First Published: 2015-12-23

تفسير الغموض السوري... بالغموض!

 

الضوضاء العالية المحيطة بالأحداث السورية لا تكشف الكثير عن مسببات تلك الأحداث.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

بغض النظر عن الظروف الملتبسة لمقتل سمير القنطار الاسير اللبناني السابق في اسرائيل، في بلدة قرب دمشق، يعتبر الحادث مثلا آخر على الغموض الذي يحيط بالوضع السوري وكلّ ما له علاقة به من قريب او بعيد. لا تفسير للغموض السوري سوى بمزيد من الغموض!

من يجيب عن سؤال مثل ماذا كان يفعل القنطار في بلدة جرمانا القريبة من دمشق في هذه الظروف بالذات؟ هل مجرّد وجود دروز سوريين يقيمون في جرمانا كافيا ليكون القنطار في البلدة بصفة كونه قياديا، من اصل درزي، في "حزب الله" الشريك المباشر في الحرب التي تشنّ على الشعب السوري؟

اصلا، لماذا كان كلّ هذا الاصرار لدى "حزب الله" على اخراج القنطار من السجن الإسرائيلي بتلك الكلفة الغالية على لبنان واللبنانيين؟ هل مجرّد انّه درزي وانّه كان مطلوبا في مرحلة معيّنة استخدام اي ورقة درزية ضد زعيم الطائفة وليد جنبلاط، يبرّران تلك الحفاوة بشخص من هذا النوع؟

في كلّ الأحوال سيبقى الغموض يكتنف قضية اغتيال القنطار، مثلما لا يزال يكتنف اغتيال عماد مغنيّة في شباط ـ فبراير 2008 في كفرسوسة داخل دمشق نفسها حيث اجراءات امنية شديدة في كل شارع وزاوية...

سيظل الغموض يلفّ ظروف اغتيال العقيد العلوي محمد سليمان في طرطوس مباشرة بعد اغتيال مغنيّة في كفرسوسة، خصوصا ان سليمان كان من بين اهمّ الضباط السوريين الذين ارتبط اسمهم بالعلاقة بايران وكوريا الشمالية وبملفات اخرى كثيرة على علاقة مباشرة بالأسلحة التي يحصل عليها جيش النظام... وبالبرنامج النووي السوري.

كذلك، سيظل الغموض يحيط بخطف هنيبعل القذافي الى لبنان. لبنانيون مرتبطون بالنظام السوري خطفوه من داخل دمشق. كان هنيبعل في حماية احدى العصابات العائلية التي وفّرت له حماية في الأراضي السورية حيث صار يتمتّع بوضع اللاجئ السياسي. اضطرّ الخاطفون لتسليمه الى السلطات اللبنانية بعد الضغوط التي مارستها عليهم العصابة السورية. ما العمل به الآن؟

كلّما مرّ الوقت، يزداد الوضع السوري تعقيدا وغموضا. لا احد يستطيع الإجابة بدقّة عن سؤال آخر من نوع لماذا كان التدخل العسكري الروسي في سوريا؟ هل يكفي للحصول على جواب طمأنة فلاديمير بوتين لمواطنيه في مؤتمر صحافي عقده اخيرا الى ان الحملة السورية لن تكلّف الخزينة شيئا؟

قال بوتين بالحرف الواحد: "ان الحملة العسكرية الروسية في سوريا لا تؤدي الى اي ضغوط جدّية على الموازنة" موضحا انّ "المبالغ المخصصة للتدريبات العسكرية والمناورات" اعيد "توجيهها" ووضعها في خدمة الحملة السورية. اضاف انّه كان علينا "ان نرمي شيئا". لم يوضح ما هو هذا الشيء الذي عليه رميه، مكتفيا بالقول، بتهكّم ليس بعده تهكّم من دون اخذ في الإعتبار لقتل سوريين مدنيين، ان الغارات الجويّة الروسية هي افضل بديل من التدريبات العسكرية، ذلك انّ "من الصعب تصوّر تدريب عسكري افضل. نستطيع متابعة التدريبات لفترة طويلة من دون عبء زائد على الموازنة".

