First Published: 2017-09-19

محمد الطوالبة يؤكد أن أركون وقع أسـير الاستخدام الأيديولوجي

 

الباحث الأردني يعدد المآخذ التي لاحظها على الفكر الأركوني ومنها أنه لم يعتبر الحداثة والعلمانية ظواهر تاريخية جاءت لتلبية الاحتياجات المجتمعية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

مشـروع أركون نقدياً تفكيكياً، أكثر منه تركيبياً

يتمحور كتاب الباحث د. محمد عبدالله الطوالبة "المنظور التأويلي في أعمال محمد أركون"، حول النص الديني الإسلامي، وتحليله فلسفياً وفكرياً وفق تطبيقات منهج التأويل، والمناهج الغربية الحديثة، والتي من أهمها نسق أركيولوجيا المعرفة، والمنهج التفكيكي، مروراً بالعلوم الإنسانية الحديثة كالألسنية، والأنثروبولوجيا، وانتهاء بعلوم التاريخ الحديثة، وبيان مدى قدرة هذه المناهج في الكشف عن المعاني المضمرة داخل النصوص، ومدى انعكاسها على استيلاد مفاهيم معرفيّة، تؤدي في نتاجاتها الحضارية إلى انتقال المجتمعات الإسلامية من فكر العصور الوسطى إلى الفكر الحداثي، ومدى قدرة هذه المنهجية على إيجاد تصورات جديدة ومعاصـرة للفهم الديني، نصاً وثقافة ومسلكاً، تختلف في جوهرها عن التصورات القديمة التي قدّمت تفسـيراً فكرياً أقرب إلى الحرفية للخطاب الإلهي. ومن المرجح أن تلك التصورات القديمة صادرت إمكانيات التطور الدلالي للنص، وذلك من خلال التفاعل بين الواقع التاريخي الاجتماعي المتغير، والنص القرآني المتجذر.

واختيار مقاربة مشروع محمد أركون جاء وفقا للـ "الطوالبة" كون المشـروع الأركوني يتمركز حول سؤالين أساسـيين: الأول وجودي، يتعلق بماهية التراث، والثاني منهجي، يتعلق بكيفية تأويل النص القرآني، ومنتجاته اللاحقة فكرياً وسـياسـياً. وأيضا بصفة أركون واحداً من المفكرين الحداثيين المعاصـرين، الذين جهدوا بحثاً في قراءة التراث الفكري الإسلامي قراءة حداثيّة، تعتمد في أساسها الفكري على استخدام المناهج المُستحدثة، والعلوم الغربية المعاصـرة، وتوظيفهما معا لغاية إنتاج فكر إسلامي معولم المفهوم. والمنهج الأركوني هو في ذاتيته نتاج ثقافة فرنكفونية لازمته بحثاً وفكراً ومعايشة. وقد اشتغل أركون بشكل أساسـي على تأويل وقراءة النص القرآني قراءة معاصـرة، تشكل في أدواتها قَطعاً تاريخياً مع القراءات التقليدية، سواء القديمة منها أم الحديثة. وفي الآن ذاته، تتباين تلك القراءة الأركونية عن المنهجية الاستشـراقية في قراءة القرآن ودرسه. كما أن المشـروع الأركوني كان مشـروعا منهجيا معرفيا، ونهضويا حداثيا في آنٍ معاً. ويهدف ذاك المشـروع في جوهره إلى نقل المنهجيات الغربية الحديثة إلى ساحة الفكر الإسلامي، تحقيقا لإنتاج أعمال فكرية متحررة من الإكراهات السـياسـية، واللاهوتية، والمناهج التقليدية الإسلامية، وذلك لغاية إدخال مفهوم الحداثة، فكراً وممارسة، إلى إطار الفكر العربي الإسلامي.

ويتناول الكتاب الصادر عن الآن ناشرون وموزعون، المنظور التأويلي للنص القرآني، والنصوص الإسلامية المنتجة منه، موضحا أن أركون لم يطرح نظرية تأويلية كاملة بل طرح أسساً، ومبادئا حاول تطبيقها على بعض نصوص القرآن، وعلى بعض نصوص التفسـير التقليدية، وبعض النصوص الفقهية، والتاريخية. بالإضافة إلى استخدام المنهجيات العلمية الحديثة المختلفة، فقد أدخل أركون عدداً كبيراً من المفاهيم، بهدف استخدامها في تحقيق مشـروعه، لكن هذه المفاهيم كانت بجملتها مستعارة من علوم، ومناهج غربية، ولم يعمل أركون على طرح تحديد لها، وتبرير استخدامها في المشـروع. عدا عن أنه كثيراً ما يستخدم هذه المفاهيم لغير ما وضعت له، أو ما تعنيه في الأصل المأخوذة منه على الرغم من أن مشـروعية استعارة هذه المفاهيم تكمن في بيان ضـرورتها للبحث، وتحديد المعنى المراد استخدامها فيه.

