First Published: 2016-09-28

لبنان يواجه السقوط النهائي امام 'المرشد'

 

ثمة موازين قوى تريد ان تفرضها إيران، لبنانيا وإقليميا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

بغض النظر عما اذا كان انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية صار في متناول اليد ام لا، هناك خطر كبير يتهدّد النظام اللبناني، بل يهدّد لبنان ككيان مستقل ودولة عربية تمتلك تجربة قديمة خاصة بها. هذا الخطر الكبير، المتمثل في فرض رئيس الجمهورية فرضا من قبل "المرشد" المحلي، يتجاوز سعي ايران الى "المؤتمر التأسيسي" الذي تحدّث عنه في الماضي هذا "المرشد"، وهو الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله. الهدف من هذا المؤتمر تكرّيس المثالثة بديلا من المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في لبنان. والمثالثة تعني، بين ما تعنيه تقسيم لبنان بين الشيعة والسنّة والمسيحيين. هذا يؤدي عمليا الى تهميش للمسيحيين اكثر مما هم عليه من تهميش الآن.

بكلام أوضح، مطلوب تبييض سلاح "حزب الله"، وهو سلاح ميليشيوي ومذهبي بإمرة ايران، كي يصبح سلاحا شرعيا في لبنان عبر إعطاء الطائفة الشيعية الكريمة، أسيرة ايران الى اشعار آخر، حقّ الحصول على الثلث المعطل في كلّ المجالات.

بكلام اكثر وضوحا، مطلوب ان يكون لبنان مستعمرة إيرانية لا اكثر ولا اقلّ، أي ان يكون الحكم في لبنان شبيها بالحكم في العراق وسوريا. ليس بشّار الأسد سوى بيدق في لعبة تمارسها ايران في سوريا منذ بدأ المرض يتمكن من حافظ الأسد في العام 1998. الى ذلك، ليس رئيس الحكومة العراقية، أكان حيدر العبادي، او سلفه نوري المالكي سوى موظّف إيراني يأخذ تعليماته من الجنرال قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الايراني.

يؤكد وجود الخطر الكبير الذي يهدّد النظام اللبناني و"لبنان الكبير" الذي اعلن في العام 1920، أي قبل مئة عام، الّا اربع سنوات، في وجود "مرشد" في لبنان، على غرار "المرشد" في ايران. هذا "المرشد" في لبنان، الذي يرتبط قراره بـ"المرشد" المقيم في طهران، بات يستطيع تسمية رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النوّاب ورئيس مجلس الوزراء واجبار مجلس النوّاب اللبناني على انتخاب الشخص الذي يسمّيه رئيسا للجمهورية والذي سيكون قادرا على تلبية المطالب الايرانية من دون اخذ وردّ.

هذا يشير بكلّ بساطة ان علّة وجود لبنان لم تعد موجودة. لم يعد لبنان، ممثلا بنوابه، يلتزم الدستور وروح الحياة الديموقراطية. لم يعد النوّاب ينزلون الى المجلس لانتخاب رئيس ضمن المهل التي حددها الدستور المعمول به وذلك قبل انتهاء ولاية رئيس الجمهورية.

هناك عملية نسف للحياة السياسية في لبنان. الهدف واضح كلّ الوضوح. الهدف جعل البلد مجرّد تابع للمحور الايراني. الهدف ان تكون بيروت مجرّد مدينة إيرانية على البحر المتوسط لا اكثر.

من السهل الدخول في لعبة ايران. هناك من يعتقد ان لا مجال في الوقت الراهن سوى انتخاب رئيس للجمهورية بايّ ثمن كان وذلك من اجل انقاذ ما بقي من الجمهورية ومؤسساتها. هناك من ينادي بهذا المنطق بعدما عطّل "حزب الله" انتخاب رئيس للجمهورية منذ سنتين ونصف سنة. يرفض الحزب، وهو لواء في "الحرس الثوري" الايراني ان يمتلك رئيس الجمهورية قرارا خاصا به مستقلا الى حدّ ما عن القرار الايراني. لم يعد مسموحا بان يكون رئيس الجمهورية اللبنانية رئيسا لدولة عربية مستقلّة. صار عليه ان يكون موظّفا لدى "حزب الله"، كما كان رئيس الجمهورية بين 1998 و2007 موظفا برتبة مدير عام في رئاسة الجمهورية العربية السورية. صارت سوريا، قبل ان يرث بشّار والده في العام 2000 جرما يدور في الفلك الايراني. لم يكن بشّار الأسد في أي وقت، وذلك قبل ان يصبح رئيسا، غير جزء لا يتجزّأ من الاستراتيجية الايرانية. في حين كان والده يسعى الى إيجاد توازن مع ايران فتستخدمه أحيانا كي تثبت مواقعها في لبنان ويستخدمها في أحيان كثيرة في لعبة ابتزاز العرب، خصوصا اهل الخليج.

