First Published: 2016-11-10

رئيس جديد وإستراتيجية ثابتة: ترامب من صناعة الدولة العميقة

 

تستطيع الولايات المتحدة أن تغير جلدها. لكنها في العمق تبقى كما هي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. إبراهيم أبراش

يعتقد البعض أن الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب سيحدث انقلابا وتغييرا جذريا في الإستراتيجية الاميركية داخليا وخارجيا، وهذا الاعتقاد انبنى على مضمون خطاباته خلال حملته الانتخابية، وعلى فهم سطحي لمقولة إن النظام السياسي الأميركي نظام رئاسي مرتبط بشخص الرئيس. هذا التصور لا يؤسس على فهم عميق لطبيعة النظام السياسي الأميركي وآلية صنع القرار فيه، وغير ملم بالإستراتيجية الأميركية وبالمزاج العام للشعب الأميركي، كما أنه لم يدرس ويستفيد من التاريخ.

مما لا شك فيه أن شخصية ترامب كما تبدت من خطاباته وإيماءاته خلال الحملة الانتخابية تُظهره كشخصية شعوبية ويمينية متطرفة، وكأنه مقبل على انقلاب حقيقي في السياسة الأميركية الداخلية والخارجية، ومما لا شك فيه أيضا أن النظام السياسي الاميركي نظام رئاسي تعلو فيه سلطة الرئيس دستوريا على السلطات الاخرى، ولكن دائما يحدث افتراق بين الشخص المرشح للرئاسة وذاته عندما يصبح رئيسا، كما أن سمو سلطة الرئيس غير مطلقة بل مقيدة بـ "الدولة العميقة"، أيضا إن كان ترامب متطرفا يمينيا فهو نتاج صعود اليمين وتغلغلهم في مراكز القرار منذ الرئيس بوش الأب.

الشخص المرشح للرئاسة دائما يبدو بمظهر الحرص على المصلحة القومية، وعندما تكون المنافسة محتدمة وخصمه الانتخابي جزءا من السلطة القائمة لا يتورع المرشح عن كشف عيوب منافسه بل وتضخيم هذه العيوب ومحاولة تحريض الشعب عليه بكل الوسائل، وفي الحملة الانتخابية الأخيرة وصلت الأمور لدرجة الإسفاف، وفي هذه الحالة تلعب الشخصية دورا مهما وخصوصا إن كانت شخصية استفزازية وعدوانية وبهلوانية. لكن هذا الخطاب في الواقع موجه للتأثير على عواطف ومشاعر المواطنين وخصوصا البسطاء وكسب أصواتهم، وهدف هذا الخطاب تغيير الرئيس فقط وليس تغيير السياسات والاستراتيجيات، فهذه لها ميدانها وطرائقها المختلفة والتي لا يشارك فيها الجمهور.

الرؤساء في الولايات المتحدة يضعون ويتركون بصماتهم على سياسة وإستراتيجية البلاد ولكن لا تتغير السياسيات والاستراتيجيات جذريا مع كل رئيس جديد، فحتى الولايات المتحدة فيها "الدولة العميقة" التي تفرض نفسها على كل رئيس جديد، والدولة العميقة تتكون من: المركب العسكري/الصناعي، أعضاء الكونغرس، البنتاغون، المخابرات الاميركية، مراكز الأبحاث والدراسات، اللوبيات أو جماعات الضغط، والضمير والحس الجمعي عند الأميركيين الذي يظهر عند الأزمات.

عندما يصل المرشح لسدة الحكم فإن قدرة الرئيس على التفرد بالقرار تبقى محدودة وخصوصا إن كان حديث العهد بالحكم، سيواجَه بمؤسسات وبحقائق فيبدأ سلسلة التراجعات عن وعوده والالتزام بالواقعية السياسية المبنية على المصالح القومية وتوازن القوى وليس على الشعارات.

