First Published: 2017-05-22

لم يكن امام الايرانيين سوى الرهان على فاشل

 

في البقاء في اسر سعر النفط والغاز يكمن الفشل الأكبر للنظام الايراني.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

لم تكن عودة حسن روحاني رئيسا لـ"الجمهورية الإسلامية" سوى مشهد آخر من المشاهد المتكررة التي عفا عنها الزمن والتي تحاول اظهار ايران بانّها دولة ديموقراطية لديها نموذج تقدّمه الى العالم والى محيطها. الامر الوحيد الثابت انّه ليس معروفا الى متى يمكن ان يستمرّ هذا التحايل على الواقع. يقول الواقع المدعوم بالاثباتات، بما في ذلك طريقة الترشّح لانتخابات الرئاسة ولايّ انتخابات أخرى، ان ايران بلد تتحكّم به مجموعة من رجال الدين الضيقي الأفق. هؤلاء يستفيدون في تحكّمهم برقاب المواطنين من نظام متخلّف يلغي الحرّيات ويحول دون أي ديموقراطية حقيقية حلم بها أولئك الذين نزلوا الى الشارع من اجل التخلّص من نظام الشاه قبل نحو أربعة عقود.

هل يغيّر فوز روحاني على منافسه إبراهيم رئيسي شيئا في السلوك الايراني؟ لن يتغيّر شيء ما دام رئيس الجمهورية في ايران مجرّد واجهة، فيما السلطة الحقيقية في مكان آخر.

على الرغم من ذلك، يعكس فوز روحاني على منافسه "المتشدّد" توقا لدى الشعب الايراني الى التخلّص من نظام يتحكّم به رجال دين، في حال هروب مستمرّة الى خارج ايران. يظن هؤلاء ان في استطاعة ايران لعب دور القوّة الإقليمية المهيمنة معتمدين خصوصا على ثلاثة عوامل. هذه العوامل هي اثارة الغرائز المذهبية وإيجاد اختراقات في المجتمعات العربية التي ولدت فيها ميليشيات مذهبية تعمل بأوامر من طهران... واستغلال للسذاجة الاميركية في معظم الأحيان.

ربّما لا يصحّ الكلام عن سذاجة أميركية بمقدار ما انّه يمكن الكلام عن سياسة أميركية تقليدية تقوم على جعل المنطقة في خوف دائم من الخطر الايراني. وهذا الخطر حقيقي الى حدّ كبير. الدليل على ذلك ما تفعله ايران في العراق وسوريا ولبنان واليمن والكلام الوقح للمسؤولين الايرانيين عن السيطرة على اربع عواصم عربية وعن الوجود الايراني على البحر المتوسط.

ليس صعبا الخروج باستنتاج فحواه ان روحاني كان رئيسا فاشلا في ولايته الاولى وان نجاحه الوحيد كان في الوصول الى الاتفاق في شأن الملف النووي الايراني مع مجموعة الخمسة زائدا واحدا (البلدان الخمسة التي تمتلك عضوية دائمة في مجلس الامن زائد المانيا) صيف العام 2015. كان ذلك حدثا مهمّا على صعيد اطلاق يد ايران في المنطقة. من اجل التوصّل الى الاتفاق في شأن الملف النووي، الذي كان في الواقع اتفاقا اميركيا ـ إيرانيا وليس اتفاقا بين ايران والمجتمع الدولي، غطت إدارة باراك أوباما المشاركة الايرانية في الحرب على الشعب السوري الذي انتفض من اجل استعادة بعض من الكرامة. استغلّ "الحرس الثوري" والذين يقفون خلفه موقف إدارة أوباما الى ابعد حدود، فيما كان جواد ظريف، وزير الخارجية، يتبادل المجاملات والابتسامات والنكات مع وزير الخارجية الاميركي جون كيري في هذه المدينة الاوروبية او تلك.

كان المتشددون في ايران، على رأسهم الـ"الحرس الثوري" بقيادة "المرشد" علي خامنئي الرابح الاوّل من وجود روحاني وفريقه الذي يضمّ محمّد جواد ظريف في واجهة السلطة، ولو شكلا. في المقابل، لم يستطع رئيس الجمهورية الذي انتخب في 2013 تحقيق وعوده للايرانيين، وهي وعود قائمة اوّلا واخيرا على الاستفادة من الاتفاق النووي لرفع العقوبات الدولية عن البلد. صحيح انّ إدارة أوباما بعثت بكميات كبيرة من الاموال النقدية الى النظام الايراني، مبرّرة ذلك بحجج مختلفة، لكنّ الصحيح أيضا انّ شيئا لم يتغيّر في العمق باستثناء ان هناك انكشافا للنظام الايراني امام الايرانيين اوّلا. ادرك المواطن الايراني أخيرا ان النظام القائم لا يستطيع حلّ أي مشكلة تخصّه، كما انّه عاجز كلّ العجز عن الدخول في مغامرة عودة ايران دولة طبيعية من دول المنطقة.

