First Published: 2017-10-15

أستاذي محمد الصاوي

 

الولد القصير الذي اسمه محمد القزعة استطاع أن يلتحق بكلية الآداب ليدرس اللغة الفرنسية، ويعمل في مجال التدريس، ويصل إلى أعلى المراتب.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: مصطفى نصر

كتب في جميع المجالات

يقول محمد الصاوي عن الإسكندرية: مدينة المدائن، راقودة، صيادو الملوحة، وجه الشمس في الأبد، طلاسم الفراعنة القدامى، أرض البلل والرمال الساخنة، ساحل الملح من آخر المكس حتى مدخل أبو قير.

تبدأ رحلة محمد الصاوي عندما ترك والده بلدته الصغيرة "منية جناج" قاصداً الإسكندرية، سعى إليها بلا مال ولا معين، نفس الرحلة التي ذكرها جمال الغيطاني في كتابه "التجليات"؛ لرحلة والده من بلدته "جهينة" التابعة لمحافظة سوهاج إلى القاهرة. ورحلة والد إبراهيم عبدالمجيد إلى الإسكندرية كما ذكرها في روايته "لا أحد ينام في الإسكندرية"، ونفس الرحلة التي قام بها والدي من بلدته " المراغة" التابعة لمحافظة سوهاج إلى الإسكندرية؛ ليلحق بأخيه الكبير وأولاد عمته الذين سبقوه إليها، وعملوا في التجارة بمخلفات ورش الخشب.

ترك والد محمد الصاوي خلفه خُضرة الحقول، يركب قطار الدلتا بلا تذكرة، كان قاطع التذاكر رجلا طيباً فتركه إلى أن وصل الإسكندرية. هو غريب لا يعرف ماذا يفعل، دله واحد على معسكرات الإنجليز في أبي قير.

يعود المغترب إلى قريته "منية جناج" بعد ثلاث سنوات وهو يرتدي ملابس الأزهريين، في جيبه النقود التي جمعها من عرقه وتعبه في العمل لدى الإنجليز، يتزوج من فتاة جميلة من "كفر اللبيدي"، الجهة المقابلة لمنية جناج.

عاد بزوجته إلى الإسكندرية، استقر في حارة "المواردي" القريبة من "البياصة"، ثم سكن في بيت عند تقاطع شارع أسوان وشارع العمري. صاحب البيت الذي يسكنه والد محمد الصاوي؛ اسمه الحاج محمد يمتلك محلاً لبيع الأحذية في شارع راغب باشا، أمام مكتب البريد (هذا المحل أصبح الآن محل حلواني اسمه "الطعم").

كان يعمل عند الحاج محمد شاب مسيحي اسمه "أبو نبيل" سكن هو وأسرة زوجته في بيت جدتي في حي غربال، تأخذنا جدتي إلى دكانه لتشتري لنا الأحذية، وكان أبو نبيل يهتم بنا، ويقيس لنا الأحذية الكثيرة.

سكن والد محمد الصاوي هو وزوجته الجديدة في حجرة بالدور الثاني، تطل على حي "سوق عقداية"، كان يسكن البيت صاحب فرقة حسب الله، يعلق طبلة كبيرة على باب الدكان بجوار مدخل البيت، ويجلس مع أفراد فرقته بملابسهم الكاكية المميزة، على أمل أن يأتي زبون ويطلبهم، وظل هذا الوضع لسنوات طويلة.

وولدتُ – أنا - في شارع ابن الهائم، أول شارع متفرع من شارع أسوان وفي آخره؛ الباب الخلفي لجامع سلطان الشهير هناك.

وُلد محمد الصاوي في الثالث من ديسمبر/كانون الأول 1936 على يد داية اسمها "إحسان محمد".

وذلك ذكرني بالداية التي ولّدتني وكان اسمها "أم حسن"، وكانت أمها داية أيضا، تسكن في شارع "الطوفي" في منطقة كنا نطلق عليها "عند المنشار" لوجود ورشة خشب فيها. ولدتني، وولَّدت زوجتي وولدين من أولادي. أحيانا يخيل إلى إنها هي "إحسان محمد" التي ولدت محمد الصاوي، فأنا لا أعرف اسمها الحقيقي، كما أن سكنها قريب جدا من البيت الذي ولدت فيه، والبيت الذي ولد فيه محمد الصاوي.

تقوم الحرب العالمية الثانية، ويضرب الإيطاليون "البياصة" القريبة جداً من شارع العمري، فتخاف الأسرة وتنتقل إلى منطقة الورديان، يسكنون مع أسرة يونانية من جزيرة كريت، الغريب أنهم اقتربوا أكثر من مكان الحرب في "العلمين"، عادة ما تكون الهجرة - في هذه الحرب - إلى الشرق، فالحرب تدور في غرب الإسكندرية. يكتشف الوالد هذا من رؤيته للعربات التي تنقل العتاد والأسلحة الكثيرة التي تمر طوال الوقت من أمام البيت، فيعود إلى حي راغب باشا، يسكنون في حارة "الزمزمي" التي تبعد عن شريط ترام شارع راغب باشا؛ بحارتين.

حارة الزمزمي حارة طويلة جداً، تبدأ من شارع مسجد سلطان (الذي يؤدي إلى عمود السواري) وينتهي في شارع "البلخي" القريب جداً من بيتي الحالي، وكانت حارة الزمزمي مليئة بدكاكين فرق العوالم؛ خاصة من ناحية شارع مسجد سلطان، ويقتطعها شارع يوسف الحكيم المعروف هناك بشارع 12 .

