First Published: 2015-08-10

سوريا: في الطائفية بين نظام ومعارضة!

 

نجحَ النظامُ السوري بسهولة في اقناع العالم بأنه حامي الأقليات والمدافع عن التنوّع، فيما نجحت الجماعات الأصولية في إقناع هذا العالم، مجاناً، بصوابية الادعاءات في دمشق.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

منطقيٌ أن يدافعَ النظام الحاكم في سوريا عن هيمنته وتسلّطه على البلد منذ عقود بالأدوات والوسائل المواتية. ومن منطق الديكتاتورية "الشرعية المنتخبة"، على ما يرددُ موالوها، أن تلجأ إلى أقذر الطرق وأكثرَها همجيةً لحماية "شرعية" كسبتها دائماً بالدمِ والعنف والانقلاب والقوة وفائضها، فذلك منهجُ الطغاة ودستورهم، ولا سابقة في التاريخ تفيدُ بعكس ذلك.

من منطق نظام دمشق أن يقدِّم دفوعاً تمجّد العلمانية ضد الإسلاموية وأن يقذفَ بحججِ الدفاع عن التنوّع ضد الإرهاب الديني والتكفيري. في ذلك يُنتج النظام ما يُرضي تقليعات الحاضر، ويجعلُ من حالهِ مندرجاً في المعسكر الدولي الكبير ضد التطرف والإرهاب، ترفده في ذلك "أدونيسية" لا تكلّ.

ترفضُ دمشق الإسلام السياسي، لكنها ترضى بطبعاته الإيرانية العراقية رافداً لعلمانيتها. تعاملت دمشق منذ عقود باستئصالية حازمة ضد الجهاديين فأدخلتهم سجونها، قبل أن تُفرجَ عنهم وتستدعي آلافاً غيرهم والدفع بهم إلى العراق لمناكفة الخصم الأميركي هناك. قاتلت دمشق الإسلاموية التي تخاصمها في سوريا، لكنها في الأيام اللبنانية دعمت إسلامييها لتخويف المسيحيين الذين لم يخضعوا لقواعد "الوصاية"، وأرسلت، بعد انكفائها، جهادييها (فتح الإسلام) إلى مخيم نهر البارد في لبنان لضعضعة حكم خصومها هناك.

العلمانية والإسلاموية خطّان لا يلتقيان بنيوياً إلا في دمشق. هناك، عاديٌّ أن يرفرفَ علم الحداثة والتنوير وعلم الجهادية والظلامية جنباً إلى جنب من أجل الدفاع عن نظام "قلب العروبة النابض". كادت الأدوات الجهادية لنظام دمشق أن تسببَ قطيعةً مع نظام بغداد. ذهب نوري المالكي إلى تهديد بشار الأسد بشكوى ضد نظامه لدى مجلس الأمن. بعدها ابتلع المالكي غضبه قبل أن تبتلعه تطوّرات العراق، وتوافق الرجلان والنظامان تحت الرعاية الإيرانية ليعملا سوية ضد العدو المشترك الذي خرج من معطف "ربيع" العرب. كان أن جمعتهما "الشيعية السياسية" في خندق واحد متعدد الأطراف مركزُه طهران.

في العراق من اتّهم نوري المالكي نفسه ـ حسن الشمري وزير العدل آنذاك ـ بأنه وراء فرار جماعي لقيادات جهادية من سجن أبو غريب الشهير. لا اتهام في دمشق، فذلك معلن رسمياً حين عمدت سلطات البلد الى الإفراج الجماعي عن قيادات أصولية شكّلت في ما بعد عماد الحركات الاصولية المعارضة وأذرعته العسكرية. زهران علوش، واحد من المفرج عنهم، يرفضُ نظرية الافراج عنه وأقرانه لأسلمة المعارضة وسحب البساط الوطني اللاطائفي عنها، لكن فعلياً هذا ما حصل، فأنتجَ أمر ذلك في البلدين داعش القادمة من العراق والنصرة واخواتها في سوريا.

يدفعُ نظام دمشق تهمةَ الطائفية عنه، وينفي وجود "العلوية السياسية" التي يتحدثُ عنها صادق جلال العظم. لا هيمنة علوية، في عرف النظام، رغم السطوة المذهبية الشاملة المسيطرة على مفاصل الدولة والعسكر والأمن وعالم الاعمال. داخل النظام الطائفي وجوه وجماعات سنّية، شريكة أو منخرطة داخل منظومة النظام، تُقدَّم، بصفتها تلك، دليلا على لا طائفية الدولة، فيما مفتي الديار السورية يقوم بدوره على أكمل وجه في تقديم إسلام سنيّ مناصر لنظام الممانعة والصمود، المتعرّض لـ "مؤامرة كونية" بدأها "المندسون" ويمعن في تنفيذها ما بعدهم.