شرح الرئيس الروسي كلّ شيء باستثناء السبب الحقيقي للتورط الروسي في سوريا وذلك في وقت كان نظام بشّار الأسد على حافة السقوط العملي. النظام سقط. المسألة مسألة وقت فقط. لماذا تدخّلت روسيا في لحظة معيّنة دفاعا عن نظام ساقط؟

كلّ ما تشهده سوريا غامض. الأمر الوحيد الواضح يتمثّل في الرغبة في اطالة مأساة الشعب السوري. من يحتاج الى دليل اضافي، يستطيع العودة الى القرار الأخير لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي يحمل الرقم 2254. لأنّ هذا القرار صدر بالإجماع، كان لا بدّ من ان تكون العبارات الواردة فيه مطاطة الى ابعد حدود وكأنّ المطلوب اطالة المأساة السورية... الى اليوم الذي لا يبقى فيه حجر على حجر في اي مدينة او بلدة او قرية سورية.

ذروة الغموض الموقف الأميركي. كان مفيدا قراءة الحديث الذي ادلى به تشاك هيغل وزير الدفاع السابق الى "فورين بوليسي" للتأكد من ان شخصا كان في موقعه لمدة سنتين، لم يستطع تبيان ما يريده باراك اوباما في سوريا.

في الحديث الطويل الذي كان ثمرة لقاء استمر ساعتين، وهو الأوّل لهيغل منذ استقالته في العام 2014، لا يخفي وزير الدفاع السابق استغرابه لتصرّفات اوباما ولطريقة ادارته شؤون الدولة عن طريق مجموعة صغيرة من المستشارين المحيطين به.

لعلّ اهمّ ما في الحديث، كشف هيغل كيف ان اوباما اتصل به يوم الثلاثين من آب ـ اغسطس 2013، ليبلغه العودة عن قراره بتوجيه ضربة الى قوات النظام السوري بعد لجوء الأخير الى السلاح الكيميائي في حربه على شعبه وذلك يوم الواحد والعشرين من الشهر ذاته.

وقتذاك، تجاهل الرئيس الأميركي كلّيا الخط الأحمر الذي رسمه لبشّار الأسد بعدما انتهت وزارة الدفاع الأميركية من كلّ استعدادتها لضرب قوات النظام.

يترك هيغل للتاريخ قول كلمته في ما اذا كان خيار اوباما صحيحا ام لا، لكنّه يخلص الى القول :"ليس لدي ادنى شكّ في ان ذلك اساء الى صدقية ما يقوله الرئيس". وكشف انّه في الأيام والأشهر التي تلت تراجع اوباما عن ضرب بشّار الأسد كان زعماء العالم يؤكدون له ان ثقتهم باوباما "تعرّضت لهزّة"، مضيفا انّه لا "لا يزال يسمع الى اليوم احتجاجات من زعماء اجانب" على ما فعله الرئيس الأميركي.

خرج هيغل من وزارة الدفاع بعدما اكتشف ان اوباما لا يلتزم كلامه، خصوصا عندما يتعلّق الأمر بسوريا. تولّى السناتور السابق، الذي قاتل في فيتنام، وزارة الدفاع على الرغم من انّه ينتمي الى الحزب الجمهوري. خرج باسئلة كثيرة يدور معظمها حول غياب الإستراتيجية الاميركية في سوريا.

من اغتيال القنطار الى كلام تشاك هيغل، مرورا بكلّ الأحداث والحوادث السورية، بما في ذلك تغطية بشّار الأسد، في اقلّ تقدير، لإغتيال رفيق الحريري ورفاقه ولكلّ عمليات الإغتيال الأخرى في لبنان، لا جواب واضحا عن اي سؤال كان، بما في ذلك "انتحار" غازي كنعان وتصفية رستم غزالي او الأسباب الحقيقية التي جعلت تركيا تسقط القاذفة الروسية قبل نحو شهر.

في كلّ يوم يمرّ يزداد الوضع السوري غموضا. تكفي قراءة لنصّ قرار مجلس الأمن الرقم 2254 للخروج بانطباع واحد هو ان القرار زاد الغموض غموضا. لم يعد من جواب عن الأسئلة السورية سوى: زيدوني غموضا!

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
من صنعاء... الى جنوب لبنان
2017-12-11
قمة الكويت... فرصة لمجلس التعاون
2017-12-10
ما سقط مع علي عبدالله صالح
2017-12-08
الفصل الأخير الذي لم يكتبه علي عبدالله صالح
2017-12-06
ايران ووقاحة البقاء في سوريا
2017-12-04
الاستقلال... فرصة ضائعة في الجنوب اليمني
2017-12-03
كذبة اسمها 'سلاح حماس'
2017-12-01
العالم كلّه في أبوظبي
2017-11-29
محمد بن سلمان وسعد الحريري... ولبنان وايران
2017-11-27
بوتين ملك سوريا... في ظلّ استسلام أميركي!
2017-11-26
المزيد

 
>>