First Published: 2016-05-27

حكاية مسلسل تركي!

 

جمهورية أردوغان التركية تفصّل على مقاسه.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

تزوجت سمية حديثاً رجل الأعمال ومنتج الطائرات بلا طيار سلجوق بيرقدار، وتزوجت إسراء بيرات البيرق رجل الأعمال ووزير الطاقة الحالي. سمية وإسراء هما ابنتا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان. وفي الزواج ما بين السلطة والمال يرى المراقبون للشأن التركي القاعدة الأساس لإستراتيجية الرئيس ورؤاه.

أزاح اردوغان أحمد داوود أوغلو عن زعامة الحزب ورئاسة الوزراء. كان أوغلو رجل عبدالله غول قبل أن يصبح رجل اردوغان. انتخب المؤتمر العام بن علي يلديريم بديلاً، وهو لم يكن يوماً إلا رجل اردوغان الوفي. وللصدفة أيضاً، فإن الرجل، إضافة إلى كونه كان وزيراً ناجحا للمواصلات لمدة 12 عاماً، هو رجل أعمال كبير يمتلك أسطولاً بحرياً تجارياً كبيراً. أما وقد تمّ تعيين الرئيس الجديد للحزب رئيساً للوزراء، فإن الخبثاء يرون أن رئيس الحكومة المقبل هو آخر رئيس وزراء في تركيا، ذلك أن التعديل الدستوري المتوخى، وإذا ما نقل البلد إلى نظام رئاسي وفق النموذج الأميركي، قد يلغي منصب رئاسة الحكومة نهائياً.

أن تجتمع العائلة والطبقة البرجوازية والحزب والجمهور حول رجب طيب أردوغان، فذلك قد يشبه حكايات سرايات تركيا كما قصص الحكم أيام السلطنة العثمانية. لا يخفي اردوغان، كما لم يخف أحمد داوود أوغلو، التوق لإستعادة تلك العثمانية الغابرة. وفي تمسكه بالشكل الفلكلوري الذي أراد الرئيس إظهاره في احتفالات تركية كبرى، حنين نحو مضمون كانت السلطنة تهيمن به على مساحات شاسعة من العالم.

يتقدم رجب طيب اردوغان في مسعاه لحقن الموقع الرئاسي بصلاحيات فوق العادة وفق مسار عجائبي يكاد لا يلحظ ارتباكاً. يريد الرجل بصريح العبارة نظاماً رئاسياً يمنحه امكانات حكم تركيا كما يريد. يدفع اردوغان عنه تهمة الديكتاتورية أو السعي لإسترجاع نظام السلطنة وهيمنة السلطات. يسحب من جيبة نموذج النظام الرئاسي في فرنسا، أو ذلك في الولايات المتحدة، ليسحب من جيوب خصومه كل الحجج المشككة.

خريطة طريق واضحة الخطوط جلية المعالم يرسمها الرئيس التركي صوب تعديلاته الدستورية المتوخاة. أضحى لحزبه رئيساً كامل الولاء ورئيساً لحكومته ينفذ رؤاه. لا يحتمل اردوغان وجهات نظر تتباين ولو بشكل نسبي عن خططه داخل سفينته. فللإبحار قبطان لا يتردد في التخلّص من أحمد داوود أوغلو وقبله عبدالله غول وبولنت أرينتش، واستدعاء بحارة كبار آخرين إلى المتن. المهم أن لا تحيد وجهة السفينة عن خريطة القبطان. باتت الخطوة التالية تستدعي تمرير التعديلات الدستورية في البرلمان، ولتلك حكاية أخرى يكتب اردوغان فصولها.

المسألة حسابية. حزب العدالة والتنمية يمتلك أكبر كتلة برلمانية تمثل الغالبية تحت سقف البرلمان بـ 317 مقعداً. وما يحتاجه التعديل الدستوري هو 367 مقعداً لن يتأمن إلا بإقناع الأحزاب الأخرى بتأمين الأصوات الباقية. وفي تأمل للمشهد البرلماني الحالي، سيكون عصياً سوق حزب "الحركة القومية" وحزب "الشعب الجمهوري" نحو التصويت الإردوغاني طالما أن الأمر مع حزب "الشعوب الديمقراطي" الكردي الهوى ميؤوس منه. في علم الحساب سيسعى حزب إردوغان لاستمالة البرلمانيين لتأمين الأصوات المطلوبة، فإذا لم يستجب البرلمان الحالي فلا بأس من تغيير كل البرلمان.

هكذا يجب أن نفهم القرار اللافت الذي اتخذه البرلمان باسقاط الحصانة عن 138 نائباً. واللافت أيضاً أن ربع أعضاء البرلمان تطالهم ملفات قضائية، على نحو يطرح أسئلة حول السلوك البرلماني كما السلوك القضائي على السواء. والمفارقة أن الملاحقات القضائية تلاحق نواباً (50 من أصل 59) من حزب الشعوب الديمقراطي بقيادة صلاح الدين دميرطاش وأحزاب أخرى، بما فيها حزب العدالة والتنمية، لكن شتّان ما بين الاتهامات بالإرهاب المُساقة ضد حزب دميرطاش وله شخصياً (بداعي تصريحات مؤيدة لحزب العمال الكردستاني)، وبين الاتهامات المتعلقة بالشتم والإهانة... إلخ.

