First Published: 2016-09-18

محمّد بن زايد في الفاتيكان... ابعد من زيارة

 

ان يأتي محمد بن زايد الى الفاتيكان ويقول ما قاله بعد لقاء رأس الكنيسة الكاثوليكية يدلّ على انه لا يزال هناك وجود لقادة يمارسون دورهم الطبيعي المطلوب ممارسته. قادة يقودون المواطنين ويظهرون لهم ما هو الطريق الصحيح المفترض السير فيه بدل الانقياد الى الشارع والسير خلف شعارات رخيصة لا علاقة لها بالواقع.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

هناك زيارات تتجاوز المعنى التقليدي المتعارف عليه للزيارة التي يقوم بها عادة مسؤولون كبار لدول اخرى. كانت زيارة وليّ العهد في أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان للفاتيكان ولقاؤه البابا فرنسيس ابعد من زيارة عادية، خصوصا انّها تأتي في ظروف يشهد فيها العالم مزيدا من التطرّف والتعصّب والحملات على الإسلام. اشتدّت هذه الحملات بعد العمليات الارهابية التي كانت أوروبا مسرحا لها، بما في ذلك عملية نفّذها إرهابي من اصل تونسي في مدينة نيس الفرنسية في تموز ـ يوليو الماضي.

ان يأتي محمد بن زايد الى الفاتيكان ويقول ما قاله بعد لقاء رأس الكنيسة الكاثوليكية يدلّ على انه لا يزال هناك وجود لقادة يمارسون دورهم الطبيعي المطلوب ممارسته. هؤلاء قادة يقودون المواطنين ويظهرون لهم ما هو الطريق الصحيح المفترض السير فيه بدل الانقياد الى الشارع والسير خلف شعارات رخيصة لا علاقة لها بالواقع.

خلاصة الامر انّ وليّ عهد أبوظبي يستطيع ان يقول ما لا يقوله كثيرون غيره من زعماء المنطقة. يقول اوّلا ان هناك شيئا اسمه الاعتراف بالآخر وان الإسلام الحقيقي هو دين تسامح وان لا بدّ من التعاون مع الآخر في مواجهة التعصّب الديني بكل اشكاله.

ما صدر عن محمد بن زايد كان كلاما مباشرا عن "تعزيز العلاقات مع دولة الفاتيكان والتشاور معها انطلاقا من الايمان (ايمان دولة الامارات العربية المتحدة) بان العالم في حاجة الآن اكثر من ايّ وقت مضى الى مدّ جسور الحوار والتعاون بين مختلف الثقافات والأديان للتصدي لمثيري الفتن الدينية والطائفية والعنصرية والسيطرة على نزعات التعصب الديني التي تهدّد امن العالم واستقراره".

من يريد التصدي للارهاب يتصدّى له بالافعال وليس بمجرد الكلام. جاءت زيارة محمد بن زايد للفاتيكان لتأكيد ان دولة الامارات، التي تشارك في الحرب على الإرهاب مشاركة فعلية ودفعت من دماء أبنائها ثمنا لهذه المشاركة، انّما تعتبر مرّة أخرى عن ايمانها بانّ من الضروري العمل من اجل تكريس ثقافة التعايش والحوار بين الشعوب والأديان المختلفة.

تعتبر الزيارة بحدّ ذاتها تحديا للتطرف والمتطرفين والمنادين بالإرهاب، خصوصا ان البابا فرنسيس رجل معروف بانفتاحه على الثقافات والأديان الأخرى، إضافة الى انّه لا يترك فرصة تمرّ الّا وينادي بضرورة الحوار الإسلامي ـ المسيحي. اكثر من ذلك، لم يتردد البابا في التشديد على ضرورة التمييز بين الإسلام من جهة والتطرف والعنف من جهة أخرى. حمل دائما رسالة السلام الى مختلف انحاء العالم رافضا التعصب والتزمت وداعيا في الوقت ذاته الى الاهتمام بالفقراء والمظلومين بغض النظر عن دينهم او البلد الذي ينتمون اليه.

هناك رسالة يحملها وليّ العهد في أبوظبي هي رسالة ذات طابع حضاري وذلك دفاعا عن الإسلام والمسلمين وكلّ ما هو حضاري في هذا العالم. لذلك، لا يرى عيبا في التقاط صورة له مع الوفد المرافق له، برفقة البابا، تحت لوحة ذات طابع ديني في قلب الفاتيكان. المهمّ مكافحة الإرهاب بكل وجوهه ونشر ثقافة مختلفة تقوم على السلام والمحبة والتسامح ونبذ العنف. المهمّ ان تكون دولة الامارات قدوة في هذا المجال وان تقدم نموذجا متطورا يقوم على العيش المشترك والتسامح والتعاطي مع الآخر بكل انفتاح من دون أي عقد من ايّ نوع.