ويؤكد الطوالبة أن المشروع الأركوني، في أحد جوانبه المهمة والأساسـية، مشـروع نقدي، عقلاني متحرر، على الصعيدين العربي الإسلامي والأوروبي الغربي، والنقد حسب أركون يعني عودة المرء إلى عقله لمراجعة ثوابت الفكر، وتعرية بداهاته، وتحطيم ثنائياته المصطنعة، والكشف عن أبنية قواعد إشتغاله، إنه تفكيك لقوالب العقل الدغمائي، وآليات التفكير الأحادي، ومنطق الفهم التبسـيطي، وهو اقتحام للمناطق غير المفكَّر فيها، والعصية على التفكير، أو استكشاف بقاع جديدة لعمل العقل. فضلاً عن أن مشـروع أركون النقدي متعددُ الجوانب، شاملٌ لمختلف وجوه الفكر العربي الإسلامي، والفكر الغربي، ومنهجيات الإستشـراق في دراسته للفكر الإسلامي.

ويلفت الطوالبة إلى أن المشـروع الأركوني يؤسس لقراءة إبستيمولوجيّة تجديدية للتراث، مغايرة للإبستيمولوجيا الماضوية، أو الكلاسـيكية الإسلامية. وكذلك الإبستيمولوجيا الاستشـراقية من ناحية ثانية.

ويحاول أركون عبر مشـروعه أن يقدّم قراءة نقدية تفكيكية حفرية للتراث الإسلامي، اعتمادا على مجموعة من المناهج العلمية الحديثة المستمدة من العلوم الإنسانية. فالإبستيمولوجيا الجديدة التي يعمل أركون على تحقيقها، تهدف إلى هدم الحدود المرسّخة التي تفصل بين الثقافات المختلفة. كما أنها إبستيمولوجيا نقدية منفتحة ومتحركة، تعمل على إبراز البعد التاريخي للحقيقة والمعنى، وكيفية إنتاجهما. لذا عمد أركون على فحص عمل آليات اشتغال العقل الديني الإسلامي بمختلف تجلياته، (الفقهي، والتفسـيري، والتاريخي) وعمل على تفكيكها.

ويضيف "كان مشـروع أركون نقدياً تفكيكياً، أكثر منه تركيبياً، لأن هدفه ليس إعادة تركيب التراث بقدر ما هو نقد التراث لتسويغ ضـرورة الانتقال إلى الحداثة، أي ذا هاجس نهضوي أكثر منه معرفي. إن اهتمام أركون الأساسـي كان منصباً على تفكيك جذور الظاهرة الإسلامية، بدءاً بنقد آليات انتقال القرآن الكريم من المرحلة الشفوية إلى الكتابية، وما رافق ذلك من إضافة وحذف. ومروراً بظاهرة الوحي، وتأثير المخيال السائد في مرحلة الرسالة، وتأثرها بالتراث الديني السابق لها، وانتقالا إلى مرحلة التفسـير والفقه، وما أحدثته من تحوير لجوهر الرسالة، استجابة لإكراهات سـياسـية واجتماعية. لذا، اهتم أركون بالدراسات الدينية المقارنة بهدف كشف أوجه التأثير لتراث الوحي السابق على الإسلام في القرآن والإسلام. وتعامله مع تراث الوحي بتجلياته الثلاثة كوحدة واحدة (اليهودية والمسـيحية والإسلام)".

لقد طرح أركون، من خلال دراسته للنصوص القرآنية منهجية تأويلية تعتمد على مناهج العلوم المعاصـرة، وتأخذ بالاعتبار طبيعة القرآن المجازية والأسطورية، وما يترتب على ذلك من تعدد الدلالة باختلاف الزمان والمكان بنفس المفردات، واستحالة الأخذ بأحادية المعنى للنص القرآني باعتبار أن دلالات النص القرآني مفتوحة ولا يمكن استنفادها".

يرصد الطوالبة أهمية المشـروع الأركوني لتحقيق تحرير رهانات المعنى من أنواع الإسقاطات اللاهوتية، والدوغمائية، والسـياسـية الأصولية، وتعرية الاستخدام الأيديولوجي للنص. وكذلك هدفت المنهجية الأركونية إلى إزالة التراكمات الدلالية للنص القرآني المتراكمة عبر مراحل التاريخ الإسلامي المختلفة، تحقيقاً لغاية الوصول إلى الصيغة الحية للنص القرآني.

