First Published: 2017-05-03

العراق.. عادت أرضه صوافي!

 

قادمون يصادرون أموال ذاهبين. القادمون على موعد مع الذهاب.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: رشيد الخيّون

ما زالت عبارة «الأموال المنقولة وغير المنقولة» ترن في آذان العراقيين، ممن عاصروا الانقلابات والمحاكمات العرفية والثورية، تُشير إلى العقارات والأراضي والأموال النقدية. كان آخر سماع العبارة، قبل أيام، من قاعة البرلمان العراقي، حسب «قانون حجز ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة العائدة إلى أركان النظام السابق» (موقع البرلمان العراقي).

شمل قانون المصادرة اثنين وخمسين شخصية، وزعت أسماؤهم وصورهم بُعيد الغزو الأميركي للعراق، على أوراق لعبة «الكوتشينة»، وتبدو الرمزية واضحة في وضع الأسماء والصور على هذه الأوراق بالذات، فما حصل كان مقامرةً، أسفرت عن هد الدولة العراقية هداً، ولإنهاء وطن اسمه العراق، فالغزو لم يكتف بإسقاط النظام وإنما تعداه إلى الدولة، على أن التبرير الأميركي في استعمال هذه الأوراق لتكون صور وأسماء المطلوبين معروفة لجنودهم.

لا نناقش القانون، فأسماعنا تعودت على مصطلح «المنقولة وغير المنقولة»، وكم تكررت في ظل النظام السابق، لكن لنا السؤال: أين ملاك العقارات الجُدد من هذه المصادرات؟ كالجامعة ذات المساحة الشاسعة التي اشتهرت قضيتها، وأرض وبنايات مطار المثنى، وعن أراضي وعقارات الجادرية، والمنطقة الخضراء، وأراضي وسط النجف، وما كان محسوباً على ملاك القيادة القطْرية لـ «حزب البعث»، وعشرات القصور الرئاسية، وعقارات الدولة بالمحافظات كافة، شمالاً وجنوباً ووسطاً.

هذه للأموال غير المنقولة، أما المنقولة فقد بلغ المسروق منها نحو 350 مليار دولار، ومنها ما صرفه القائد الضرورة (الثاني)، والعبارة لرفيقه في الحزب رئيس الوزراء الحالي نصاً: «معقول أن أَضيع ثروة خلال هذه السنين السابقة، هذه الحكومات السابقة، على البذخ وزيادة عطاءات من قبل القائد الضرورة!». عندما أصدر نواب البرلمان هل تذكروا تلك الأموال، وأشاروا إلى أنها بُذرت بأيدي رؤساء كتلهم أنفسهم؟

إذا كانت العبارة جديدة، فالمعنى قديم والممارسة لا نقف على تاريخها لقِدمها، في هذا المجال نطالع كتاب الباحث والأكاديمي العراقي تحسين حميد مجيد الموسوم بعنوان «المصادرات في الدولة العباسية خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين» (بغداد: مكتبة عدنان 2015)، وأصل الكتاب رسالة دكتوراه قُدمت لجامعة البصرة (1980). تأتي أهمية الكتاب، إضافة إلى حصافة المؤلف ومتانة توثيقه، من كبار لهم ظلالهم الأكاديمية والبحثية الوارفة، فكان مُقترح الموضوع عبدالعزيز الدُّوري (ت 2010)، والمشرف على الرسالة فيصل السامر (ت 1982)، والداعم له صالح أحمد علي (ت 2003).

فصل الكتاب المصطلحات الدالة على المصادرة: المشاطرة، الاستخراج، التوظيف، القبض، المصالحة، الإلزام والالتزام، التغريم، أخذ الخط، الغصب، الإثارة، الجرف والتأول، والاستصفاء. كان الخليفة عمر بن الخطاب (اغتيل 23هـ) إذا عرف بزيادة أموال أحد الولاة على رزقه (راتبه)، شاطره به النصف الذي يدخل في بيت المال، أما أشد مصادرات الأموال المنقولة وغير المنقولة فهو الاستصفاء، أي أن يستصفي الخليفة أو الوزير أو المتنفذ ما يشاء من أملاك الغير، فظهر في العصر العباسي مصطلح «الصوافي».

شملت المصادرات الوزراء والكُتاب، ونساء الخلفاء والوزراء والقهرمانات، وكان أقل المصادرين القضاة، لعدم ارتباط مهنتهم بالمال كثيراً، وكذلك صودرت أملاك الأطباء والفلاسفة، منهم على سبيل المثال مصادرة أراضي وأموال الأطباء آل بختشيوع، وصودرت أملاك الفيلسوف أحمد بن الطيب السرخسي (ت 286هـ)، وكانت أشهر المصادرات مصادرة أموال وزراء العباسيين: البرامكة، وآل فرات. وتكررت مصادرات أملاك غير المسلمين. حالياً تعمل جماعات متنفذة، كميليشيات، للاستيلاء على أملاك أحفاد هؤلاء، بمصادرتها وتغيير أسماء مالكيها، أو مصادرتها بالمصالحة والاستصفاء باستغلال ظرفهم الحرج.

يمكن اعتبار مصادرة أملاك أم المقتدر السيدة شغب (ت 320هـ) من أفظعها، فقد حُقق معها وعُذبت بشدة، وعُلقت من ثدييها منكسة، بعد قتل ولدها، كي تعترف بالدفائن، يوم كانت تُحفظ الأموال غير المنقولة في مخابئ تحت الأرض. يقول أحد القضاة الذين حضروا التحقيق معها: «وجدتها امرأة عجوزاً، دقيقة الوجه والمحاسن، سمراء اللون إلى البياض والصفرة، عليها أثر ضرّ شديد، وثياب غير فاخرة، فما انتفعنا بأنفسنا ذلك اليوم فكراً في تقلب الزَّمان، وتصرّف الحدثان» (التنوخي، نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة).

هذا ما شهدته بغداد في العصور القديمة، فنادراً ما كان يُعزل وزير ويسلم من مصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة، وتجده نفسه قد مارسه ضد الوزير السابق. كانت مصادرة الأموال تفرض كعقوبة، أو لسد عجر في الخزينة، لتصاعد نفقات الجيش، يوم زادت نفقات الجند «المرتزقة» مِن الخراسانيين والأتراك.

أقول: تحت أي مصطلح صودرت أموال النظام السابق، بالمجازفة والتأول أم بالاستصفاء الشخصي والحزبي؟ فعلى ما يبدو أنها صودرت وفق المصطلحين، فرض السعر مِن قِبل المشتري (بلا وزن ولا كيل)، ووضع اليد عليها، وهكذا عادة أرض العراق صوافَيَ للبويهيين والسلجوقيين الجُدد.

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

 
رشيد الخيّون
 
أرشيف الكاتب
التعليم الديني.. سرطان العقل العراقي
2017-07-26
الموصل.. بين مزغرد ومتردد
2017-07-19
كرار نوشي.. ثمرة تحريض المنابر
2017-07-12
وطنٌ.. ماذا تركتم في رماده؟
2017-07-05
الحَدْباء.. كم حَدبَ الدَّهرُ عليها!
2017-06-28
كردستان العراق: «فقد تُبلى المَليحةُ بالطَّلاقِ»!
2017-06-21
إسلاميو العراق.. التضامن مع الدوحة!
2017-06-14
استنفار أصحاب عمائم السياسة!
2017-06-07
خطيب «الدعوة».. رَمَتْنِي بدائها وانسلَّت!
2017-05-31
الوقف الشيعي.. تشذيب لجهاد «داعش»!
2017-05-24
المزيد

 
>>