First Published: 2015-10-09

عن المقدّس الأرثوذكسي والجهاد الحسيني!

 

يأتي بوتين إلى المنطقة متدثراً برداء نسجته خلطةٌ من مقدّس ديني طائفي مذهبي. بيد أنه قد يلملم ورشته سريعاً، ذلك أن للطائفية في المنطقة أنياباً شرسة تبخُّ سموماً لا تكافحُها الأمصال.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

تباركُ الكنيسة الروسية الأرثوذكسية حملة بوتين في سوريا وتعتبرها "حرباً مقدسة". حربُ "القيصر" لم تكن مقدسة حين خاضها سيّد الكرملين في جورجيا وبعد ذلك في شبه جزيرة القرم في أوكرانيا. حرب هذه الأيام تجري في دولة مسلمة تحدّها دولٌ مسلمة، ما يجعل ما اعتبرته الكنيسة مقدساً متخصّب بصليبية بالية ستأنسُ لها كل الجماعات الجهادية من مشرق الأرض إلى مغربها.

لم تبارك الكنائسُ الأميركية حرب جورج بوش الإبن ضد الإرهاب عقب اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر الشهيره. لكن الدبلوماسيةٓ الأميركية راحت تلملمُ ما أحدثته زلّة الرئيس حين شبّٓه حربٓه بالزحف الصليبي على المنطقة. ورغم تدارك الإدارة الأميركية لمآلات الشطط الممكن أن تقع به "الحرب على الإرهاب"، فإن "الجماعات" غرفت بإفراط من مخزون صليبية مفترضة في الترويج لجهادها ضد "الكفر" دفاعاً عن" الإيمان".

وسواء كان موقفُ الكنيسة الروسية تبرعاً أرعناً أو موقفاً سياسياً مطلوباً من الكرملين، فإن المداخلٓ الأولية للحملة الروسية في سوريا، سواء في خريطة بنك الأهداف الميدانية، أو تلك السياسية، تفيدُ بأن مزاج موسكو يستهدفُ قوى مسلمة سنيّة (حيث لا فرق، حسب بوتين، بين داعش وقوى المعارضة المعتدلة)، وأن فلسفةَ حرب بوتين تقوم، بغضّ النظر عن صدقية ذلك، على حماية الأقليات ضد هيمنة الأغلبية. على هذا، قرر الرئيسُ الروسي منذ اللحظة الأولى لهجومه العسكري، وقبل ذلك منذ اللحظات الأولى لثورة السوريين، إستعداء الأغلبية وصولاً إلى الحرب ضدها.

هي حربٌ صليبية بامتياز يخوضها فلاديمير بوتين في المنطقة. لم يقلْ الرجل ذلك ولا تشتغلُ أجهزته للترويج لذلك، لكن أصغرٓ قياديٍّ في أصغر جماعة جهادية سيسهلُ عليه الاقتناع بذلك، والترويج لذلك، والتحريض وفق ذلك، بما ينشّطُ استدراج جهاديين جدد للانخراط في حرب جديدة ضد الصليبية الجديدة. فأما وقد قررت موسكو الصدام مع مسلمين وفق حرب مقدسة حسب "فتوى" الكنيسة، فإن منطقٓ الأمور يستشرفُ ردّٓ مسلمين، ليس في سوريا فقط، بل ضد روسيا مباشرة.

تكررُ روسيا ببلادة ما مارسته الولايات المتحدة في المنطقة منذ عام 2001. والبلادةُ تكمن في أن زعيم الكرملين يعيدُ اجترار ما لفظته الإدارة الأميركية، وما مقته الأميركيون بأغلبيتهم (شعباً ومؤسسات)، فتلهفوا، بناء عليه، لتغيير منطقٍ ووجوهٍ على رأس الدولة، وأتوا بباراك أوباما، بما يمثّله في النٓسٓب وما يحمله في المضمون، رئيساً لولايتين. حصل ذلك بعد أن وصل الغرور الأميركي (ولغرور الولايات المتحدة - على عكس روسيا-أسباب تبرره)، أن قضت واشنطن على نظاميّ طلبان في أفغانستان وصدام في العراق، ونشّطت أبواقها في التبشير بشرق أوسط جديد ترسمه على مقاسها ووفق أذواقها.

في السقطة الأميركية أن واشنطن، ومن خلال حدثيّ أفغانستان والعراق تحديداً، حملت الماء إلى طواحين إيران. أزالت الآلة العسكرية الأميركية خلال أسابيع، وبشكل مجاني بالنسبة لطهران، نظامين سياسيين نقيضين لطالما ناصباها العداء. تولّت عبقرية بول بريمر، بعد ذلك، في بغداد، إقامة نظام سياسي بديل يستقوي بالشيعة واضعاً السنّة على هامش التغيير الكبير.

فشلت واشنطن في الحالتين. لم تستطع تثبيت حكم ذي مصداقية في كابول، لم تستطع القضاء على طالبان، فيما أروقتها تتحدث عن خطايا كبرى أرتكبت. أما في العراق، فقد سعت لتعديل انحرافها الطائفي من خلال مدّ اليد إلى عشائر وتيارات السنّة، قبل أن تلملم عسكرها وتسحب جيشها نهائياً، مكررة اتهام نظام بغداد بممارسة طائفية خطرة تقف وراء رواح التطرف في البلاد.

في فلسفة سيّد البيت الأبيض نقدٌ لسلوك واشنطن السابق في المنطقة. استخلصت إدارة أوباما من العِبٓر ما جعلها تخلصُ إلى هراء استعداء المسلمين بصليبية، ولو مقنّعة، وهراء استعداء الأغلبية السنية بتحالف مع الشيعة. تغادرُ واشنطن سلوكاً قديماً بالياً، فيأتي سيّد الكرملين ليتبناه نصاً وروحاً ومزاجا.

