First Published: 2016-07-22

تركيا: بانتظار الانقلاب التالي!

 

يدرك أردوغان أن سابقة الانقلاب الأخير قد لا تكون الأخيرة ضد حكمه وأنه وحزبه وأجهزته سيراقبون ويترقبون ما يحمله انقلاب مقبل.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

لو قيض للانقلاب أن ينجح في تركيا لدخلت البلاد في حرب أهلية يتمدد من خلالها البركان العربي إلى داخل البلاد، ولتمّ شلّ القدرات التركية الإقليمية وتمّ إعادة ترتيب كل المنطقة وفق هذا المعطى. لكن الأمر لم ينجح وللفشل أسباب أقلها الجانب المغامر غير الحرفي المرتبك والملتبس والذي يشوبه كثير من الغموض.

تثير محاولة الانقلاب التي جرت في تركيا أسئلة كثيرة قد لا تجد لها جواباً شافيا في الوقت القريب. ولأن الغموض يكتنف السبل التي اعتمدت من قبل الانقلابين كما توقيت العملية وشخوصها، فإن سيلاً من السيناريوهات المفترضة ستصدر، من بينها نظريات المؤامرة التي تتهم النظام نفسه بالوقوف وراء الأمر.

تعرّضت تركيا خلال ساعات عدة إلى إنقلاب حقيقي شلّ المؤسسات وأربك تلك الدستورية منها وعزل قادة البلد السياسيين عن العالم، حتى أن من حطّت طائراتهم المدنية في مطارات اسطنبول اكتشفوا أبنية وقاعات خالية من أي وجود أمني أو إداري ينمّ عن حجم الهلع والفوضى والسقوط الذي خيّم على البلاد في تلك الليلة.

لا تشبه الحركة الأخيرة الانقلابات العسكرية الأربعة (1960 و1971 و1980 و1997) التي شهدها تاريخ تركيا الحديث. كانت التقاليد الانقلابية التركية تختصر في أن عسكر البلاد (كل العسكر) يزيحون المدنيين عن حكم البلاد. هذه المرة بدأ الانقلابيون إنقلابهم بالإنقلاب على الجيش التركي وقادته قبل أن يهاجموا مؤسسات السلطة المدنية وقادتها.

وربما، وبغضّ النظر عن تلبية الناس نداء الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بالنزول إلى الشارع، فإن الحركة الإنقلابية أجهضت بسبب عدم تغطية قيادة الجيش التركي، وبسبب تحرّك الجيش نفسه لإحباطها. ولأن العسكر بالمعنى المؤسساتي والقيادي كانوا بعيدين عن ذلك الحراك، فهذا يعني أن لا تغطية دولية توفّرت له، وأن إتهام واشنطن بالوقوف وراءه على حدّ تعبير أحد الوزراء الأتراك، لا يعدو عن كونه اتهاماً شعبويا قد يمكن استثماره في التجييش المحلي، كما يمكن استثماره في الضغط على الولايات المتحدة لتسليم خصم أردوغان اللدود فتح الله غولن.

لكن الارتباك الدولي في التعامل مع الأخبار الأولى لـ "الإنقلاب"، يعكس الأورام التي أصابت علاقات تركيا الخارجية وتوجّس العالم من السياسات التي يعتمدها إردوغان وصحبه في قيادة تركيا، على النحو الذي لا يزعج العالم إحداث تغيير ما، حتى عن طريق العسكر والإنقلاب. وهو أمر يطرح علامات استفهام حول الخيارات غير الحكيمة التي أتخذتها أنقرة في ملفات عديدة، من حيث الطابع المغامر لها، والذي لا يليق بحكمة الدول ومصالح الأمم.

وإذا ما أصبح الكلام عن التخلي عن الـ "صفر مشاكل" العزيزة على قلب أحمد داوود أوغلو رتيباً، فإن اندفاع خليفته على رأس الحكومة التركية بن علي يلدريم في التبشير بوصل سريع مع أمم الدنيا، بما في ذلك سوريا والعراق ومصر، يعكس الخفة التي تمارسها أنقرة في مقاربة علاقاتها مع دول العالم، وصبيانية الانتقال برشاقة من أقصى الأمور إلى نقيضها.

