First Published: 2015-10-06

لبنان الروسي: مشهد افتراضي!

 

بارونات السياسة في لبنان سيحجّون نحو موسكو في رواج مواسمها، كما حجّوا قبل ذلك إلى باريس وواشنطن ودمشق والرياض والقاهرة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

يتحدثُ الرئيس الروسي عن "مغامرته" السورية بلغة الواثق، على ما عهدناه في سلوكه وتصريحاته وانفعالاته. لم يخسرْ الرجل معاركه الخارجية حتى الآن، لكنه لم يخضْ معارك خارج فضاءات نفوذه الجيو استراتيجي، بما أوحى أنه انتصر داخل الفراغ الذي أفسحه له الخصوم، بما يشبه التواطؤ الضمني معهم.

لن يتمكّن الرجل من تحقيق انجاز سهل في سوريا، ذلك أنها ليست فضاء نفوذ لموسكو بالمعنى الذي يمكن فهمه في الدول المجاورة لروسيا، وليست فراغاً متروكاً، على ما استنتج بوتين في الحالة الأوكرانية مثلاً. ولأن اللاعبين كُثر في ذلك الميدان، فإن الهمّة الروسية المرتجلة في سوريا تأتي متأخّرة عن جهات أخرى، كما أن المناورةٓ العسكرية لموسكو ستبقى محددة بجملةٍ من العوامل والعناصر والمصالح التي تحتشدُ في سوريا، والتي لن يردعها الضجيج الروسي الراهن.

تعويل بوتين على النظام السوري وجيشه لردع داعش يُظهّر العنوان الرئيسي لـ "الحملة" الروسية. ترومُ موسكو حماية النظام السوري وتتمسكُ بالأسد رئيساً وستعمل على حماية "سوريا المفيدة" العزيزة على قلبه. وإذا ما تمّ لموسكو ذلك، فإنها بحكم الواقع ستمارسُ وصاية على دمشق وحاشيتها، بما سيتداعى مباشرة على نوعية التأثير السوري الكلاسيكي على مصير الساسة والسياسة في لبنان.

في ذلك الافتراص، الذي، لا شك، سيتطلبُ رعاية، وربما تكليفاً دولياً، فإن النفوذٓ الروسي الجديد سيطلُّ برأسه بشكل آلي على تفصيلات الحكم في لبنان. قد يجوزُ للبعض أن يرى في ذلك تذكيراً بتلك الوصاية التي باشرها نظام حافظ الأسد في لبنان مكلّفاً من الدائرتين العربية والدولية، على ما تناسلٓ عن إتفاق الطائف (طبعاً الوجود العسكري السوري سابق على "الطائف" منذ أن كان جزءا، ثم وحيداً، ضمن ما أطلق عليه حينها "قوات الردع العربية").

على أن وصايةٓ موسكو المفترضة على دمشق، ومنها على بيروت، تزاحمُ النفوذ الإيراني في لبنان، والذي يكادُ يحتكرُ السطوةٓ على البلد، أمنياً وعسكرياً، من خلال حزب الله وترسانته العسكرية. وفي تواجد وصايتين تناقضٌ يشي بصدام، قد يشبه ذلك الذي جرى بين دمشق طهران في لبنان، وأسفر عن حرب شيعية شيعية بين حزب الله وحركة امل، لم تنته إلا باتفاق تقاسم النفوذ والأدوار.

يتأثرُ شكل الوصاية الروسية على لبنان بشكل تلك الوصاية على دمشق، كما بصيرورة النظام المستحدث، حتى بقيادة الأسد. فنظام دمشق يعوّل على موسكو للدفاع عنه بالطبعة التي كانت متداولة عشية ثورة السوريين، وطهران تمُنُّ النفس بأن يأتي التدخل الروسي متحالفاً معها بما يضمن نفوذها ودالتها في البلد، فيما المجتمع الدولي، إذا ما منح روسيا رعاية، ينتظرُ فرض استقرار، قد تكون مفاتيحه الأساسية تتطلب تغييراً جذريا في وجوه السلطة كما عقيدتها.

قد يجدُ اليسار اللبناني التقليدي، أو بقاياه، في تلك الطلّة الروسية ما ينعشُ النفس في الحنين إلى تلك العلاقة مع الاتحاد السوفياتي المندثر. سينسى النوستالجيون أن روسيا باتت ورشة رأسمالية متوحشة استقالت من الصراع الطبقي وتلهثُ لتعظيم اقتصادها وفق قواعد السوق الدولي. وقد يجدُ اليمين اللبناني، بالمعنى التقليدي في تاريخ البلد الحديث، مسلمين ومسيحيين، في التمدد الروسي خطراً، قد يعتقدونه مرادفاً لذلك الأحمر القديم، الذي كان يختلطُ داخله (أي الخطر) الإلحاد بالشيوعية. وما بين يمين ويسار، ستتموضعُ الاصطفافات وفق خطوط أخرى، جديدة، من الصعب استشراف خرائطها.