لو أخذنا مثلا المرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى الآن لوجدنا أنه بالرغم من تعاقب عدة رؤساء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي إلا أن الاستراتيجية الأميركية تجاه العالم الخارجي لم تتغير كثيرا، لا تجاه الاتحاد السوفيتي/روسيا الاتحادية، ولا تجاه اوروبا ولا تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، نلمس تغييرا في الخطاب واللغة وفي السياسة بما هي دون الاستراتيجية، وليس تغييرا في الاستراتيجية نفسها.

الدولة العميقة في الولايات المتحدة تحتاج بين الفينة والأخرى لرؤساء مختلفين لتعديل بعض السياسات أو تحسين صورة الدولة في العالم، فتشغل الماكينة الانتخابية وأدواتها الخفية للتأثير على الجمهور لإنجاح من تريد بوسائل ديمقراطية من حيث الشكل فقط، بمعنى أن الشعب لا ينتخب الرئيس بل يُصار إلى انتخاب الرئيس بواسطة الشعب.

ما جرى مع الرئيس أوباما مثالا حيا على ذلك، حيث وصلت سمعة واشنطن في عهد بوش الابن إلى الحضيض بعد احتلال العراق وأفغانستان وحملتها ضد الإرهاب، وكانت واشنطن بحاجة لتحسين صورتها في العالم العربي والإسلامي على وجه الخصوص، وكانت الدولة العميقة بحاجة لتغيير سياساتها بما لا يؤثر على مصالحها الاستراتيجية، فتم تركيز الانظار على اوباما الأسود البشرة ومن خلفية إسلامية والمتسم بالطيبة والبراءة.

أظهرت الحملة الانتخابية للرئيس أوباما وكأن أوباما شخص جديد بنهج جديد معارض لسياسات بوش الابن، ورأينا كيف هلل البعض من العرب والمسلمين لخطاب أوباما في جامعة القاهرة في يونيو 2009 عندما تحدث عن تغيير في السياسة الخارجية الأميركية سواء من حيث التدخل العسكري الاميركي في افغانستان والعراق،و بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي، ورأينا بعد ذلك كيف أن التدخل العسكري الخارجي زاد بشكل كبير وتوسع مداه بل مع أوباما ووزيرة خارجيته تم صنع الفوضى في المنطقة والتي سماها أوباما ربيعا عربيا، ورأينا كيف تبخرت وعود أوباما بالنسبة للدولة الفلسطينية والسلام في الشرق الأوسط، وكانت السياسة الاميركية تجاه الشرق الأوسط في عهد أوباما الأكثر سوءا من كل الرؤساء السابقين.

كما أن الرئيس أوباما خضع في النهاية للدولة العميقة وتبخرت كل وعوده الانتخابية، نفس الأمر سيكون مع رونالد ترامب، لأن ترامب ليس من صنع نفسه والدولة العميقة تحتاج لشخصية مثل ترامب بعد إيفاء أوباما /كلينتون لمهمتهم، وبعد انكشاف حقيقة ما يسمى بالربيع العربي والدور الأميركي وراء صناعته وصناعة تنظيم الدولة وكثير من المنظمات الإرهابية.

الاستراتيجية الاميركية في عهد اوباما/كلينتون لم تكن فاشلة بل حققت وبامتياز المصالح الإستراتيجية الاميركية وخصوصا في الشرق الأوسط: أسعار النفط في تدهور، سيطرة واشنطن والغرب على اغلب مصادر النفط، إسرائيل تعيش عصرها الذهبي، تم تدمير كل من كان يهدد أو يُحرض على المصالح الاميركية وعلى إسرائيل من صدام حسين إلى القذافي إلى الأسد، استنزاف الأموال العربية، تنشيط صناعة السلاح في الغرب حيث صفقات تسلح للعرب بمئات مليارات الدولارات، وبعد كل هذا الخراب والدمار فستنعش الشركات المدنية الأميركية والغربية من خلال العقود التي ستبرمها مع ما سيتبقى من دويلات عربية لتعمير بعض ما دمرته الحرب.

