First Published: 2017-01-08

على انقاض 'سوريا الأسد'

 

الكثير يتوقّف على الموقف الذي ستتخذه إدارة ترامب من الازمة السورية. كلّ ما فعلته روسيا هو نوع من تقديم أوراق الاعتماد الى الولايات المتحدة انطلاقا من واقع جديد على الأرض.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

ما الذي تستطيعه روسيا في سوريا وما الذي لا تستطيعه؟ سيطرح هذا السؤال نفسه بحدّة في الأسابيع المقبلة التي ستكشف ما اذا كانت روسيا ستكون قادرة على فرض وقف للنار في الاراضي السورية بمشاركة تركيا. سيتبيّن على وجه الخصوص ما اذا كانت روسيا ستكون قادرة على البناء على الهدنة بغية تحقيق هدف واضح يتمثّل في التوصل الى تسوية سياسية تكرّس سوريا منطقة نفوذ روسية بغطاء اميركي... قد يأتي كما قد لا يأتي!

الى الآن، وردت إشارات عدة من طهران توحي بان ايران لا تقبل بان تكون الكلمة الأخيرة في سوريا لروسيا. لم تتجرّأ طهران على توجيه كلام مباشر الى موسكو، لكن الواضح ان كلّ انتقاد ايراني موجّه الى تركيا هو في الواقع موجّه الى روسيا. هذا ما يمكن فهمه من تصريحات علي اكبر ولايتي مستشار "المرشد" علي خامنئي الذي اكّد ان "حزب الله" لن ينسحب من الأراضي السورية. لم تطلب ايران من "حزب الله" ارسال مقاتليه الى سوريا دعما للنظام الاقلّوي فيها كي يأتي يوم تعلن فيه تركيا ان المطلوب انسحاب كلّ الميليشيات الأجنبية من سوريا، بمن في ذلك الميلشيا المذهبية ذات العناصر اللبنانية المسمّاة "حزب الله".

القرار المتعلّق بوجود "حزب الله" في سوريا قرار إيراني. ميلشيا الحزب لواء في "الحرس الثوري" الايراني. ما ينطبق على "الحرس الثوري" ينطبق عليها. لم يمرّ الزمن بعد على الكلام الصادر عن السيّد حسن نصرالله الأمين العام لـ"حزب الله" الذي شدّد فيه على انّ كلّ ما لدى "حزب الله" جاء من ايران. هذا لم يكن سرّا في يوم من الايّام. هذا ما لا يريد ان يعرفه عدد لا بأس به من اللبنانيين الذين لا تزال لديهم بعض الاوهام في شأن العلاقة بين "حزب الله" ولبنان وبينه وبين المجتمع اللبناني المؤمن بثقافة الحياة.

مع مرور الايّام على سريان الهدنة الروسية ـ التركية في سوريا، انتقل المسؤولون الايرانيون الى مرحلة جديدة في حملتهم على تركيا. لم يتردد علاء الدين بروجردي رئيس لجنة الامن القومي في "مجلس الشورى" الايراني في اتهام تركيا بانّها تحتلّ جزءا من الأراضي السورية متجاهلا ان ايران تخوض، عبر عناصر "الحرس الثوري" والميليشيات اللبنانية والعراقية والافغانية التابعة لها، حربا على الشعب السوري. اكثر من ذلك، ان بشّار الأسد لا يزال موجودا في دمشق بفضل الحماية التي امنتها له ايران التي ما لبثت بدورها ان استعانت بروسيا كي لا يسقط النظام السوري رسميا بعدما سقط عمليا.

المضحك ـ المبكي انّ ايران تعتبر نفسها موجودة في سوريا بناء على طلب من "الشرعية". منذ متى كان النظام السوري شرعيا؟ من اين لهذا النظام الاقلّوي الذي هو نتاج انقلاب عسكري لحزب البعث نفّذ قبل ما يزيد على نصف قرن شرعية من ايّ نوع كان؟

من يستعرض تاريخ النظام السوري يكتشف، بكل بساطة، ان لا شرعية له من ايّ نوع. اغتصب هذا النظام السلطة واغتصب ثروات سوريا وفرض على الشعب السوري نظاما امنيا لا يشبه سوى النظام الذي فرضه ستالين على شعوب الاتحاد السوفياتي في اربعينات وخمسينات القرن الماضي. هذا نظام ابتلت به سوريا بدليل ما وصلت اليه الأحوال في هذا البلد الذي كان مرشّحا للعب دور طليعي في المنطقة بفضل الثروة الانسانية التي كان يمتلكها، والثروات الطبيعية التي لا يزال يمتلكها.