يروي عبدالسلام جلود أحد القياديين الليبيين الكبار الذي كان مقرباً من معمر القذافي، أن الأخير تبدلت طباعة وانقلب إلى دكتاتور مستبد إثر أول محاولة انقلاب جرت ضده. بمعنى آخر فإن فشل الانقلاب التركي الأخير قد يؤسس لنظام استبداد متذرع بالخطر الذي كاد يطيح بالديمقراطية التركية. لكن المحاولة الفاشلة قد تؤسس أيضاً لعقلية جديدة لدى أردوغان وصحبه تأخذ بعين الاعتبار حاجة تلك الديمقراطية لتوسيع قاعدتها، بالانفتاح أكثر على بقية التشكلات السياسية في البلاد والتي كانت مجمعة دون تردد على إدانة الإنقلاب ورفض العودة إلى سلطة العسكر.

في المكتبة الماركسية الماوية كلام فلسفي كثير عن التناقض الأساسي والتناقض الثانوي. في ذلك "الفقه" دعوة إلى تحديد الأولويات التي يجب مواجهتها وتلك التي يجوز تأجيلها. لا يعرف أردوغان الإسلامي الهوى تلك الأطروحات، ذلك أنه إمتهن بكفاءة عالية فن تجميع الأعداء.

يمنّ الرجل النفس بعثمانية جديدة ترسمه سلطانا لها منذ أن عوّل على جماعات الإخوان المسلمين في العالم العربي في بسط نفوذ "السلطنة" بالطبعة الإردوغانية. اقتحم الزعيم التركي باحات النظام السياسي العربي مستشرفاً قلب مزاجه ليكون يوما ما تابعاً لـ "بابه العالي". وحين أجهضت المنطقة ذلك المنحى منذ الإطاحة برئاسة محمد مرسي في مصر، عاند أردوغان الحقائق الجديدة التي انسحبت على تونس واليمن وليبيا، وفخخ نفسه بشراك لم يتخلّص منها بالمرونة التي يجب أن يتحلى بها زعيم دولة كتركيا.

دخل أردوغان في سجال عنيف ضد نوري المالكي رئيس وزراء العراق السابق. تبادل الرجلان ما تيسّر من الاتهامات والشتائم حول مذهبية المالكي الشيعية ومذهبية اردوغان السنّية، بما استدعى من التاريخ تلك الخصومة القديمة بين الصفوية والعثمانية. لكن تلك العداوة بين أنقرة وبغداد استمرت في ظل قيادة حيدر العبادي عبّر عنها الغضب العراقي من دخول وحدات تركية إلى داخل الأراضي العراقية على تخوم الموصل.

على أن المقاربة التركية للمأزق السوري مثّلت أقصى درجات التخبط من حيث تقصّد حاكم أنقرة رفع سقف طموحاته في سوريا دون أن تتوفر له وسائل تحقيق ذلك. فشل أردوغان في إقناع الإدارة الأميركية في إقامة منطقة حظر للطيران شمال سوريا، وفشل في الاستحصال على دعم أطلسي تغطي تدخلا عسكريا تركيا في تلك المنطقة. وتعاملت دول الخليج بحذر مع الاستراتيجيات التركية في سوريا، حتى وإن ظهر تقارب ما بين أنقرة والرياض. وحين أطلقت السعودية "عاصفة الحزم" في اليمن أولاً ثم دعت إلى تحالف إسلامي ضد الإرهاب، جاء رد الفعل التركي خجولاً موارباً يتسرّب منه حذر أشبه إلى الريبة.

تمّ لرجب طيب أردوغان مخاصمة الولايات المتحدة التي يتهمها مقربون له بالوقوف وراء محاولة الإنقلاب، ومخاصمة روسيا التي أسقط الجيش التركي مقاتلة لها. لم يفرق رجل تركيا القوي بين مناكفة بشار الأسد ومناكفة عبدالفتاح السيسي ومناكفة بنيامين نتنياهو ومناكفة فلاديمير بوتين. لعب الرجل بكل ثروته على طاولة المنطقة مراهناً على "الجائزة الكبرى"، دون أن يخطر بباله لحظة أن النيران ستطرق باب حكمه في تركيا، ولا عجب أن سكت العالم في اللحظات الأولى، فيما استعجل البعض التهليل لنهاية الرجل. ولا عجب إذا ما ظهرت معلومات تفيد أن تشجيعاً إقليميا ودوليا قد حظي به الانقلابيون.