تتصاحبُ الهمّة الجوية الروسية في سوريا مع زحف بري إيراني الهوى للمشاركة في الحملة المنشودة الكبرى. وفي تدفق جماعات الحرس الثوري وحزب الله وجماعات شيعية من أفغانستان والعراق، وفق ما تم تسريبه، قصداً، إلى الصحافة، تكتملُ صورة المشهد الروسي الجديد. يتحركُ الرئيس بوتين بمباركة الكنيسة المسيحية الأرثوذكسية بالتحالف مع نظام الوليّ الفقيه في إيران لخوض حرب يتَّحدُ داخلها المقدّس الكنسيّ مع الجهاديِّ الحسيني. في تلك الصورة الطائفية المذهبية السوداء، ما يبررُ رواجاً وازدهاراً لطائفية ومذهبية نقيضة لا تشي إلا بكوارث في المنطقة لن تسلم روسيا نفسها من شظاياها.

تقومُ المقاربة الروسية في سوريا على طمأنة إسرائيل والتنسيق معها. بمعنى آخر يحرصُ بوتين، وفق خريطة مذهبية مفترضة، أن يكون اليهودُ جزءاً من تقاطع يرسمُ خرائطَ طائفية جديدة للمنطقة لطالما نضحت بها أدبيات الحركة الصهيونية. لن تقلقَ تل أبيب من ورشة موسكو لدعم إنشاء "سورية المفيدة" العلوية الهوى، العزيزة على قلب بشار الأسد، ما يشرّع "سوريا غير المفيدة" للتشظي بين كيانات طائفية أخرى. بمعنى آخر، تقوم موسكو، بغياب أي كلام روسي عن وحدة سوريا، بمباشرة ورشة تفتيت للمنطقة، لطالما اتُّهم الغرب بالعمل على تحقيقه.

وفق المنطق الصليبي الحسيني الذي يشوبُ منطق المقاربة الروسية الراهنة، سيخسرُ بوتين ذلك التقارب الذي بدأت تظهر ملامحه مع السعودية وتركيا. ورغم سعي الرياض وأنقرة إلى التعامل مع الحدث الروسي وتأجيل الصدام معه، بيد أن السلوكٓ الروسي بدا متعجلاً لهذا الصدام، بما يشبه الهروب نحو الإمام.

يندفع بوتين متحرياً سوّق العالم برمّته نحو ملعبه واللعب وفق قواعد لعبته. يريد الرجل، حتى في ما ينتجهُ تحرُّكه من فرز طائفي مذهبي ميداني وجيواستراتيجي، إحداث واقع جديد يخلطُ الأوراق ويستدرجُ اللاعبين لتسوية ترسُمُه سيّداً في المنطقة.

لا تملكُ روسيا الإمكانات المادية والعسكرية التي يملكُها التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة. تَقَدّم هذا التحالف الكبير بأجندة طموحة يشوبها غرور لإحداث أحلام سرعان ما تحوّلت إلى كوابيس. ثقُلت حملات الغرب، حتى في شقّها الارتجالي، بمضامين تٓعِدُ بالحرية والتعددية والديمقراطية والدولة المدنية. في تلك المشاريع، حتى في فولكلوريتها، منطقٌ ومصداقية، طالما أن مصدرٓها عواصم ومؤسسات تنعمُ بتلك المنظومات وتراكمُ تجربة ومراس بها. لكن أين تلك القيّم والأجندات مما يُمارس في روسيا؟ وأي مشروع حداثوي بإمكان روسيا-بوتين أن تبشّر به في سوريا؟ وإذا ما فشل الغرب، بامكاناته وقيّمه، في تحقيق طموحاته، فبأي منطق ممكن أن ينجحٓ من تقلُّ قيّمهُ وإمكاناته؟

يأتي بوتين إلى المنطقة متدثراً برداء نسجته خلطةٌ من مقدّس ديني طائفي مذهبي. يصلُ الرجلُ إلى المنطقة التي ما برحت، منذ قدم التاريخ، تنتجُ الديانات والطوائف والمذاهب، كمن يأتي لـ "بيع الميّة في حارة السقايين". في موسكو خرجَ من يتوقّع أن تستمر الحملة لشهور فقط، وفق منطق كلاسيكي متعلق ببنك الأهداف والتدرج المتوقع للجهد الدبوماسي، بيد أن موسكو قد تلملم ورشتها سريعاً، ذلك أن للطائفية في المنطقة أنياباً شرسة تبخُّ سموماً لا تكافحُها الأمصال.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

الاسم بلدوزر
الدولة شيخ

السيد الكاتب هل انت صحافي وكاتب سياسي

2015-10-12

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
لبنان: ضجيج الرياض.. ورياض سلامة!
2017-05-26
هذه الترامبية التي تقلق إسرائيل!
2017-05-19
هل من صدام مقبل بين إيران وباكستان؟
2017-05-12
ماكرون رئيساً: فرنسا تعيد تصويب التاريخ!
2017-05-08
وثيقة حماس: ضجيج من أجل الهمس!
2017-05-05
لا إصلاحيون في إيران.. نعم لرئيس محافظ!
2017-05-01
هل تتطلب 'التسوية الكبرى' زعامة مروان البرغوثي؟
2017-04-28
نعم مارين لوبن تقترب جدا من أبواب الاليزيه!
2017-04-21
روسيا ترد على الغرب بدبلوماسية 'قلة الفهم'!
2017-04-14
توماهوك الشعيرات: قراءة بيتية أميركية!
2017-04-10
المزيد

 
>>