في النهاية، ليس سرّا ان في الامارات أربعين كنيسة. كذلك ليس سرّا ان محمد بن زايد قدّم الى البابا فرنسيس هدايا تذكارية كان من بينها كتاب يوثق اكتشافات اثرية في جزيرة صير بني ياس ومنها معالم كنيسة تاريخية ودير للرهبان يعودان الى القرنين السابع والثامن.

تفتخر الامارات بتاريخها وتعتبره جزءا لا يتجزّأ من غناها الحضاري ومن قدرتها على ان تلعب الدور الذي تلعبه في مجال التقدم على كلّ صعيد، بما في ذلك مجال الخدمات العامة للمواطنين، من طب وعلم وجامعات ومتاحف وموسيقى وفنّ وكلّ ما له علاقة بالثقافة والتربية من قريب او بعيد.

تتصرّف دولة الامارات كدولة طبيعية استطاعت توظيف ثرواتها في خدمة المواطن والمقيم فيها. لذلك، لم يتأخر وليّ العهد في أبوظبي في التذكير بإقرار قانون مكافحة التمييز والعنصرية الذي صدر العام الماضي في الامارات. يتضمّن هذا القانون مواد تضمن المساواة بين افراد المجتمع وتجرم التمييز بين الافراد او الجماعات على أساس الدين او العقيدة او المذهب او الملّة او الطائفة او العرق او اللون. فضلا عن ذلك، للقانون اهمّية خاصة نظرا الى انه يدعو الى مكافحة أي ممارسات تستهدف تكفير الآخرين والتحريض على خطاب الكراهية بكلّ انواعه.

في عالم مليء بالتعقيدات، ثمّة تحديات تفرض نفسها بقوّة. في مقدّم هذه التحديات تثقيف المواطن العادي وتربيته على أسس سليمة كي يكون قادرا على التصدي لظاهرتي التطرّف والارهاب. انّه باختصار نهج القبول بالآخر واحترام الأديان الأخرى بدل ازدرائها واحتقار المؤمنين بها.

هذا تحدّ كبير نجحت فيه الامارات نظرا الى انّها بنت تجربتها على مدرسة اسمها مدرسة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، الذي آمن قبل كلّ شيء بالإنسان. استطاع توحيد البلد من هذا المنطلق، أي من خلال تطوير الانسان وربطه بكلّ ما هو حضاري في هذا العالم بعيدا عن أي انغلاق من ايّ نوع وفي أي مجال. كان من المهمّ بالنسبة اليه ان يحافظ الانسان على اخلاقه بعيدا عن العنف والتعصب والتطرّف. لذلك ظهرت في اقلّ من نصف قرن دولة حديثة بكلّ معنى الكلمة، دولة قادرة على التصدي للذين يرفعون الشعارات الدينية المضللة التي لا هدف منها سوى الاستحواذ على السلطة بالاعتماد على الجهل لدى المواطن العادي. لذلك، عملت الامارات على ان لا يكون المواطن فيها جاهلا. هناك اهتمام خاص بالبرامج التربوية التي تبعد هذا المواطن، منذ دخوله المدرسة، عن ثقافة التطرف والعنف والتزمت والتكفير وازدراء من ينتمي الى دين آخر.

تشارك الامارات في الحرب على الإرهاب في كل محيطها وتعمل في الوقت ذاته على استعادة اليمن استقراره. قدّمت تضحيات كبيرة من اجل اليمن. سقط لها شهداء، من خيرة شبابها، في اليمن وفي الحرب على الارهاب. لكن المسيرة مستمرّة. ليست زيارة محمد بن زايد والوفد المرافق له للفاتيكان سوى تأكيد لاستمرار هذه المسيرة وللدور الذي تلعبه الدولة الشابة في مجال ان تكون قدوة في التصدي للمسيئين للدين الحنيف.

في النهاية، من السهل اللجوء الى الشعارات الطنانة، التي ليست سوى شعارات فارغة لارضاء الشارع. الصعوبة في تثقيف هذا الشارع وجعل المواطن ينتقل الى مرحلة يتفاعل فيها مع ما يدور في العالم على كلّ صعيد وفي كلّ مجال علمي وفنّي وثقافي، ليكون انسانا بالفعل. الأكيد ان هذا ما تمناه الشيخ زايد دائما وعمل من اجله. في السير على نهجه افضل تكريم لهذا الرجل الكريم.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
الانتصار على لبنان عبر المتاجرة بالقدس
2017-12-13
من صنعاء... الى جنوب لبنان
2017-12-11
قمة الكويت... فرصة لمجلس التعاون
2017-12-10
ما سقط مع علي عبدالله صالح
2017-12-08
الفصل الأخير الذي لم يكتبه علي عبدالله صالح
2017-12-06
ايران ووقاحة البقاء في سوريا
2017-12-04
الاستقلال... فرصة ضائعة في الجنوب اليمني
2017-12-03
كذبة اسمها 'سلاح حماس'
2017-12-01
العالم كلّه في أبوظبي
2017-11-29
محمد بن سلمان وسعد الحريري... ولبنان وايران
2017-11-27
المزيد

 
>>