First Published: 2016-11-17

إعادة الاعتبار للدبلوماسية المصرية

 

دور مشهود لوزير الخارجية المصري سامح شكري في ضبط ايقاع حركة مصر الاقليمية في منطقة مليئة بالالغام.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

عندما كتبت في هذا المكان منذ أسبوعين مقال "الواقعية في السياسة الخارجية المصرية"، تلقيت عددا من ردود الأفعال المتفاوتة، بعضها اعتبر ما كتبته نوعا من التضخيم المعنوي، لأن هناك غموضا يكتنف بعض المواقف في عدد من القضايا الإقليمية، وهناك من أثنى، واعتبر ما كتبته جزءا يسيرا، وأن الدبلوماسية الراهنة التي رسم خطوطها العريضة الرئيس عبدالفتاح السيسي، ويتولى إدارتها بحرفية سامح شكري وزير الخارجية، تستحق أكثر مما كتبت.

عندما فكرت في التحفظ والإشادة، وجدت أن كليهما صحيح، فالسياسة الخارجية بحاجة لقدر أكبر من الحسم في بعض الملفات، حتى ولو تفهمنا طبيعة المرحلة الحالية والتعقيدات التي تخيم على جميع قضايا المنطقة، لكن إذا أرادت مصر أن تلعب دورا محوريا كبيرا، عليها أن تتخلى عن الحذر الذي لازم بعض مواقفها، وجعلها تفتح قنوات اتصالها مع جميع القوى، بما فيها قوى متناقضة ومتنافرة ومتصارعة، ربما حقق هذا الاتجاه أهدافه في وقت لم تتوافر فيه رفاهية المواقف الحدية، لكن مصر التي تستعيد دورها الإقليمي، عليها أن تكون أكثر حسما، وتتخلى عما يمكن وصفه بـ "الحذر والتريث الزائدين"، لأن سياسة الخطوط المتوازية لن يكون لها مكانا في المرحلة المقبلة.

أما في ما يتعلق بالدور الذي لعبته الدبلوماسية المصرية، منذ ثورة 30 يونيو 2013 وحتى الآن، فقد حقق أغراضه بامتياز، ويذكرنا أداء الوزير سامح شكري، بعدد من شيوخ الدبلوماسية، الذين كانت المصلحة الوطنية حاكما رئيسيا في جميع تصوراتهم وتصرفاتهم، ونجحوا في إعادة الاعتبار لمصر إقليميا ودوليا، ووضعوا لمساتهم وبصماتهم، ليس فقط لتمسكهم بجملة من الثوابت الإستراتيجية الحاكمة للرؤية المصرية، لكن لأنهم وقفوا بقوة أمام العواصف والرياح التي كانت تأتيهم من كل حدب وصوب.

المرحلة التي تعيشها مصر الآن، بكافة تشابكاتها السياسية والأمنية والاقتصادية، تبدو قريبة من مرحلة سابقة، عاشتها البلاد خلال حقبتي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، والكثير من تفاصيل ما حدث في ذلك الوقت، له روافد ونماذج شبيهة الآن، وعندما امتلكت السلطة الحاكمة إرادة قوية للمواجهة والتحدي، وعكست وزارة الخارجية الرؤية الإستراتيجية، تمكنت مصر من عبور غالبية الأنفاق التي حُفرت في طريقها.

في تقديري، ما قام به، ولا يزال، سامح شكري يذكرنا بهذه المرحلة، فعندما قامت ثورة 30 يونيو، كانت علاقات مصر الخارجية على المحك، والمؤامرات على أشدها، والمشهدين، الإقليمي والدولي، بالغي الصعوبة، وخلال أقل من عامين، نجحت الوسائل الدبلوماسية، في أن تعيد ترتيب عدد كبير من الأوراق لصالحنا، وتتخطى كثير من العراقيل والمطبات، وفوتت الفرصة تلو أخرى، على من حاولوا حشر مصر في زاوية ضيقة، حتى أصبحت العلاقات جيدة، وربما ممتازة، مع عدد كبير من الدوائر السياسية في العالم.