لا ينحصر جبل العداوات داخل الدوائر الخارجية، بل إن الداخل التركي أظهر عداوة منذ أحداث ساحة تقسيم والحملة ضد الصحافيين وتصاعد لهجة المعارضة العلمانية والحملة ضد حزب الشعوب الديمقراطي وعودة الحرب ضد حزب العمال الكردستاني، طبعا بالاضافة إلى الخصومة مع "التنظيم الموازي" المتهم باختراق أجهزة الدولة ومؤسساتها بقيادة فتح الله غولن.

لكن الخصومة الداخلية الكبرى هي مع الجيش التركي. لا ينسى عسكر تركيا الحملة التي شنّها أردوغان ضد شريحة واسعة من الضباط بحجج مختلفة، قبل أن يعيد الاعتبار للبعض منهم. بمعنى آخر فإن المؤسسة العسكرية تعتبر نفسها كياناً مكروهاً من حكام البلاد، ولم تستطع أن تنزع من ذاكرتها أنها كانت تصنع حكام البلاد. صحيح أن الانقلاب نفّذته "شرذمة" من الجيش على حدّ تعبير أردوغان، لكن تأملا للرتب العليا التي تمّ اعتقالها واتهامها بالتورط بشكل مباشر وغير مباشر والانجازات التي حققها الانقلابيون في الساعات الأولى لحراكهم يعكس حجم إرتخاء مناعة المؤسسة العسكرية أمام إغراءات التخلّص من حكم حزب العدالة والتنمية. وإذا ما وصف أردوغان الانقلابيين بالخونة، فهم بالنسبة للجيش التركي كانوا قبل هنيهات من الانقلاب رفاق سلاح وزملاء سلك وأبناء مؤسسة واحدة، وربما ما زالوا في وجدان الجيش كذلك. ولا ريب أن مشاهد استهداف العسكريين الانقلابيين من قبل العامة كما من قبل أجهزة الأمن طال كرامة المؤسسة العسكرية برمتها وقد يترك ندوباً ملتهبة خبيثة.

أسقطت المحاولة الانقلابية محرّم الانقلابات العسكرية الذي بدا أنه أصبح ينتمي إلى زمان غابر. كرّست اللحظات الأولى لتلك المحاولة تعامل العالم الأجمع مع الأمر بصفته احتمالاً من الممكن تفهمه ولا يخضع لرفض وإدانة آليتين. يدرك أردوغان ذلك ويدرك أن سابقة الانقلاب الأخير قد لا تكون الأخيرة ضد حكمه وأنه وحزبه وأجهزته سيراقبون ويترقبون ما يحمله انقلاب مقبل.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

الاسم كافي
الدولة ارض المهرجين

والله والله والله سيأتي يوم يعلق فيه ارودخان على عمود كهرباء او على اغصان شجره \\ انها صرخات الارامل والايتام في سوريا وليبيا والعراق واليمن \\ فاردوخان خان \\ داعشي حتى النخاع

2016-07-23

الاسم كافي
الدولة ارض المهرجين

اردوغان السفياني العثماني \\ مصاب بجنون العظمه \\ وكفى وستثبت الايام ذلك

2016-07-23

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
حماس تحل حكومتها: انتصار القاهرة!
2017-09-18
انتصار الأسد ونصرالله وشتائم المعارضة لدي ميستورا!
2017-09-15
حزب الله والجيش اللبناني: الصراع المؤجل!
2017-09-12
سوريا: هل تحتاج التسوية إلى حرب تشنها إسرائيل؟
2017-09-08
مفاجأة واشنطن: ترامب ينقلب على باكستان!
2017-08-25
مفاجآت الأعرجي...
2017-08-18
وزراء لبنان في دمشق: مآلات العهد
2017-08-14
سكون الحريري وضجيج هيلي
2017-08-11
سوريا: هل تعدّ الرياض المعارضة لمقاربة الحل الروسي
2017-08-07
كيف تتحرك الرياض باتجاه العراق؟
2017-08-04
المزيد

 
>>