First Published: 2017-08-27

بين تفادي الصدام... والسقوط في فخّ الحوثيين

 

اثبت 'المؤتمر' من خلال التظاهرة الكبيرة انّه رقم صعب في المعادلة اليمنية. لكنّ السؤال سيظلّ ماذا عن اليوم التالي؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

كان لا بدّ من تفادي المواجهة بين "المؤتمر الشعبي العام" وجماعة الحوثي (انصار الله) في صنعاء. يعرف الطرفان ان ليس في استطاعة ايّ منهما تحمّل كلفة صدام من هذا النوع سيقضي عليهما معا. المسألة مسألة حياة او موت لكلّ منهما. لكنّ ذلك لا يعني باي شكل انّه كان على "المؤتمر"، الذي يستوعب جيّدا هذا الواقع، السقوط في فخّ الحوثيين (انصار الله) ومن يقف وراءهم.

بعدما تراجع الحوثيون عن تهديداتهم لعلي عبدالله صالح الذي كان مصرّا على تظاهرة كبرى لحزبه في الذكرى الـ35 لتأسيسه، بادر الرئيس السابق الى تقديم تنازلات لاسترضائهم. شملت هذه التنازلات كلّ المطلوب منه، بما في ذلك اختصار كلمته في المتظاهرين الذين احتشدوا في ميدان السبعين، اكبر ميادين العاصمة اليمنية. لم يكن في الكلمة جديد بعدما كان متوقّعا ان تضع النقاط على الحروف وان تتضمّن مبادرة سياسية من نوع ما تؤكّد ان الطريق المسدود سياسيا وعسكريا ليس خيارا، خصوصا ان لهذا الانسداد انعكاساته السلبية. هذه الانعكاسات لا تشمل اليمن ككلّ فحسب، بل تؤثر ايضا على حياة كلّ مواطن يمني ومستقبل أولاده.

مرّت التظاهرة بسلام وعادت الامور الى حالها. عاد عشرات الآلاف من مؤيدي "المؤتمر" الى قراهم في محيط صنعاء. اكتفى هؤلاء بالمشاركة في تظاهرة كرّست حال الجمود التي تسيطر على صنعاء والتي يذهب ضحيتها أبناء المدينة الذين لا حول لهم ولا قوّة.

كان تسلسل الاحداث في الايام القليلة التي سبقت تظاهرة "المؤتمر" كالآتي: بعد بيان صدر يوم الاربعاء عن "اللجان الشعبية" وهي ميليشيات تابعة لـ"انصار الله"، يتهّم علي عبدالله صالح بـ"الغدر"، صدر بعد ساعات قليلة بيان آخر عن محمّد الحوثي الذي يرأس ما يسمّى "اللجنة الثورية العليا"، يدعو الى التهدئة. اكتفى محمّد الحوثي بطلب اعتذار من "الاخوة في المؤتمر الشعبي عمّا بدر منهم في حق هؤلاء الابطال". كان يقصد بـ"الابطال" افراد "اللجان الشعبية" التي تضايق الحوثيون من وصفها بـ"الميليشيات". وصف من هذا النوع يمثّل تسميّة للاشياء باسمائها ولا شيء آخر غير ذلك.

كان واضحا ان جهة ما تدخّلت لمنع أي صدام في داخل صنعاء التي يسيطر عليها الحوثيون منذ الواحد والعشرين من أيلول – سبتمبر 2014 والتي انطلقوا منها في اتجاه الوسط والجنوب وصولا الى عدن لفرض ما يسمّونه "الشرعية الثورية". تعني هذه "الشرعية" بين ما تعنيه إقامة نظام جديد في اليمن يعيده الى ما قبل السادس والعشرين من أيلول – سبتمبر 1962 تاريخ سقوط النظام الامامي وإعلان قيام "الجمهورية العربية اليمنية" التي صارت "الجمهورية اليمنية" مع اعلان الوحدة بين الشمال والجنوب في أيار – مايو 1990.

من الجهة التي تدخلت لمنع الصدام بين الحوثيين و"المؤتمر"؟ ليس مستبعدا ان تكون هذه الجهة ايران نفسها او من كلّفته ايران بالملفّ اليمني. لذلك لم يكن مستغربا حرص "المؤتمر الشعبي العام" في البيان الذي صدر عنه بعد انتهاء التظاهرة يوم الخميس على "شكر" السيّد حسن نصرالله الأمين العام لـ"حزب الله" في لبنان على "مواقفه الثابتة مع الشعب اليمني". ترافق "شكر" نصرالله مع "اشادة" ببشار الأسد، رئيس النظام السوري، من دون تسميته.

لم يكن طبيعيا هبوط مستوى الخطاب السياسي لـ"المؤتمر الشعبي" الى هذا الحدّ في وقت يحتاج اليمن قبل ايّ شيء آخر الى الابتعاد عن كلّ من يحاول استخدامه ورقة في لعبة ذات بعد إقليمي تصبّ في تطويق الجزيرة العربية ودول مجلس التعاون من كلّ الجهات.