عاش النظام السوري طوال نصف قرن على امجاد تسليم الجولان الى إسرائيل. في حزيران ـ يونيو المقبل تمرّ الذكرى الخمسون على حرب العام 1967 التي انتهت باحتلال إسرائيل للجولان. الى الآن لا يزال الجولان المحتل الرأسمال الذي يقتات منه النظام السوري، بل علّة وجود هذا النظام. اذا كان من احتلال تركي لجزء من الأراضي السورية، وهو احتلال تمّ بالتفاهم مع الروس والأميركيين، فانّه يضاف الى احتلالات ثلاثة أخرى هي الإسرائيلي والإيراني والروسي. لكلّ من هذه الاحتلالات الأربعة منطقة نفوذ خاصة به يفعل فيها ما يشاء، ساعة يشاء.

هذا هو الوضع السوري على حقيقته. هناك نظام غير شرعي جلب لسوريا أربعة احتلالات إضافة الى لعبه دورا أساسيا في قيام "داعش" الذي لا يزال يسيطر على جزء من البلد ولا تزال له امتداداته العراقية.

ما تستطيعه روسيا سيعتمد الى حدّ كبير على موقف الإدارة الاميركية الجديدة. في غياب تفاهم في العمق بين دونالد ترامب والمجموعة المحيطة به من جهة والرئيس فلاديمير بوتين من جهة أخرى، لن يكون مجال للبناء على الهدنة الهشّة القائمة حاليا والتي في أساسها ما تحقّق في حلب بفضل التواطؤ التركي مع روسيا، وهو تواطؤ، على حلب واهل حلب، يمكن تفسيره بالهاجس الكردي الذي يتحكّم بتصرّفات الرئيس رجب طيّب اردوغان. قبلت تركيا بتسليم حلب الى النظام والميليشيات المذهبية التابعة لإيران بتفاهم مع روسيا. كان ذلك في سياق عملية يفترض ان تقود الى تفاهم سياسي وليس الى تجاذبات تركية ـ إيرانية تجري تحت المظلّة الروسية.

لن تتردّد تركيا في احتلال مزيد من الأراضي السورية وذلك لقطع الطريق على قيام كيان كردي مستقلّ في سوريا. دخلت تركيا في لعبة لا تزال ينقصها الغطاء الاميركي. هل يستطيع الجانب الروسي توفير هذا الغطاء كي تكون مفاوضات استانا هذا الشهر مجرّد محطة تمهّد للانتقال الى جنيف مجددا؟

الكثير سيتوقّف على الموقف الذي ستتخذه إدارة ترامب من الازمة السورية. يمثّل كلّ ما فعلته روسيا الى الآن نوعا من تقديم أوراق الاعتماد الى الولايات المتحدة انطلاقا من واقع جديد على الأرض. ليس معروفا بعد كيف ستتجاوب إدارة ترامب مع الواقع السوري الجديد. الثابت انّها لم تعد قادرة على تجاهله من جهة، كما لا تبدو على استعداد للسير في السياسة التي اتبعتها إدارة باراك أوباما من جهة اخرى. كانت هذه السياسة الاوبامية قائمة اساسا على الاكتفاء بالكلام الكبير لتغطية الاستسلام الكامل لإيران وروسيا في شأن كلّ ما له علاقة من قريب او بعيد بما يدور على ارض سوريا.

قبل نحو عشرة أيام من دخول دونالد ترامب البيت الأبيض، يبدو ان على روسيا إدارة الخلاف التركي ـ الايراني الذي يبدو مرشّحا لتصعيد على الأرض، وان في ظلّ معرفة كلّ طرف من الطرفين لحدود منطقة نفوذه.

سيبقى التراشق الكلامي سيّد الموقف وستبقى الهدنة القائمة مجرّد هدنة هشة تحتاج الى تفاهم أميركي ـ روسي كي يبدأ البحث الجدّي في كيفية إعادة تشكيل سوريا الجديدة على انقاض "سوريا الأسد" التي دمّرت نفسها بنفسها بعدما عاشت اكثر مما يجب على الشرعية المستمدّة من تسليم الجولان لإسرائيل.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
ابعد من استقالة... انّه مصير لبنان
2017-11-20
لبنان لن يغيّر جلده
2017-11-19
المصالحة الفلسطينية والامتحان القريب
2017-11-17
سعد الحريري... صدمتان وليس صدمة واحدة
2017-11-15
استقالة سعد الحريري لم تكن عشوائية
2017-11-13
قمر مغربي ينطلق من قاعدة ثابتة
2017-11-12
المأزق الكردي... مأزق عراقي ايضا
2017-11-10
ثورة في السعودية
2017-11-08
عندما يرفض لبنان تغطية سياسات ايران
2017-11-06
متى تنتهي الحرب العالمية الاولى
2017-11-05
المزيد

 
>>