First Published: 2017-01-11

جلال الدين الرومي.. المرأة الإنسان

 

رفض قاطع لنقاب المرأة عندما يدعمه بالحجج المنطقية مذكراً بالفطرة التي خلقها الله عليها فالله خلق الجمال لكي يرى ومن أجله خلق الأبصار.

خلاصة من بحث توفيق بن عامر 'نظرة الرومي إلى المرأة'، ضمن الكتاب 120 (ديسمبر 2015) 'المولوية والتصوف التاريخ والآفاق' الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

 

ميدل ايست أونلاين

الاتهام يوجهه إلى الرجل

إن للآخر الجندري في مجال التصوف الإسلامي حضورا متميزا؛ إذ تحظى المرأة في ذلك المجال بمنزلة رفيعة، فهي تباري الرجل في ممارسة التجربة الصوفية وتنافسه منافسة الند للند. ولنا في تاريخ التصوف الإسلامي أمثلة عديدة على تلك المشاركة في التجربة، بل وعلى الريادة فيها، ابتداء بمثال رابعة العدوية، ثم بمن عاصرها وتلاها بالمشرق الإسلامي من زاهدات وعابدات بلغن في تصوفهن درجة الولاية. كما كان للمرأة في المغرب الإسلامي دور مهم في ممارسة التجربة الولائية ونكتفي هنا بالإشارة إلى ذيوع صيت كل من السيدة عائشة المنوبية بتونس والسيدة فاطمة الأندلسية بالمغرب.

لكن الحضور المتميز في مجال التصوف لم يكن وقفا على مساهمة ذلك الآخر الجندري في التجربة الصوفية؛ بل إنه يتجلى أيضا في المنزلة التي حظيت بها المرأة من تجاربهم الروحية، باعتبارها موضوعا لتلك التجربة، فقد أولى كبار الصوفية للمرأة اهتماما خاصا، وكان لها تأثير عميق في نفوسهم، وشكلت عند بعضهم جزءا مهما من تجاربهم الروحية، وعند أغلبهم رمزا أساسيا للحب الإلهي، وكانت عنصرا فاعلا في عروجهم نحو الذات الإلهية.

المرأة/ الإنسان

إن تصور الرومي للآخر الجندري هو فرع من تصوره للإنسان. فالمرأة وفق ثقافته الإسلامية هي صنو الرجل "هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها" فهي أهل لما كرم الله به بني آدم؛ إذ هي ملتزمة بالميثاق وحاملة للأمانة، وواسطة بين الله والكون. فالإنسان –والمرأة إنسان– هو في جوهره وعلى حد قوله "أسطرلاب الحق" ومرآته التي تجلى فيها جماله المطلق، وظله الذي لا يفارقه لحظة بلحظة؛ لأنه نفخة من روحه وكنزه المخفي. ذلك هو جوهر الإنسان، وبناء عليه "من عرف نفسه فقد عرف ربه". يقول الرومي في نعته الإنسان بأسطرلاب الحق:

(الإنسان أسطرلاب الحق، ولكن لا بد من منجم لمعرفة الأسطرلاب، ومثلما أن هذا الأسطرلاب النحاسي مرآة للأفلاك، فإن وجود الإنسان حيث يقول تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم" أسطرلاب الحق، وعندما جعل الحق تعالى الإنسان عالما به وعارفا ومطلعا، صار يرى في أسطرلاب وجوده تجلي الحق وجماله المطلق لحظة لحظة ولمحة لمحة، وذلك الجمال لا يغيب عن هذه المرأة البتة).

لكن الإنسان –والمرأة إنسان- ليس جوهرا فحسب، بل هو صورة أيضا. ولا بد من اختراق حجاب الصورة الفاني والمكون من ماء وطين لإدراك ذلك الجوهر الأزلي. وتلك الصورة أرادها الله وسواها في شكل كائن بشري، وجعلها طوع إرادته ووفق أحكامه «فقد خلق آدم على صورة أحكام الحق» وأحكامه ظاهرة في جميع الخلق. فالخلق جميعا خاضعون له ومسبحون بحمده وناطقون بحبه، وموالون لأوليائه ومعادون لأعدائه. فصورة الخلق بالنسبة إلى الحق أشبه ما تكون بصورة الظل بالنسبة إلى الشخص في كل حركة أو سكون، وقد عبر الرومي عن ذلك بقوله:

هكذا فالمرأة بما هي إنسان لها حقيقتان: جوهر وصورة. ولها وجودان: وجود ظاهر ككائن دنيوي، ووجود باطن ككائن علوي. وكل من الحقيقتين ملازمة للأخرى ولا تنفك عنها ما دامت في هذا العالم الدنيوي، ومؤثرة فيها أخذا وعطاء وإيجابا وسلبا. إلا أن الجوهر في كل الحالات أسمى من الصورة لأنه الجزء الخالد في ذلك الكائن.