ويرى أن القراءة الأركونية للتراث الإسلامي عموما، وللنص القرآني خصوصا، استندت في محاورها إلى تعدد الدلالات للنص، المُغْنية له في الفهم والتطبيق. وكذلك إعطاء فرصة للأجيال المعاصـرة لفهم النص وفق مقتضياتها. فالمعنى واحد في النص، ولكن آثار المعنى متغيرة دلاليا باختلاف المتلقي ودرجة وعيه. بالإضافة إلى أن الفكر الأركوني وضع أسسا لمنهجيات وتوجهات فكرية معاصـرة لقراءة الفكر الإسلامي قراءة واعية، وتأويله تأويلا حداثيا. وفي الجانب الآخر، يمكننا القول إن المشاريع الأركونية الفكرية غير مكتملة بحثا، إلا أنها تعتبر بنية تأسـيسـية بحاجة إلى الإتمام المفاهيمي، والشمولية التطبيقية، وذلك من أجل اختبار مدى إمكانية تطبيقها على الفكر العربي الإسلامي، ومعرفة مدى خدمتها لمشـروع الحداثة النهضوي.

ويشير الطوالبة إلى أن المشـروع الأركوني يتمحور على المستوى التنظيري حول فكرة رئيسة، وهي إدخال الحداثة الفكرية إلى الواقع العربي الإسلامي بتجلياته المختلفة، وضـرورة الأخذ بمنتجات الحداثة المعرفية، والتي تتجسد في مناهج العلوم الإنسانية، والاجتماعية الحديثة. لكنه لا يطالب بنقل الحداثة بأطرها الجامدة دون عرضها على المساءلة النقدية، بل ينتقدها، وينتقد تجلياتها في الواقع العربي الإسلامي، ويعري عدم وفائها بوعودها للإنسان، سواء أكان إنسانا غربيا أم إنسانا معولما. ويرى أنَّ الحداثة أصبحت واقعا كونيا لا يمكن تجاهله والانغلاق تجاهه، ولا يكفي الأخذ بمنتجاتها المادية دون الفكرية. معتبرا أن الحداثة والعَلمانية تشهد انتشارا عالميا سـريعا، وذلك باعتباره "جزءاً من حركة وعي عالمية وهو تأكيد على أن البشـرية تعيش فعلا وليس قولاً عصـر العولمة.. يعتقد أركون أن العلمانية ضـرورة فكرية للدخول إلى الحداثة. ويتبنى مقولة أن الإسلام لا يتعارض مع العلمانية، على اعتبار أنها نظامٌ معرفيٌ وليس إجراءً قانونياً يتمثل بفصل الدين عن الدولة، أو إلغاء الدين بجوهر وجوده كما حدث في التجربة الغربية. كما تجاوز الأفق المعرفي والمنهجي الذي توقف عنده الاستشـراق التقليدي، والذي يسميه الإسلاميات الكلاسـيكية، وذلك من خلال طرحه استراتيجيات علمية جديدة في النطاقين الإشكالي-الموضوعاتي، والمنهجي- المفاهيمي، لغاية كتابة تاريخ الفكر الإسلامي كتابة نقدية وتحليلية تنصـرف إلى بيان النظام المعرفي الحاكم لذلك الفكر".

ويوضح الطوالبة أن أركون تبنى المنهج التفكيكي لنقد الأطر الدوغمائية الحاكمة للخطاب الإسلامي، والكابحة للحداثة. وتحدث أثر المخيال الاجتماعي في صياغة الثقافة والفكر الإسلامي، وصولا إلى تحرير رهانات المعنى من سـيطرة العقل الفقهي والمركزية الأوروبية، والعودة إلى العهد التأسـيسـي الإسلامي وقراءة نصه المصدري (القرآن الكريم)، ولكن في ضوء نظرة معرفية ومنهجية جديدة، تختلف في منطلقاتها عن طرائق القدماء في التفسـير التقليدي للنص، وتختلف كذلك عن طرائق المستشـرقين من ناحية التشكيك في أصالته. ولكي يحقق هذه الغاية، دعا إلى ضـرورة إحلال العلوم الغربية الحديثة، منهجا ومفهوما، في مفاصل المجتمع العربي ومرجعيته الإسلامية.