من أهم مزايا هذه السياسة، التي كانت مهارة الوزير شكري ظاهرة فيها، عدم الدخول في صدامات مجانية مع أي دولة، وتجنب المهاترات التي كانت تظهر في الخطاب الرسمي لبعض الدول. ولعل طريقة التعامل مع تركيا، من أكثر المواقف التي كشفت عن منهجه، فمع كل "السفسطة" والتجاوزات التي قامت بها أنقرة، غير أن الردود المصرية كانت حكيمة ومنضبطة، ولم تنزلق إلى المربع الذي أراده بعض قيادات تركيا لها، وعندما يتطلب الأمر للرد بحسم، لم يتردد شكري أو المتحدث باسم الخارجية المستشار أحمد أبوزيد عن الرد بالقسوة الواجبة، عندما يستلزم الأمر ذلك.

وحتى في القضايا الشائكة، التي تتقارب فيها الخطوط البيضاء مع السوداء، مثل الأزمة السورية والليبية واليمنية، خاصة في الآونة الأخيرة، عندما يُساء فهم الموقف المصري، كانت الخارجية تتكفل بمزيد من التوضيح والتصويب، وربما أغضبت قوة شخصية شكري، وقدرته على بلورة مواقف بلاده بطريقة سلسة، بعض زملائه في دول شقيقة، ولأن دفاعه كان منبثقا من تقديره الوطني لدور مصر الإقليمي، بدا منسجما مع القيادة السياسية، التي تدرك أهمية هذا البلد، وأن القدر وضعه في منطقة ملتهبة، وقدره أيضا أن يكون على مستوى المسئولية الملقاة على عاتق أبنائه.

المرحلة المقبلة، هي مرحلة الحسم في عدد من القضايا الساخنة، وسوف يزداد فيها دور سامح شكري والجهات المعاونة لوزارته، وهو ما يتطلب المزيد من الحنكة لجني ثمار ما تم زرعه في العامين الماضيين، فمرحلة الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، مؤكد أنها سوف تظهر فيها الكثير من التجليات السياسية، التي تجعل من الأدوار الدبلوماسية لا تحتمل القسمة على اثنين.

إذا كانت وزارة الخارجية المصرية، ربحت الكثير خلال مرحلة السيولة السياسية، فمن المتوقع أن تكون مكاسبها أكبر، في مرحلة الحسم، الذي يكشف عن وجه آخر لمصر، تتطلع إليه منذ فترة، لكن طبيعة المرحلة وحساسيتها المفرطة أجلت تدشين تفاصيله، ما يضع على كاهل الدبلوماسية مهمة تعظيم الدور الإقليمي لمصر، خاصة أن البيئة تبدو مهيأة له، في ظل العثرات التي تواجهها بعض القوى الطامحة والجامحة، والتي تفتقر إلى المقومات الحقيقية لممارسة دور متعاظم، كما أن الاتجاه الدولي العام أصبح على قناعة أن مصر رمانة ميزان مهمة، ويمكن التعويل عليها لضبط بعض المعادلات المختلة، التي حسبت قوى معينة أنها قد تكون رقما رئيسيا فيها، وتستطيع التحكم في بعض مفاتيح الحل والعقد بالمنطقة.

السمات الإيجابية الكثيرة التي أضفاها أداء شكري على الدبلوماسية، منحت قطاعات كبيرة من المواطنين، ثقة في الدور الذي يمكن أن تلعبه مصر، وجعل فئات مختلفة تتيقن أن الأمن القومي لبلادهم يبدأ من خارج الحدود، الأمر الذي يحتاج إلى تضافر الجهود لدعم الخارجية، وتتمكن من أداء مهامها، بعد أن أصبحت المظلة الرئيسية، المعبرة عن الرؤية المصرية، وجرى تجاوز جوانب كثيرة من التشويش والتخبط والتشتت، الذي خيم عليها، قبل ثورة 25 يناير 2011، بسبب تضارب الجهات الفاعلة، وتوزيع المهام على أكثر من جهة.

رد الاعتبار للدبلوماسية المصرية، مهمة كانت في غاية الصعوبة، الفضل يعود فيها للوزير سامح شكري، والرئيس عبدالفتاح السيسي الذي وقف خلفه ومنحه هذه الفرصة، حتى أمسك بخيوط متعددة، جعلته رمزا وواجهة سياسية مشرفة، و"كابوسا" لعدد من نظرائه في المنطقة، ممن يريدون تحجيم دور مصر، وحشرها بين فكي أزماتها المحلية، وهمومها مع بعض جيرانها.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
المزيد

 
>>