المرأة/ الصورة أو المرأة/ الجسد

يقر الرومي بأن النساء "زينة الحياة الدنيا" وفق ما ورد في الذكر الحكيم، فالحق قد زين صورهن وأبدع في خلقهن، بهدف انجذاب الرجال إليهن وتعلقهم بهن، وليسكنوا إليهن "وجعل منها زوجها ليسكن إليها" وبناء على ذلك، فإن الرجل لا بد له من المرأة، ولا يمكنه الانفصال عنها، وليس له أن يدعي الاستغناء عن النساء، لأن آدم لا يستطيع الانفصال عن حواء، وتلك هي إرادة السماء.

يميز الرومي بين «الطريق المحمدي» الذي يرفض الرهبانية؛ إذ «لا رهبانية في الإسلام» ويبارك الزواج وطلب النساء، ويجعل من تلك العلاقة سببا لسكينة الروح، وسمو الخلق، وطهارة النفس، بالتحمل والصبر والمجاهدة و«طريق عيسى» الذي يوصي بالعزوف عن النساء، والاعتزال، والخلوة، وترك الدنيا. وهو يقارن بين الطريقين ويرى أنهما وإن كان كل منهما يفضي إلى تخليص النفس من أهوائها وتحقيق طهارة الروح، إلا أن الطريق المحمدي أفضل الطريقين لنجاعته في تهذيب الخلق، وتخليص النفس من صفاتها السيئة. فقد أظهر الحق سبحانه لرسول الإسلام «طريقا ضيقا وخفيا» يحقق للروح طهارتها بالمجاهدة والصبر، ويوفقها في الآن نفسه إلى تحمل أعباء الأمانة في هذا العالم الأرضي.

يذهب الرومي بعيداً جدا في الدعوة إلى حسن معاملة الرجل للمرأة، حتى في الحالات القصوى التي لا تكون فيها المرأة على صواب، ولا يكون الحق بجانبها، لأنه يعتقد أن معاملة المرأة بالحسنى، والصبر على نوازعها وميولاتها، أفضل لطهارة النفس وحسن المعاشرة من محاولة السيطرة والإكراه وسوء المعاملة لأن الضرر يشمل بذلك الطرفين، وتكون الخسارة من الجانبين. وهو يحلل لنا وجهة نظره تلك قائلا: «بتحمل جور النساء تكون كأنك تزيل نجاستك بهن. يتحسن خلقك بالتحمل ويسوء خلقهن بالمخاشنة والتعدي. وإذا أدركت هذا طهرت نفسك. اعلم أنهن كالثوب بهن تطهر أدرانك وتغدو أنت نفسك طاهرا.

وعي مبكر بحقوق المرأة

ويمثل الرومي لعلاقة المرأة بالرجل بعلاقة الماء بالنار. فالماء في الظاهر يبدو غالبا للنار إذ يقدر على إطفائها، لكنه إذا حوصر في إناء فإن النار تجعله يغلي حتى يتبخر في صورة هواء. وكذلك الرجل هو في الظاهر غالب للمرأة كالماء للنار، لكنه في الباطن مغلوب وطالب لها. ولا تعتبر تلك الغلبة كما لا يعتبر ذلك الطلب نقيصة في جانب الرجل، بل صفة تميزه كإنسان عن الحيوان؛ لأنه بها يدرك معنى الحب الذي لا يدركه الحيوان لما فيه من نقصان. وإليك البيان:

«فلو كان الرجل رستم بن زال أو كان أشجع من حمزة

فإنه رهن امرأته أسير لها

والرسول الذي كان العالم أسير كلمته كان يقول: كلميني يا حميراء

إن الماء يغلب النار بانطلاقه

لكن النار تجعله يغلي حين يكون منحصرا

فحينما يجيء القدر بين النار والماء أيها الملك

فإن النار تمحو الماء وتجعله هواء

فإذا كان الرجل في الظاهر غالبا للمرأة كالماء للنار

فإنه في الباطن مغلوب طالب لها

فالحب على هذا النحو صفة مميزة للإنسان

وأما الحب عند الحيوان فناقص وذلك لنقص الحيوان»