لن يحبٓ السنّة العصر الروسي، حتى لو صبروا على التعايش معه. فمن أتى لدعم نظام الأسد لا يروق للذائقة الجمعية للسنّة في البلد، كما أن طبيعة العلاقة بينهم وبين سيّد روسيا سيحددها مصيرُ علاقة موسكو مع الرياض ومسارات التواصل بينهما، وقد لا يخفف من وطأتها أي تقارب مصري روسي معلن.

على أن العلاقةٓ مع الشيعة ستكون أكثر رمادية، ذلك أن مصالحٓ موسكو وطهران، التي لطالما التقت في مواسم ومواعيد، قد تتزاحمُ في سوريا ولبنان، على نحو يتداعى مباشرة على مزاج الشيعة. وإذا ما سبق وتوّلت روسيا الإشراف على تنفيذ رغبة دولية بازالة الأسلحة الكيماوية السورية، فقد تتولى وتشرف، هذه المرة، على تحييد سلاح حزب الله، بما يتواءم مع مصالحها الأمنية المباشرة، كما يذهبُ مذهب البيئة الدولية الداعية لذلك وفق قرارات دولية صوّتت عليها موسكو راضية (وللتنسيق الروسي الإسرائيلي مفاعيل في هذا المنحى).

سيعيدُ الحضور الروسي انعاش النزاع القديم بين الكنيستين الشرقية والغربية. لبنان موطن الطوائف، وأفران الطائفية داخلهُ جاهزةٌ لاجترار أي طبخات قديمة. سينتعش المسيحيون الأرثوذكس بالاطلالة الروسية لعلّها تحمل، لأول مرة، للطائفة ريحاً مواتية لأحلام وطموحات. قد يجدُ بعضهم أن حظوظ قانون الانتخابات المسمى "الأرثوذكسي" أصبحت عالية تتيح "تحرير" المسيحيين من أصوات المسلمين. وقد يجدُ الأرمن اللبنانيون في المناسبة الروسية عضداً يصلّب موقعهم ويدعم روايتهم في الكارثة التي حلّت بأجدادهم في تركيا. أوليست الرواية المضادة تتحدث عن الأمر بأنه كان حرباً ضد "عملاء القيصر في روسيا"؟

بالمقابل قد لا يحبُ الموارنة هذا الموسم الروسي في راهن لبنان، وهمو موسم نادرٌ في تاريخ ما بعد الاستقلال. فالمارونية السياسية بنت فلسفتها السياسية، منذ الاستقلال وحتى اتفاق الطائف، على ضبط البلد على التوقيت الغربي، ما أبعد الحكم اللبناني شكلاً وروحاً وممارسة عن أهواء وهواء موسكو، كما تولّت المارونية الهيمنة، ربما بحكم الغلبة الديمغرافية أيضاً، على بقية الطوائف المسيحية وطوّعتها، على نحو لن يكون مقبولاً أن تقوّض اللحظة الروسية أفضلية مارونية نُحتت على مدى عقود.

قد يجوزُ للبعض استدعاء تصورات تذكّر بوضع ما قبل لبنان الكبير في زمن ما بعد سوريا الكبيرة، ذلك أن الموسم الروسي قد يروّج لسوق الحمايات التي خٓبِرها البلد قبل تشكّله. في ذلك العهد كانت الطوائف اللبنانية تحظى برعاية دول مختلفة، فكانت فرنسا تحمي الموارنة وانكلترا تحمي الدروز وروسيا تحمي الارثوذكس... إلخ، وفق آليات ثقافية منطقية وأخرى تمليها مصالح اللحظة التي تلغيها مصالح اللحظة التالية.

وبغضّ النظر عن افتراضية هذه السطور وجانب الفنتازيا فيها، بيد أن الأكيد أن بارونات السياسة في لبنان سيحجّون نحو موسكو في رواج مواسمها، كما حجّوا قبل ذلك إلى باريس وواشنطن ودمشق والرياض والقاهرة حين راجت مواسمهم. فالعبقرية اللبنانية ستدهشُنا من جديد في فنون تدوير الزوايا والالتحاق بالرياح وادراك عطر اللحظات الفاصلة.

يبقى التذكير بأن المتخيّل الافتراضي لا يخرجُ إلا مما هو مستشرف وممكن حدوثه، ذلك أن أي وصاية روسية تستدعي وجوداً واستقراراً لموسكو في المنطقة، فيما بوتين يبشّرنا، من الآن، أن التدخل الروسي في سوريا مؤقت، ما يوقظنا من الافتراض والتخيّل.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
حماس تحل حكومتها: انتصار القاهرة!
2017-09-18
انتصار الأسد ونصرالله وشتائم المعارضة لدي ميستورا!
2017-09-15
حزب الله والجيش اللبناني: الصراع المؤجل!
2017-09-12
سوريا: هل تحتاج التسوية إلى حرب تشنها إسرائيل؟
2017-09-08
مفاجأة واشنطن: ترامب ينقلب على باكستان!
2017-08-25
مفاجآت الأعرجي...
2017-08-18
وزراء لبنان في دمشق: مآلات العهد
2017-08-14
سكون الحريري وضجيج هيلي
2017-08-11
سوريا: هل تعدّ الرياض المعارضة لمقاربة الحل الروسي
2017-08-07
كيف تتحرك الرياض باتجاه العراق؟
2017-08-04
المزيد

 
>>