المخيف في الامر ان لبنان يُدفع دفعا من اجل ان يكون في عهدة "المرشد" المحلي الذي يعمل لدى "المرشد" الإقليمي الموجود في طهران. هناك تخلّ عربي عنه وهناك تخلّ أميركي في الوقت ذاته. لم يسبق للبنان ان عانى من مثل هذا التخلي العربي، خصوصا بعدما عملت حكومة "حزب الله" التي شكلّها النائب السنّي نجيب ميقاتي كلّ ما هو مطلوب منها كي يتوقّف العرب عن المجيء الى لبنان والاستثمار فيه. من يتذكّر كيف ان الرئيس سعد الحريري دفع ثمن المواجهة المباشرة مع علي خامنئي وكبار المسؤولين الايرانيين الذي طالبوه عندما زار طهران في العام 2010 بإلغاء ضرورة حصول المواطن الايراني على تأشيرة لزيارة لبنان وتوقيع اتفاق دفاع مشترك بين البلدين وتسهيل دخول ايران النظام المصرفي اللبناني في وقت هناك عقوبات دولية عليها.

كان القرار الاوّل الذي اتخذته حكومة "حزب الله" بعد اسقاط حكومة سعد الحريري الغاء التأشيرة للايرانيين. هل من يريد تذكّر مثل هذه الاحداث بين وقت وآخر، اقلّه من اجل فهم ما الذي كانت تريده، وما زالت تريده، ايران من لبنان؟

ليس سرّا ان لبنان لم يعد همّا اميركيا. لم يعد لبنان موجودا بالنسبة الى إدارة أوباما. كذلك، لم يعد هناك استيعاب عربي لواقع يتمثّل في ان ليس صحيحا ان اللبنانيين لم يواجهوا المشرع الايراني ولم يقاوموه. على العكس من ذلك، قاوم اللبنانيون المشروع الايراني طويلا وذلك منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في شباط ـ فبراير من العام 2005. قاوموا بعد ذلك الحرب الاسرائيلية التي فرضها "حزب الله"، بطلب من ايران عليهم. كان ذلك في صيف العام 2006. قاوموا كلّ اشكال القمع التي مارسها "حزب الله". من الاعتصام الطويل في وسط بيروت من اجل تعطيل الحياة في البلد وصولا الى ما هم عليه من بؤس الآن، مرورا بطبيعة الحال في غزوة بيروت والجبل في أيار ـ مايو 2008.

قاوم اللبنانيون في العام 2009عندما منعوا "حزب الله" وتوابعه من تحقيق انتصار في الانتخابات النيابية. بات عليهم الآن دفع ثمن تلك المقاومة التي تعتبر مقاومة حقيقية عن لبنان المتنوع والعربي المتمسك بثقافة الحياة اوّلا.

هل على لبنان واللبنانيين الاستسلام الآن لـ"المرشد المحلي" وتعليماته بعدما اكتشفوا ان لعبة الانتظار تضرّهم اكثر مما تفيدهم، نظرا الى انها تستنزف البلد وقواه الحيّة، وانّ سوريا نفسها تدفع مع شعبها ثمن إصرار إدارة باراك أوباما على حماية الاتفاق في شأن الملفّ النووي الايراني؟

في كلّ الأحوال، هناك لبنانيون ما زالوا على استعداد للمقاومة. هؤلاء يعرفون ان الرضوخ لمطالب ايران، هذا اذا كانت تريد بالفعل رئيسا للجمهورية تستخدمه في سياق جهودها من اجل تغيير طبيعة النظام اللبناني، يشكّل خطرا كبيرا على البلد ومستقبله وعلى نمط العلاقات القائم منذ القرن التاسع عشر بين الطوائف اللبنانية.

ليس الرضوخ لخيار "المرشد" المحلي، وبالتالي لـ"المرشد" الإقليمي في طهران، سوى رضوخ لموازين القوى التي تسعى ايران الى فرضها مع ما يعنيه ذلك من نهاية للنظام القائم، أي نهاية اتفاق الطائف الذي يشكل حجر الزاوية للمناصفة. هل يسقط لبنان نهائيا؟ هل ما نشهده حاليا اعداد للمشهد الأخير، اي للسقوط امام "المرشد" المحلي، ممثل "المرشد" الإقليمي؟

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
السعودية وملء الصفحة الجديدة مع لبنان
2017-01-20
لعنة سوريا ستلاحق أوباما
2017-01-18
في انتظار سايكس ـ بيكو... بحلته الجديدة
2017-01-16
مرحلة الحذر بين اميركا وايران
2017-01-15
هاشمي رفسنجاني الذي تجاوز عقدة 'الشيطان الأكبر'
2017-01-13
'جاستا' جرس الإنذار للعلاقات السعودية ـ الاميركية
2017-01-11
الصحافة اللبنانية لم تمت بعد
2017-01-09
على انقاض 'سوريا الأسد'
2017-01-08
لبنان والاشياء الصغيرة
2017-01-06
كيف ترد ايران علي روسيا وتركيا
2017-01-04
المزيد

 
>>