ويلف إلى أن المعارف التي استخدمها أركون لتحقيق مشـروعه الفكري ليست غاية لذاتها، وليست مرجعية معيارية. إذ لم يكن هدفه بيان إمكانية نجاح تطبيقها في الفكر العربي الإسلامي وواقعه فحسب، وإنما هي أدوات ووسائل لتحقيق غاية حدّدها مسبقا؛ وهي دخول الحداثة إلى الفكر والواقع العربي الإسلامي، ومساهمة هذا الفكر في الإنتاج الفكري على المستوى الكوني. ومن هنا جاء تأسـيسه لمفهوم الإسلاميات التطبيقية، وإدخالها في مفاصل الفكر العربي الإسلامي، مصطلحا ونظرية وتطبيقا.

يعتقد أركون أن سبب الصـراع بين الشـرق والغرب يعود إلى محاولة علماء الدين، والفاعلين الاجتماعيين، وحراس العقيدة، الهيمنة على المعنى والحقيقة؛ وأن المخيال الاجتماعي في الشـرق والغرب، الذي يختزل الذكريات التاريخية، ولا يقوم على أسس عقلانية موضوعية، هو الذي يغذي هذا الصـراع. إن الأصولية الإسلامية والقوى السـياسـية الغربية استغلتا هذا الصـراع، وعملتا على تصعيده وتأجيجه. وطرح أركون مخرجاً فلسفياً مثالياً لتجاوز هذا الصـراع، يتمثل في تبني أخلاق ذات طبيعة إنسانية متعاطفة مع الآخر. إن مفهوم التبني الأخلاقي الإنساني يعني تجاوز كل طرف ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، والاعتراف بأن الحقيقة تتشكل من مجموعة أجزاء، وأن كل طرف يمتلك جزءا من الحقيقة يتكامل مع الأجزاء الأخرى، ولكنه لا يتصارع معها، ولا يعمل على استبعادها أو إسقاطها أو تهميشها.

ويخلص د. الطوالبة إلى أن الأصولية الفكرية، والسـياسـية الإسلامية تعبّر عن توجهات أيديولوجية لا تعكس قصدية النص القرآني بشكل صحيح. كما أنها تؤدي إلى جمود فكري يقتل النص، ويحد من إمكانية تطوره، وممارسته دوراً إيجابيا في الحياة المعاصـرة للمجتمع الإسلامي. وأن تعدد التأويلات، واستخدام المنهجيات العصـرية في مقاربة النص ضـرورة تفرضها احتياجات الواقع مع التحفظ على عملية النقل الآلي للمناهج، والمفاهيم، سواء أكانت من العلوم الغربية أم غيرها، وإقحامها على قراءة التراث دون تبيئة هذه المناهج، والمفاهيم في إطار الفكر الإسلامي المعاصـر، بمعنى: البرهنة على مشـروعية استخدامها، وحدود هذا الاستخدام، وبيان معنى هذه المفاهيم في السـياق الإسلامي باعتبار أن موضوع الدراسة هو الذي يحدد المنهجيات، والمفاهيم الضـرورية له.

ويؤكد أن أركون أكد في جميع مراحل مشـروعه على مركزية الدعوة للأنسنة في خطابه، مُعتبرا أنها موقفٌ إنسانيٌ، مؤكدا على أن هذه الظاهرة قد تجلت في التاريخ الإسلامي في فترة تاريخية مبكرة، وأنها ليست حديثة العهد وليست مُحتكرة على الفكر الغربي الحديث. وينبع اهتمامه بالأنسنة باعتبارها نزعة وجودية تُحرر الإنسان من أَسـر السـياجات الدوغمائية، وتعمل على تأسـيس أخلاق إنسانية عالمية، تؤدي إلى تضامن الإنسان مع أخيه الإنسان، دون النظر إلى العرق والدين والانتماء السـياسـي والمستوى الاقتصادي. ومن مُخرجات نزعة الأنسنة الحد من الصـراعات المذهبية والدينية ضمن المجتمع الواحد، وبين مختلف المجتمعات الإنسانية. وانتقد أركون الاستخدام الأيديولوجي للإسلام، والخطابات النضالية المعاصـرة. وعاد ليُبشـر بالحداثة والعلمانية وما سُمِّي بـ "عصـر التحرير الكبير"، على حد تعبيره. ويدعو إلى اندماج المجتمع العربي والإسلامي في المشـروع الحداثي الغربي، لكي تصبح الهُوية الإسلامية والقومية العربية مندمجة كونيا ومنخرطة إنسانوياً. لكنه أثار بالمقابل أسئلة عديدة مهمة في الفكر العربي الإسلامي المعاصـر، وطَرق موضوعات لم تُطرق من قبل، واقترح منهجيات وآليات عمل لدراسة الفكر الإسلامي، بعيدا عن الدراسة التقليدية الجامدة. ولكن هذه الأسئلة والموضوعات والمنهجيات والآليات ما زالت بحاجة إلى اختبار في مدى إمكانية تطبيقها عمليا، وفي مدى إنتاجية هذا التطبيق على الفكر الإسلامي، وتأثير ذلك على مسار الفكر العربي الإسلامي المستقبلي.

