First Published: 2016-03-19

مراجعات حركة حماس بين التكتيك والإستراتيجية

 

ليس مطلوباً أن تلتحق حماس بمشروع أوسلو أو حتى بمنظمة التحرير، بل بالمشروع الوطني الذي يجب أن يُعاد تأسيسه بمشاركة الجميع، وهو مشروع يحتاج لروح المقاومة والصمود.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. إبراهيم أبراش

مراجعة المواقف والتوجهات السياسية والأيديولوجية وما يبنى عليها من ممارسات أمر محمود ومطلوب في الحياة السياسية بشكل عام، فكيف إن أدت هذه المواقف والممارسات لنتائج كارثية على الشعب وأساءت للقضية أو العقيدة بما في ذلك العقيدة الدينية نفسها التي يدافع عنها الحزب أو النظام؟

لقد أكدت التجارب التاريخية الضاربة في القِدم و المعاصرة أيضا أن العمر السياسي للأحزاب والنظم الدوغمائية والدينية المغلقة قصير، وكلما تأخرت عملية المراجعة والتحول عند هذه الأحزاب والأنظمة كان سقوطها أكثر حتمية ودموية.

من الجيد أن نسمع خطاب المراجعة والنقد الذاتي في الساحة الفلسطينية ليس عند حركة حماس فقط بل حتى عند أصحاب المشروع الوطني، حيث كانت قرارات المجلس المركزي لمنظمة التحرير في دورته السابعة والعشرين 5/3/2015 و خطاب الرئيس أبو مازن في الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 / 9/ 2015 بمثابة مراجعة لنهج أوسلو ولكل المرحلة السابقة، وهو الأمر الذي قد يقرب المواقف بين الطرفين ويؤسس لمصالحة على قاعدة لا منتصر ولا منهزم.

إن كانت المراجعة والنقد الذاتي ليسا بالأمر الجديد عند القوى الوطنية حتى وإن كان محدوداً ولا تتبعه تغيرات جوهرية في الممارسة، إلا أن الجديد هو ما يبدو من مراجعة ونقد ذاتي عند حركة حماس وعلى لسان بعض قادتها. حيث نسمع في الفترة الأخيرة نغمة جديدة في خطاب حركة حماس من خلال ملامسة مفردات المشروع الوطني، كما خففت الحركة من ملاحقة رموز المشروع الوطني كالكوفية والعلم والأغاني الوطنية، بالإضافة إلى تخفيف حدة علاقاتها مع الشخصيات والقوى الوطنية المعارِضة لها.

لكن التغير الأهم هو إعلانها أنها لم تعد جزءاً من التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين وأنها تنظيم وطني فلسطيني، وهذا ما تأكد قولاً خلال زيارة الوفد الحمساوي المفاجئة للقاهرة منتصف مارس الجاري.

سبق أن كتبنا وتحدثنا كثيرا في الإعلام مناشدين حركة حماس توطين أيديولوجيتها الدينية وأن تصبح جزءاً من المشروع الوطني، وأكدنا أن في المشروع الوطني متسع للجميع وأن الوطنية الفلسطينية لا تناصب الدين العداء، بل إن هذا الأخير جزء أصيل منها وأحد أدواتها في مواجهة المشروع اليهودي الصهيوني الاستعماري.

وقد بذلت منظمة التحرير كل الجهد لضم حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى منظمة التحرير والمشروع الوطني، ولا يسعنا في هذا السياق تجاهل موقف الرئيس أبو مازن في انتخابات يناير 2006 حيث شجع مشاركة حماس في الانتخابات بالرغم من علمه بما تحظى به من شعبية، كما ناشد وتمنى على حركة حماس أن تتفهم خصوصية وخطورة المرحلة وطلب من السيد إسماعيل هنية رئيس الوزراء آنذاك أن يقدم برنامجاً حكومياً لا يمنح إسرائيل فرصة للإجهاض على الحكومة الوليدة ـ مع أن إسرائيل لا تحتاج لمبررات إضافية لحصار الشعب ولإضعاف السلطة الوطنية بغض النظر عمن يترأسها أو يشكل حكومتها ـ ولا يدفع دول العالم وخصوصا المموِلة للسلطة من أن تفرض الحصار على قطاع غزة وعلى السلطة بشكل عام.