إن الجمال الجسدي مثير للغيرة عند الرجل فهو «كورود الربيع المقترنة بالأشواك» ولذلك يشدد الرومي في النهي عن مشاعر الحمية والغيرة، ويوصي الرجل بالتخلص من تلك الصفات؛ لأنها وإن كانت من الصفات الجيدة للرجولة، إلا أنها مجلبة للصفات السيئة. فإذا تخلى المرء عنها يكون قد طهر نفسه من نجاستها بالتحمل والمجاهدة، وذلك أولى به من أن يدعي تطهير المرأة من نجاستها بغرض بسط سيطرته عليها، فتغدو العلاقة الزوجية بذلك جحيما لا يطاق، وتفضي إلى ما لا تحمد عقباه. يقول مخاطبا الرجل: «ودع الغيرة رغم أنها صفة للرجال، فإنه من خلال تلك الصفة الجيدة تدخل الصفات السيئة فيك».

رفض نقاب المرأة

لا يخفي مولانا رفضه القاطع لنقاب المرأة، عندما يدعم ذلك الرفض بالحجج المنطقية، وعندما يذكر بالفطرة التي خلق الله عليها الإنسان. فالله سبحانه قد خلق الجمال لكي يرى ومن أجله خلق الأبصار، وإلا فما الجدوى من وجودها؟ كما خلق الألحان الجميلة لكي تشنف الأسماع، وخلق المسك والطيب لحاسة الشم. فهل من المعقول أن يخلق العطر للأخشم واللحن للأصم؟ كما هل يعقل أن تأخذ المرأة زينتها لأعمى؟ يقول مولانا:

«وكل ما صنع جميلا رائعا منمقا

فإنما صنع من أجل العين المبصرة

ومتى كانت الألحان بوزنها الخفيض والعالي

من أجل أذن صماء معدومة الحس؟

إن الله لم يجعل المسك طيب الأنفاس عبثا

إنه خلقه للإحساس السليم وليس للأخشم

أيتها المرأة المحجبة! هل نهضت قط يوما

واتخذت زينتك من أجل رجل أعمى؟»

من الملاحظ أن الرومي بالرغم من أنه، زمن تأليفه لكتاب "فيه ما فيه"، لم يتخلص بعد من رواسب ثقافته الفقهية التقليدية، ومن الرؤية الشعبية المنتقصة للمرأة، لم يأل جهدا في مقاومة النزعة الذكورية في مجتمعه، وإدانة ما تتسم به تلك النزعة من عنجهية وغطرسة تجاه المرأة. فهو بمواقفه تلك يعتبر نصيرا لها، ومتجاوزا لأوضاع زمانه في هذا المضمار. وكأننا به يعتقد أن ما طرأ على علاقة الرجل بالمرأة في ذلك الزمان من تدهور، إنما سببه سلوك الرجل، وسوء تقديره، ونوازعه السيئة، وليست المرأة في نظره هي المسؤولة عما كانت تتعرض له من عنف وقمع، وعن الوضع السيئ الذي كانت تعيشه نتيجة المعتقدات المنتقصة لشخصيتها. فلا إصلاح في نظر مولانا لتلك الأوضاع إلا بإصلاح الرجل؛ لأنه أصل الداء، وإن كان يتوهم أنه يمتلك الدواء.

 

تفجيرات في الشرق مع تقدم القوات العراقية نحو مطار الموصل

قمة عُمانية كويتية لصياغة حوار ممكن بين الخليج وإيران

اندلاع المعركة الحاسمة في غرب الموصل

عون يتوعد إسرائيل بـ'رد مناسب'

وفاة الزعيم الروحي للجماعة الإسلامية المصرية في أميركا

تدمير مركز قيادة للدولة الإسلامية غرب الموصل

مفوضية الانتخابات تؤجج صراعات البيت الشيعي بالعراق

احتفالات في ليبيا بثورة أطاحت الاستبداد وفرضت الانقسام

نصرالله يصطنع خطوطا حمراء لاختبار مزاج ترامب


 
>>