوازنات الكبار وحساباتهم. وإذا ما فُعّلت "عبقرية" اللبنانيين، فيجب أن تكمن في فهم واستيعاب تلك التوازنات وتعظيم شأن البلد وشروط عيشه وفقها. ليس في ذلك انتقاصٌ من وزن البلد، بل احتراف للمقاربات التي تسير عليها الأمم (لا سيما الصغيرة) داخل منظومة العلاقات الدولية الحديثة.

لا يعودُ صمود الفرادة الديمقراطية للبنان إلى مواهبَ لبنانية خاصة لا تدخلُ في جينات شعوب المنطقة، بل إلى طبيعة قماشته الطائفية التي لا تسمحُ بظهور الديكتاتور والدكتاتورية. عمل َالبلدُ بمذاهبة وطوائفه المتعددة وفق ما أطلق عليه "الديمقراطية التوافقية"، ليس بسبب سماحة اللبنانيين ورجاحة منطقهم، بل مكرهين بحكم تعددهم، وما خبروه من صدام في حال تشوّه توافقهم.

في ذلك عملَ اللبنانيون على صناعة مؤسسات دستورية وسياسية على مقاسهِم، فأنتجوا قوانين انتخابات وبرلمانات ورئاسات ثلاث، علّ في ذلك ما يحمي خصوصية البلد وما يوفّر استقرارا وتعايشا. في أدوات ذلك التوافق أتوا برؤساء للجمهورية والحكومة والبرلمان، وإذا ما حدث غير ذلك، فهو استثناء تفرضه ظروف لا طاقة للبلد على مقاومتها (الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 مثالاً).

خارج هذا السياق التاريخي وتقاليده يطلُّ ميشال عون في معركة يلوّح بها بيراع "الرئيس القوي" كشرط لولوج قصر بعبدا، وكحقّ من حقوق المسيحيين الذين "تهمشت" حقوقهم وتراجع حضورهم داخل منابر السلطة في لبنان، حسب خطابه. في ذلك يسوّق الرجل عند المسيحيين بضاعةً لطالما لاقت آذاناً صاغية لدى من يسمع في صراخ الجنرال ترانيم نوستالجية تعيدُ للموارنة مجداً مزعوماً يعود إلى ما قبل "الطائف".

في تقديم نفسه "القوي"، يعبثُ الجنرال بمشهد سياسي مسيحي متعدد لطالما أنتج رؤساء أداروا البلد وفق معايير حكم البلد الداخلية والإقليمية والدولية. تزدهرُ الساحة المسيحية بالوجوه والكفاءات التي يمكن أن تكون مرشّحة، وتحظى بإجماع، لحكم بلد عصيّ في تركيبته ونسيج وجوده. يحرجُ منطق "القوة" الطبقة السياسية المسيحية، التي لطالما استطاعت، بحنكة، المحافظة على موقع الرئاسة المسيحي الوحيد في هذا الشرق. بكلمة أخرى، تربكُ العونية قدرة المسيحيين على صيانة "شرعية" ترؤسهم لبلد ثلثيه من المسلمين، فلا يتسرّب من أداء الطائفة ما يروم حكم مسيحي للمسلمين، بل حكم رئيس مسيحي لكل اللبنانيين.

في منطق الجنرال أن المسلمين يحكمون بأقويائهم فلماذا لا يحقّ للمسيحيين ذلك. فإذا كان يقصدُ قوة حزب الله، فهي قوة سلاح، يتحالف ُهو مع أصحابها، فيما لا يقارعُ الحزب سلاحٌ لبناني مضاد. وإذا كان يقصدُ رئاسة نبيه بري للمجلس النيابي، فأمرُ ذلك يُدبَّر داخل البرلمان ووفق آليات انتخابية تحت قبته، يجري التمهيدُ لها بتوافقات خارجه. وإذا ما كان يقصدُ تيار المستقبل ونفوذه في اختيار رئيس الحكومة، فهذا أيضا يقرره البرلمان، من خلال الاستشارات الدستورية المعروفة، والتي أيضاً تستند ُعلى توافقات تحددُ إسم الرئيس المكلّف، فإذا ما غاب التوافق لصالح هذا فهو حكماً لصالح ذاك، على ما جرى حين أتت توافقات أخرى بنجيب ميقاتي بديلاً عن سعد الحريري في هذا الموقع.