كان أمام حركة حماس أكثر من فرصة ومناسبة للدخول بعِزة ومن مركز القوة في النظام السياسي والمشروع الوطني، إلا أنها فوتت هذه الفرص نتيجة ما كانت تتعرض له من ضغوط من طرف الاجندات والمشاريع الخارجية، وبسبب فهم خاطئ لعلاقة الديني بالوطني، وأيضا نتيجة حقد بعض قياداتها على حركة فتح ومنظمة التحرير، وكان ثمن ذلك سقوط الكثير من الضحايا بالإضافة إلى حالة الانقسام المريرة، دون تجاهل أخطاء وممارسات، بعضها مقصودة وأخرى غير مقصودة، من بعض المسؤولين في حركة فتح والمعسكر الوطني.

إذن من الجيد أن تقوم حماس بتوطين خطابها وتوجهاتها السياسية وأن تتعلم درسا من تجربة مريرة من التبعية لأجندة ومشاريع عابرة للوطنية، وقد سبقها في ذلك حزب النهضة في تونس والعدالة والتنمية في المغرب، وإخوان الأردن، والنموذج الماليزي مع مهاتير محمد، والتركي مع رجب طيب أردوغان، بل أيضا حركة الجهاد في فلسطين.

مراجعة حركة حماس لا يعني أن تلتحق بمشروع أوسلو أو حتى بمنظمة التحرير بواقعها الراهن، بل بالمشروع الوطني الذي يجب أن يُعاد تأسيسه بمشاركة الجميع، وهو مشروع يحتاج لروح المقاومة والصمود.

إن كنا نستحسن مراجعات حماس ونرحب بتحسن وتصويب العلاقة بين حركة حماس ومصر ومحاولة تبرئة نفسها من الاتهامات التي توجهها لها مصر حول ضلوعها في أعمال عنف داخل الأراضي المصرية، كما نرحب بتحسين علاقاتها مع كل البلدان العربية وغير العربية، إلا أن غموضا والتباسا يكتنف تحرك حماس الأخير، الأمر الذي يحتاج لمزيد من الوضوح.

في هذا الإطار نتمنى أن يكون ما تقوم به حماس يندرج في سياق مراجعة وتحول استراتيجي يضعها في حالة تصالح مع الوطنية الفلسطينية، وليس مناورة وتكتيك لحل ازماتها المالية وامتصاص حالة عدم الرضا والغضب الشعبي المتصاعد ضدها في قطاع غزة.

كما نتمنى ألا يقتصر هدف زيارة وفد حماس لمصر تبرئة نفسها من الاتهامات الموجهة ضدها وإرضاء مصر وتحسين العلاقات معها بعد تعثر مشروع الممر المائي وتراخي حماسة تركيا في دعم حركة حماس بعد تفاقم مشاكل تركيا الداخلية والخارجية.

في نفس الوقت وإن كنا لا نشكك بالموقف القومي المصري، كما نتفهم حساسية الأمن القومي المصري وأسبقيته على القضايا الاخرى بالنسبة للنظام، إلا أننا نتمنى على الأخوة المصريين ألا تقتصر المصالحة بين مصر وحركة حماس على حل الملفات الأمنية وتدجين حركة حماس ثم التعامل معها كسلطة وحكومة أمر واقع في قطاع غزة، وتجاهل المصالحة الوطنية الفلسطينية الشاملة. ونتمنى على حركة حماس أن تدرك أن كل مصالحاتها مع العالم الخارجي لن يغنيها عن مصالحتها مع الشعب ومع الشريك الوطني.

 

د. إبراهيم أبراش

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر – غزة

Ibrahemibrach1@gmail.com

 
د. إبراهيم أبراش
 
أرشيف الكاتب
المثقفون والمبدعون لا يتقاعدون
2017-04-24
ما زال في الإمكان تدارك الأمر
2017-04-20
الموضوع أكبر واخطر من مسالة رواتب
2017-04-09
قرارات قمة عمان تُخفي أكثر مما تفصح
2017-04-04
مثقفون غير مثقفين: مثقفو الشتائم والإحباط
2017-03-19
الهروب نحو الحل الإقليمي لن يحل المشكلة
2017-03-09
في خفايا العلاقات المصرية الفلسطينية
2017-03-03
الدولة الفلسطينية ليست منة أو منحة من أحد
2017-02-18
تهافت مقولة عبقرية اليهود والغرب وتخلف العرب
2017-02-14
تصفية مرحلة التحرر الوطني قبل إنهاء الاحتلال
2017-02-07
المزيد

 
>>