تبيّن بوضوح ليس بعده وضوح، وبلغة الأرقام، ان الفقر زاد في ايران وان ليس لدى النظام ما يقدّمه لا للايرانيين ولا لمحيطه غير الشعارات والتعبئة المذهبية والروح العدوانية ونشر الجهل والبؤس في عالم يشهد ثورة تكنولوجية. تجعل هذه الثورة الهوة بين العالم المتقدّم والعالم الذي يعيش فيه النظام الايراني تتسع بشكل يومي، خصوصا ان ايران بقيت اكثر من ايّ وقت أسيرة سعر النفط والغاز.

في البقاء في اسر سعر النفط والغاز يكمن الفشل الأكبر للنظام الايراني. هذا الفشل جعل الايرانيين، باكثريتهم، يراهنون مرّة أخرى على فاشل اسمه حسن روحاني عاجز عن الذهاب في أي رحلة حقيقية الى دول الجوار والعالم، رحلة تصبّ في البحث عن المصالح المشتركة وفي كيفية تغيير السلوك الايراني القائم على العدوانية والتوسّع.

بعد نحو أربعة عقود على قلب شاه ايران، لم يتحقّق شيء مما وعد به مؤسس "الجمهورية الإسلامية" آيه الله الخميني. لم تستطع ايران تنويع اقتصادها. لم تستغن عن تصدير النفط والغاز على الرغم من كلّ الثروات الكبيرة التي تمتلكها. هذا كلّ ما في الامر. على الرغم من ذلك، لم يجد الايرانيون امامهم سوى التصويت لروحاني وذلك في وقت كان عليهم الاختيار بين السيئ والاسوأ.

لن يحصل التغيير الكبير في ايران سوى بعد موت خامنئي. متى يحصل ذلك؟ العلم عند الله، عز وجل، وليس عند احد غيره. في الانتظار، ليس في الإمكان الّا ملاحظة ان العوامل التي كانت في أساس الدور الايراني في المنطقة تراجعت، اقلّه لسببين. الاوّل وجود وعي عربي عميق لمدى خطورة المشروع التوسّعي لـ"الجمهورية الإسلامية" والآخر ان رجال الإدارة الاميركية الجديدة، بغض النظر عن المشاكل الكبيرة التي يعاني منها دونالد ترامب، يدركون ان عملية لعب الورقة الايرانية استنفدت الغرض المطلوب وانّه آن أوان الجدّ... وليس تبادل النكات والابتسامات. هناك ادراك أميركي للتحوّل الإقليمي الذي نتج عن الخلل الكبير في التوازن الذي حصل بمجرّد تسليم إدارة جورج بوش الابن العراق على صحن من فضّة الى ايران في العام 2003. هذا هو جديد المنطقة وهذا ساهم في جعل الايرانيين يراهنون مرّة أخرى على روحاني كبديل مؤقت في منطقة تبدو مقبلة على تطورات كبيرة.

لم يعد العرب يعتمدون الصمت في وجه التهديدات الايرانية ومن الواضح انّهم غير مستعدين للسقوط في فخّ المزايدات الذي صبته لهم ايران عندما خطفت القضية الفلسطينية وضحكت على الفلسطينيين واقنعتهم بان العمليات الانتحارية تستطيع ان تأتي لهم بدولة.

عاد روحاني او لم يعد. يظلّ السؤال في النهاية متى تعود ايران التي اعادت انتخاب رئيس فاشل لا لشيء سوى لانّه يمكن ان يكون بديلا من خامنئي في مرحلة معيّنة لا اكثر ولا اقلّ.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
ايران والكلام الاميركي السليم والجميل
2017-10-23
الفصل ما قبل الأخير في صنعاء
2017-10-22
هزيمة كركوك لم تطو المشروع الكردي
2017-10-20
الملك و'الزلزال السياسي' في المغرب
2017-10-18
اميركا تعيد اكتشاف ايران
2017-10-16
تصالح الفلسطينيين مع الواقع والحقيقة
2017-10-15
مآل 'ثورة أكتوبر'... مآل النظام الايراني
2017-10-13
بعد انتصار الحوثيين على علي عبدالله صالح
2017-10-11
الغاء الاتفاق مع ايران... من دون الغائه
2017-10-09
عن كذبة إعادة اعمار سوريا
2017-10-08
المزيد

 
>>