لم يكن مطلوبا في ايّ وقت ولايّ سبب من الأسباب حصول انفجار للوضع في صنعاء. مثل هذا الانفجار كان سيؤدي الى مجازر جديدة يذهب ضحيتها يمنيون أبرياء وجدوا في المكان الخطأ في الوقت الخطأ، في صنعاء والمناطق المحيطة بها. اليمن في غنى عن مجازر جديدة وتصفيات متبادلة على غرار تلك التي وقعت في العام 2011 لدى حصول الانقلاب على علي عبدالله صالح الذي يقف وراءه الاخوان المسلمون. توّجت تلك التصفيات بمحاولة اغتيال للرئيس السابق نفسه في خلال تأدية صلاة الجمعة في مسجد النهدين يوم الثالث من حزيران – يونيو من تلك السنة.

اثبت "المؤتمر" من خلال التظاهرة الكبيرة انّه رقم صعب في المعادلة اليمنية. لكنّ السؤال سيظلّ ماذا عن اليوم التالي؟

عاد المتظاهرون الى منازلهم. هناك عشرات الآلاف عادوا الى المناطق المحيطة بصنعاء بعد تحديهم الحوثيين ونزولهم الى العاصمة في طوابير كبيرة تحدّيا لـ"انصار الله" وشعاراتهم البالية وللجهة التي تسيّرهم من طهران. المؤسف في الامر انّ شكوى المواطنين من ممارسات الحوثيين ستستمرّ من جهة وسيتابع هؤلاء تحكّمهم بما بقي من مؤسسات للدولة من جهة أخرى.

الأخطر من ذلك كلّه ان ليس لدى الحوثيين أي مشروع سياسي او اقتصادي او اجتماعي. الملاحظة الوحيدة التي لها معنى كانت في خطاب عارف الزوكا الأمين العام لـ"المؤتمر" الذي سبق وشرّح في خطاب سابق تشريحا كاملا ما يمثّله الحوثيون وفكرهم المنغلق من خطر على اليمن واليمنيين. تتناول هذه الملاحظة سعي "انصار الله" الى تغيير البرامج التعليمية في اليمن بما يتناسب والثقافة الايرانية القائمة على الاستثمار في الغرائز المذهبية التي تعمل ايران على الترويج لها في المنطقة العربية. ما لا بدّ من ملاحظته هو ان الاخوان المسلمين حاولوا بين 1994 و2011 فرض تغيير في هذا المجال وذلك كي يربوا الأجيال اليمنية على طريقتهم وبما يتناسب مع تخلّفهم.

قبل تظاهرة يوم الرابع والعشرين من آب – أغسطس، جرت تعبئة شاملة في صنعاء والمناطق المحيطة بها. اثبت اليمنيون في هذه المناطق انّهم يرفضون "انصار الله" وميليشياتهم وانّهم يتوقون الى اليوم الذي تعود فيه الدولة، او ما يشبه الدولة، الى صنعاء. الأكيد انّهم لم يتحمّلوا مشقة المجيء الى صنعاء لا من اجل سماع خطاب خشبي ولا من اجل الخروج ببيان يشيد بمواقف حسن نصرالله وبشّار الأسد!

مرّة أخرى، لم يكن مطلوبا من علي عبداله صالح الدخول في مواجهة مباشرة مع الحوثيين الذين كان وراء صعودهم قبل الدخول في ست حروب معهم بين 2004 و2010. الاكيد ان الرئيس السابق لم يكن قادرا على تجاهل "عاصفة الحزم" التي يعرف القاصي والداني انّ من تسبب فيها كان الإصرار الحوثي على تحويل اليمن مستعمرة إيرانية وشوكة في خاصرة دول الخليج. لكنّ الأكيد أيضا ان اليمنيين كانوا يبحثون عن مخارج ومبادرة سياسية لكسر الحلقة المغلقة التي يدور فيها البلد، وهي حلقة تعتبر "الشرعية" التي لا علاقة لها بالشرعية حلقة من حلقاتها.

ما هو اكيد اكثر من ذلك كلّه، انّه كان مفترضا الاستثمار سياسيا في تظاهرة الذكرى الـ 35 لتأسيس "المؤتمر". لم يحصل مثل هذا الاستثمار. مجدّدا، لم يكن مطلوبا حصول صدام من ايّ نوع بين "المؤتمر" و"انصار الله". ما ليس طبيعيا ان يبقى الوضع في صنعاء ومحيطها على حاله بعدما اعلن المواطنون اليمنيون بطريقة لا ينقصها ايّ وضوح ان كفى تعني كفى وان فرض الحوثيين لوصايتهم على جزء من البلد، بما في ذلك عاصمته لا يمكن ان يستمرّ الى ما لا نهاية.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
ايران والكلام الاميركي السليم والجميل
2017-10-23
الفصل ما قبل الأخير في صنعاء
2017-10-22
هزيمة كركوك لم تطو المشروع الكردي
2017-10-20
الملك و'الزلزال السياسي' في المغرب
2017-10-18
اميركا تعيد اكتشاف ايران
2017-10-16
تصالح الفلسطينيين مع الواقع والحقيقة
2017-10-15
مآل 'ثورة أكتوبر'... مآل النظام الايراني
2017-10-13
بعد انتصار الحوثيين على علي عبدالله صالح
2017-10-11
الغاء الاتفاق مع ايران... من دون الغائه
2017-10-09
عن كذبة إعادة اعمار سوريا
2017-10-08
المزيد

 
>>