إسقاط الحصانة بـ "تصويت تاريخي"، حسب قول اردوغان، يسمح بمحاكمة نواب قد يُسقط القضاء عضويتهم. وفي الارتباك العددي داخل البرلمان ميل لطرح التعديلات الدستورية وفق خلطة برلمانية حالية تذهب باتجاه رغبات اردوغان، أو تنقل الأمر على الأقل إلى استفتاء شعبي إذا ما تأمن 330 صوتاً داخل البرلمان لصالح تلك التعديلات. ولأن آخر العلاج الكيّ، فآخر السيناريوهات الذهاب إلى انتخابات تشريعية مبكرة يعوّل الرئيس التركي أن تأتيه بالأغلبية المريحة التي يريدها (أي خمسون مقعداً إضافياً)، مستفيداً من اللحظة الانتخابية التي طرأت على مزاج الناخبين في الأشهر الأخيرة، وقدمت له الفوز في انتخابات نوفمبر الماضي.

غير أن في أمر ابعاد "حزب الشعوب الديمقراطي" مخاطرة يخوضها اردوغان تقطع مع الجهة الكردية التي آثرت العمل من داخل العملية السياسية التركية وتحت قبة البرلمان، فاغلاق أبواب السياسة في العلن قد يروج للجوء إلى العنف في السرّ، وهو أمر حذّر منه رئيس الحزب صلاح الدين ديمرطاش دون حرج. لكن أمر العنف لا يقتصر على الحزب الكردي، بل أن كمال كيليتشدار زعيم "حزب الشعب الجمهوري" تحدث عن إراقة دماء إذا ما تحولت تركيا إلى النظام الرئاسي.

يبدو اردوغان مرتاحاً يمسك بدفة الأمر معوّلاً على شعبية ما زال بالامكان استدعاؤها في الشدائد. ويبدو تصلّبه أزاء شروط الاتحاد الأوروبي لتحرير الأتراك من "الفيزا" يذهب باتجاه تخصيب هذه الشعبية لمآرب تتعلق بطموحاته على رأس البلاد. يعرف الرئيس التركي أن الأوروبيين تواقون للتوقيع على اتفاق مع أنقرة يخفف من تدفق اللاجئين إلى أحضانهم. ويدرك أن المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل لن تستطيع كثيراً أن تعترض بجدية على الإجراءات التي حصلت في البرلمان أو بقية المسائل المتعلقة بالحريات وحقوق الإنسان، ذلك أن من صلب معالجة أزمة اللاجئين غضّ الطرف عن سلوكيات ارتكبتها الشرطة التركية ضد هؤلاء اللاجئين، وبالتالي غضّ الطرف عن سلوكيات أخرى داخل تركيا لا مصلحة للأوروبيين في رفع السقوف تجاهها.

في تركيا من يعتبر أن أوروبا نفسها قد تحبذ التعامل مع تركيا وفق النموذج السابق على تعددية الأحزاب، ذلك أن تعزيز قوة اردوغان على رأس السلطة يبعد البلد عن الاتساق مع معايير التأقلم مع الاتحاد، وبالتالي يبعد تركيا عن أبواب عضويته، وأن الاتفاق بخصوص اللاجئين يصبح أكثر فعالية بإدارة رجل يمتلك صلاحيات الحكم. وفي أوروبا نفسها من يحنّ إلى تركيا "العسكرية" حين كانت تشكل سداً بوجه الاتحاد السوفياتي، وترتبط مع الغرب من خلال "أطلسيتها"، وحين كانت قابعة داخل حدودها لا ترتبط بشرق ولا تخترق العالم العربي ولا تملك جرأة الطموح بدخول النادي الأوروبي.

في اليوم التالي فقط لتعيين بن علي يلدريم رئيساً للحكومة وافق الرئيس اردوغان على تشكيلتها. وفي اليوم الأول لتشكيل هذه الحكومة قال يلدريم إن "إعداد دستور جديد يتضمن الانتقال إلى النظام الرئاسي في الحكم، يعدّ من أولويات الحكومة الجديدة". باختصار "الطبخة" جاهزة والطباخ معروف وما على الأتراك إلا تناولها والتسبيح بحمد الله.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
عون لحزب الله: حرب قادمة 'ستدمرنا'!
2017-11-17
لماذا 'هدوء' نصرالله؟
2017-11-10
السعودية: الجراحات الصادمة!
2017-11-06
السعودية: الخروج من 'الاستثناء'!
2017-11-03
عن تفجير مقر المارينز في لبنان وظهور السبهان في الرقة
2017-10-27
خطايا مسعود وكارليس التي قد لا تغتفر
2017-10-20
ترامب وإيران: إطلالة واشنطن الجديدة على العالم
2017-10-16
لماذا ترتعد طهران من المسّ بالحرس الثوري؟
2017-10-13
أي رياح تنفخها الرياض صوب بيروت؟
2017-10-09
الدولة والدويلة في صلح حماس والسلطة!
2017-10-06
المزيد

 
>>