لكن هذه الاستراتيجية كان لها ثمن باهظ على سمعة واشنطن بعد انكشاف دورها فيما يجري وخصوصا في سوريا والعراق والوضع الإنساني الخطير الناتج عن التدخل الأميركي، وبالتالي فواشنطن تحتاج لتحسن صورتها وتبرئة نفسها مما يجري من خراب، فكانت الحاجة لأشخاص محددين – كلينتون وأوباما والحزب الديمقراطي - لتحميلهم مسؤولية التداعيات السلبية لهذه الاستراتيجية، والانتقال نحو مرحلة جديدة بأشخاص جدد، والرئيس الاميركي الجديد ترامب يعلم ذلك.

دونالد ترامب سيبدأ بالتراجع تدريجيا أو إعادة النظر او إعادة تفسير كل ما ورد في حملته الانتخابية سواء بالنسبة لعلاقة واشنطن بأوروبا أو بالنسبة لاتفاقية المناخ وهو ما أثار غضب الأوروبيين، أو بالنسبة لروسيا، أو موقفه من الإسلام والمسلمين. سيبدأ ترامب بالاستماع جيدا والخضوع تدريجيا للدولة العميقة والمصالح الاستراتيجية القومية للأمة الاميركية. لا شك أن ترامب سيكون اكثر صداما في بعض الملفات ولكنه لن يُحدِث إلا تغييرات بسيطة لن تمس في العمق الاستراتيجية الاميركية في المنطقة، التغيير سيكون على مستوى التكتيك والسياسة وليس على مستوى الاستراتيجية، وخصوصا فيما يتعلق بصراعات الشرق الأوسط.

فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية كان ترامب خلال حملته الانتخابية أكثر صراحة وكان أكثر عدوانية تجاه الفلسطينيين وأكثر تأييدا لإسرائيل، ولكن لا نعتقد أن في ذلك فرق كبير بينه وبين أوباما، ففي عهد أوباما/كلينتون حاولت الإدارة الاميركية أن تبدو موضوعية بل حاول أوباما، كما أشرنا أعلاه، أن يبدو متعاطفا مع الفلسطينيين والمسلمين ولكنه عمليا مارس عكس ذلك.

المهم بالنسبة للفلسطينيين والعرب أن يتوقفوا عن المراهنة على كل رئيس جديد للولايات المتحدة وأن يحاولوا البحث عن مصالحهم القومية من خلال علاقات متوازنة مع كل الدول الكبرى، وعلى الفلسطينيين الاستعداد لمزيد من العدوانية الإسرائيلية وتوسيع النشاط الاستيطاني مع موقف أميركي أقل تعاطفا مع الفلسطينيين وحقوقهم المشروعة.

 

د. إبراهيم أبراش

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر – غزة

Ibrahemibrach1@gmail.com

 
د. إبراهيم أبراش
 
أرشيف الكاتب
وفد أمني إداري ميداني مصري في غزة لضمان تنفيذ اتفاق المصالحة
2017-09-19
منظمة التحرير الفلسطينية: يتغنون بها ولا يريدونها
2017-09-17
في ذكرى توقيعها: اتفاقية أوسلو وحسابات الربح والخسارة
2017-09-14
هل تهيئ مصر للصفقة الكبرى؟
2017-09-11
اختزال الوطن في السلطة والوظيفة
2017-09-07
إسرائيل وسياسة تفكيك الصراع وتغيير طبيعته
2017-09-03
التباس مفهوم المصالحة الفلسطينية وزيارة أبو مازن لتركيا
2017-08-31
مَن سيملأ فراغ انحسار موجة الإسلاموية السياسية؟
2017-08-27
العودة لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد فشل كل البدائل
2017-08-23
لماذا لم يتجهوا شمالا بدل التوجه جنوبا؟
2017-08-19
المزيد

 
>>