وإذا ما كانت الطائفيةُ تهمةً مقيتة تُكال للنظام في دمشق، فهي لا شك كذلك أيضاً حين تمارسها المعارضة عن وعيٍّ أو عن لاوعي. ولئن كان أمرُ الدفاع عن "أهل السنّة" بيرقَ الجهاديين والجماعات على تعدّد مشاربهم، فكيف للمعارضة الوطنية، التي يُفترض أنها تناضلُ للاطاحة بديكتاتورية طائفية أن تتبنى، بالصمت والشلل، خطاباً طائفياً، حتى لو لم يكن معلناً او موثّقاً.

نعلمُ أن نظام دمشق عملَ بجدٍّ لفكفكة الطابع الوطني المدني العابر للطوائف للمعارضة. لسانُ حال المعارضة يشكو استباحة طائفية ضد الحراك المعارض، ترفدُها جماعاتٌ شيعية وافدة من كل مكان، بشكل قد يفتحٍ أبواب تبرير بروز ردّ فعل طائفي مقابل. لسان حال المعارضة المدنية أن حسابات الحقل الحالمة، التي حملتها التباشير الأولى للحراك السوري، لم توافق حسابات البيدر الذي يشهد تطاحناً بين جماعات ومذاهب قزّمت الصراع إلى ما هو بين شيعي وسنّي في كل المنطقة. وإذا ما كان النظامُ في دمشق قد تمنى ذلك الشكل من الصراع وصلى للوصول إليه، فإن خصومَ دمشق الإقليميين سارعوا، من حيث يدرون أو لا يدرون، إلى نجدة ذلك النظام في ذلك، وذهابهم بعيداً في دعم الخيارات الطائفية المضادة.

كان في أسلمة المعارضة، التي كان الحراك المدني ضحية لها، أن بات الغطاء الإقليمي لتلك المعارضة إسلاميّ الهوى، يشتدُّ بإفراط حين يحكم الإسلاميون (كحالتي مصر وتونس)، ويتراجعُ بلُبس حين يتداول خصومهم ذلك الحكم. على أن المفارقة، في أن ردّ النظام على طائفية الخصوم المدعومين من إسلام سياسي سنيّ، يعتمد على إسلام سياسي آخر مصدره حكم الوليّ الفقيه في طهران. على ذلك يواري النظام طائفيته وراء ستار علماني تزودُ عنه جماعات طائفية شيعية مترجلة من إيران ولبنان والعراق وأفغانستان وباكستان...إلخ.

نجحَ النظامُ السوري بسهولة في اقناع العالم بأنه حامي الأقليات والمدافع عن التنوّع، فيما نجحت الجماعات الأصولية في إقناع هذا العالم، مجاناً، بصوابية الادعاءات في دمشق. خطاب داعش كما خطاب النصرة كما خطاب الجماعات الإسلامية الحليفة طائفيٌّ محض لا يطمّئن علوياً ولا يهدئ روع مسيحي ولا يبددُ قلق درزي كما لا يرتاح له أيُ سنّي يريد خيرا وازدهارا وحداثة في بلده. ويكادُ خجل الائتلاف المعارض، أو تخبّطه، في انتاج خطاب جليّ نقيّ واضح في هذا الصدد، يقنع المراقب أن حسمَ الصراع هو بالنهاية طائفي، يؤجّجه سعيُّ الأصولية بهمّة عالية، ويشدُّ من عضدِه صمتُ الاعتدال والوسط المعارض.

يسوّق حزب الله لبيئته الحاضنة أن حربَه في سوريا وقائيةٌ من شرور التكفير القادم، وأن عزوفَه عن ذلك، كان سيؤدي إلى إبادة للشيعة في بيوتهم. يحملُ الجهاديون الماء وفيراً الى طاحونة نصر الله، فيرفدون حرجَه بحجج عدمية ضد "الرافضة الكفار"، فيما أجواءُ المعارضة محتقِنةٌ بعبق طائفي قد "يتفهم" احتمالات ذلك. في ذلك المنطق ما يحضّر سوريا إلى نهاية سبق وأعلنها (مع العراق) واحدٌ من قيادات الأمن القومي الأميركي السابق (مايكل هايدن)، وإلى ولادة كيانات لا تشبهُ سوريا ولا تشبه السوريين ولا تشبه ما يرومه المعارضون ضد نظام الديكتاتورية في دمشق.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
أزمة الخليج مع قطر: في بقاء مجلس التعاون من اندثاره!
2017-07-17
اللجوء السوري في لبنان: ليس في كل جدل عنصرية
2017-07-14
داعش ينتهي.. إيران تقلق!
2017-07-07
واشنطن لموسكو وطهران: الأمر لنا في سوريا
2017-06-30
ذئاب داعش المنفردة أخفت ذئبا بريطانياً وراءها!
2017-06-23
هل بات مسموحا استقلال الأكراد عن العراق؟
2017-06-16
قانون الانتخابات في لبنان: كيف التحوّل من بلد إلى بلدية؟
2017-06-09
الإرهاب في لندن: مراجعات بريطانيا المعلنة ومراجعات المسلمين المتأخرة!
2017-06-06
خطط سوريا المستقبل: أي دور جديد للأردن؟
2017-06-02
لبنان: ضجيج الرياض.. ورياض سلامة!
2017-05-26
المزيد

 
>>