وفي النهاية يجمل الطوالبة النتائج التي توصل إليها ومنها:

1ـ انطلق أركون في مشـروعه من مسلمة مفادها: أن تفوق العالم الغربي على العالم الإسلامي هو تفوق منهجي أساسا. لذا، عمل على حشد عدد كبير من العلوم والمنهجيات الغربية ليستخدمها في تحقيق مشـروعه الفكري.

2 ـ يرى أركون أن المجتمع الإسلامي لم تتوفر له الفرصة لممارسة تنويره الخاص، والذي هو بحاجة له. ويرى ضـرورة التمييز بين الإسلام كإطار ميتافيزيقي للتأمل، وبين العقائد الخصوصية للمسلم المتدين.

3 ـ وعلى الصعيد التأويلي فإن منهج أركون كان تفكيكيا ارتيابيا، فهو لا يهدف إلى وضع أسس لمنهج تأويلي تأصيلي للوصول للمعنى الصحيح بقدر ما يهدف إلى نقد آليات التفسـير والتأويل الإسلامي التقليدية مبينا عدم قدرة تلك الآليات على تحقيق الفهم الصحيح للنص القرآني والسـيرة النبوية والتاريخ الإسلامي. فالغاية القصوى لمشـروع أركون التأويلي هي تحرير التأويل ورهانات المعنى من جميع الإكراهات السـياسـية والدينية والاجتماعية. وإعطاء الاعتبار الأول للمتلقي باعتباره العنصـر الحاسم في عملية الفهم والمعرفة، وإعطاء النص معناه الحي. وقد ارتكزت آليات التأويل لدى أركون على مفاهيم عدة منها: الأسطورة والمتخيل وآثار المعنى والمجاز.

ويأخذ الطوالبة على المنهج الأركوني:

أولا: وقوعه في اللاتاريخية رغم ادعاء اعتماده عليها وذلك عندما لم يعتبر الحداثة والعلمانية ظواهر تاريخية جاءت لتلبية الاحتياجات المجتمعية في فترة تاريخية معينة.

ثانيا: الوقوع في دائرة الوثوقية رغم رفضه النظر لها، وذلك من خلال تأكيده المطلق على صلاحية المناهج والعلوم الغربية وصحة مخرجاتها دون البرهنة على ذلك أو اختبارها عمليا.

ثالثا: الوقوع في أسـر الجوهرانية لأنه اعتبر أن هناك عقلاً إسلامياً له سماته الثابتة غير قابلة للتغير. وهذا يذكرنا بإحدى مسلمات الفكر الاستشـراقي.

رابعا: وقع أسـير الاستخدام الأيديولوجي للفكر من خلال التبشـير بالحداثة والعلمانية وما أطلق عليه "عصـر التحرير الكبير" على حد تعبيره. خامسا على الرغم من نقد أركون لمنهجيات الاستشـراق فإنه بقي أسـيرا لمسلماته بالإضافة إلى اعتماد نتاج الاستشـراق كإطار مرجعي أساسـي لفكره.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
محمد صابر عرب شخصية العام الثقافية بمعرض الشارقة الدولي للكتاب
2017-10-22
'الخال' .. راعي الغنم وحرامي الرمان الذي أحب الناس فأحبوه
2017-10-20
يوسف بكّار: ليس ثمّة ديوان كامل منفرد متفق عليه عنوانه 'رباعيّات الخيّام'
2017-10-19
غادة نصار تؤكد أن الجريمة الإلكترونية تشمل جميع أنواع الجرائم
2017-10-18
'الشارقة الدولي للكتاب' يستضيف عروضا مسرحية وفنية للأطفال
2017-10-17
فهمي الكتوت يحلل تحولات السياسيات الاقتصادية والاجتماعية في الأردن
2017-10-17
تيان شويه يوان يؤكد أن الشيخوخة هي مأزق القرن الـ 21
2017-10-16
حضور إماراتي لافت في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب
2017-10-15
أماني أبو رحمة تحلل أفكار فوكو عن السياسات الحياتية وتجلياتها
2017-10-14
السندباد يعود من خلال 'فضاء النص الأسطوري'
2017-10-12
المزيد

 
>>