الأقوياء يتقدمون في مشهد الحكم في لبنان وفق تسويات تطالُ كل المكوّنات الطائفية السياسية للبلد. وفي السعي الداخلي المسيحي لطرح خيارات استفتاء المسيحيين أو استطلاع رأيهم حول الشخصية "الأقوى" لتبوء سدّة الرئاسة، سلوكٌ فيه غرابة لا تتّسق مع فلسفة الرئاسة في لبنان. فرئيس الجمهورية اللبنانية ليس شخصية يفضلّها المسيحيون لأسباب مسيحية، بل هي شخصية تٍنتخبُ لأسباب لبنانية متوائمة مع ديناميات إقليمية متقاطعة حكماً مع توافقات دولية. فهل يمثّل المرشح المسيحي الأقوى، وفق الاستطلاعات، شروط ذلك؟

خطورة المزايدة العونية، أنها بذهاب القواتيين إلى مسايرتها، في القانون الارثوذكسي سابقاً أو في مسألة استطلاع الرأي راهناً، فإنها تُبعد المسيحيين عن منطق "الطائف" وتروّج لديهم منطقاً انزوائياً يأخذُ تعبيرات فيدرالية (تتجاوز اللامركزية). في هذا يخاطرُ المسيحيون في فقدان تميّزهم الموضوعي التاريخي في موسم الخلاف السنّي الشيعي الراهن، في توفير وسطية واعتدال قادريْن على انتاج الرئيس الجامع الحكم حامي الدولة والدستور ووحدة البلد.

يملكُ حزب الله ما يملك من سلاح وامتدادات اقليمية، وربما دولية، وهو مع ذلك، ورغم فائض هذه القوة، لا يستطيعُ حكم البلد ولا فرض مرشحه للرئاسة. بمعنى آخر، فإن "القوةَ" المطلوبة من رئيس الجمهورية المسيحي في لبنان لن توفّرها زعامةٌ مسيحية قد تُفرجُ عنها الاستطلاعات (سواء جاءت نتائجها لصالح عون أو جعجع)، بل بقدرة الرئيس العتيد على اقناع اللبنانيين، المسيحيين قبل المسلمين، بقدرته على لعب دور الحاكم الحكيم، والشديد الحكمة، في موسم البراكين التي لا تحيط فقط بلبنان، بل أن حممها تنفجر داخله.

كان وزير الثقافة اللبناني الأسبق غسان سلامة قد سخر من حجّة أن المسلمين يفرضون على المسيحيين رئيساً لا يمثّلهم. قال الرجل فليتفق ّالمسيحيون على رئيس وسيذهب كل اللبنانيين لانتخابه. ربما هذا أدقُّ ما يقال، فالقوة تكمنُ في التوافق على المرشح المسيحي المناسب رئيساً، وإذا ما غاب هذا التوافق فإن أي مرشح آخر يصبح حكماً "الأكثر ضعفاً".

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

الاسم قمر الفضه طين الارض الشمسي
الدولة بلاد جبل الدب الازرق

يقول المثل \\ ما خاب من استشار لو ان اللبنانيون تشاوروا بصفاء نيه لما هدرت دماء وتضاربت قوى واعلم ان سبب بلاء اللبنانيون العدو الصهيوني اولا\' واخيرا\' وكذلك اعراب الخليج

2015-07-07

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
حماس تحل حكومتها: انتصار القاهرة!
2017-09-18
انتصار الأسد ونصرالله وشتائم المعارضة لدي ميستورا!
2017-09-15
حزب الله والجيش اللبناني: الصراع المؤجل!
2017-09-12
سوريا: هل تحتاج التسوية إلى حرب تشنها إسرائيل؟
2017-09-08
مفاجأة واشنطن: ترامب ينقلب على باكستان!
2017-08-25
مفاجآت الأعرجي...
2017-08-18
وزراء لبنان في دمشق: مآلات العهد
2017-08-14
سكون الحريري وضجيج هيلي
2017-08-11
سوريا: هل تعدّ الرياض المعارضة لمقاربة الحل الروسي
2017-08-07
كيف تتحرك الرياض باتجاه العراق؟
2017-08-04
المزيد

 
>>