امتلك عمي – وهو والد زوجتي في نفس الوقت – بيتاً في "شارع الملك الأشرف"، لم يكن يسكنه، وكان يتخذ من دوره الأرضي مخزنا لتجارته في النشارة والخشب الكسر.

وكنا نذهب كثيرا إلى هذا البيت ونحن صغار، حيث تأتي العربات التي تجرها الحمير، لحمل أجولة النشارة الخشنة، فنتابع البيوت والدكاكين هناك، كانت هناك مدرسة خاصة باسم الشيخ سالم الأنوري، بدائية تعلم القرآن الكريم والعربي والحساب، وفي مواجهة بيت عمي "زيّات" أمامه براميل الزيت السوداء الكبيرة، ورجل يقف على مقعد، ويسحب الزيت بأنبوب صفيحي إلى جراكن صغيرة، ويبيع باقي أنواع البقالة: الجاز والصابون والسكر، ومن الناحية الأخرى مخبز بلدي، بجواره حارة الزمزمي التي سكنها محمد الصاوي وهو صغير، وكان بيتهم يطلقون عليه بيت أم محمد القزعة، لقصر قامته. حيث يسمون الأبناء في الأحياء الشعبية باسماء أمهاتهم.

هذا الولد القصير الذي اسمه محمد القزعة نشأ في هذا الحي، واستطاع أن يلتحق بكلية الآداب ليدرس آداب اللغة الفرنسية، ويعمل في مجال التدريس، ويصل فيه إلى أعلى المراتب.

الغريب في الأمر أنني قضيتُ في السنوات الأخيرة، مدة طويلة في شقة في الدور الثالث من بيت عمي، كنتُ أنام فيها، ليس فيها تليفون ولا تليفزيون، كتبي وورقي وآلة كاتبة، وآلة تسجيل أسمع منه الأغاني، أجلس وأمامي هذه الحارة العجيبة، سكانها فقراء، والفقر عادة ما يجلب الانحدار في الأخلاق، فكنتُ أرى فيها العجب.

زارني في هذه الشقة الكثير من الأصدقاء الأدباء، كنت أهرب إليها عندما تنتابني حالات اليأس من الحركة الأدبية. فأطل من مكاني فأرى محمد الصاوي أمامي داخل هذا الزقاق العجيب. لقد انهارت بيوت كثيرة في هذا الزقاق مرة واحدة، واشترى أرضها تجار جدد يحولونها الآن إلى أبراج.

ارتبطتُ بمحمد الصاوي من حيث النشأة، فقد عشت في البيت القريب جداً من حارة الزمزمي التي يعيش فيها محمد الصاوي إلى التاسعة من عمري، ثم ماتت أمي، فانتقلنا إلى بيت كان قد اشتراه والدي في حي راغب باشا (البيت الذي أعيش فيه للآن).

الشخصيات التي يكتب محمد الصاوي عنها؛ أعرفها جيداً: شحاتة المقطّع، والحاجة كريدس، وأخوها أبو زيد، وزغلول الذي كان يبيع المخدرات في شارع أسوان، وعندما قبضوا عليه؛ قاومهم أهل الحي، وضربوا ضابط المباحث – وكان اسمه السباعي، وألقت النسوة قوة الشرطة بالطوب والماء المغلي، حتى أخلوا سبيل زغلول، لدرجة أن إسرائيل ذكرت هذا، وقالوا لجمال عبدالناصر:

- أنت مش قادر على حي صغير في الإسكندرية اسمه "سوق عقداية".

فهاجمت الشرطة الحي في قسوة، وأغلقت المحلات هناك.

المنطقة التي كتب عنها محمد الصاوي عشت فيها وخبرتها، منطقة يكثر فيها تجار المخدرات، وقد عرفتْ الدكتور أحمد ماهر البقري، وكان ناشره يرسله إلى مطبعة تسكن بيت عمي والبيت الملاصق له؛ لكي يراجع بروفة كتبه الجامعية، فكان ينزل من الأتوبيس في محطة مصر، ويدخل شارع ابن الخطاب، وهناك يشتري قلم حبر جاف بخمسة قروش، ويسير حتى مكان المطبعة، فيراجع البروفة، ثم يعود ثانية، ويحرص على أن يرمي القلم على أول كوم زبالة يقابله خشية أن يسيح في جيبه، فيفسد ملابسه، وقد حدثني عن هذا الحي في دهشة، قال لي:

- ناس طيبين جدا، شبان واقفين على الناصية، ما أن يشوفوني حتي يصيحوا في حماس: "اتفضل".

قلت له: دول تجار مخدرات، تعودوا على حضور الأغراب إليهم لشراء الحشيش، وهم يظنونك أحد الزبائن.

ارتبطتُ بمحمد الصاوي بعدة وشائج، أولها:

إنه أستاذي، فقد قرأتُ قصصي الأولي في ندوة كانت تقيمها جماعة الأدب العربي في أوخر الستينيات، بجمعية ذوي المعاشات وأصدقاء الشيوخ في بيت قديم مواجه للبنك العقاري، وكان يرأس الندوة في ذلك الوقت محمد الصاوي. قرأتُ قصة لي، ضاعت – للأسف - مع قصص كثيرة ضاعت، كان اسمها "دميانة" كتبتُها بعد هزيمة 67، وعادة ما تنتشر الغيبيات بعد الهزائم العسكرية، فحـكت القصة عن شاب يسير بالقرب من جبانة المسيحيين فتقابله فتاة قريبة الشبه من خطيبته التي ماتت ودفنت في المدافن القريبة، وتأخذ منه الجاكيت ليدفئها، لكنها تختفي فجأة، وعندما يدخل إلى المدافن، يجد الجاكت على قبر خطيبته. هذه القصة كانت بداية العلاقة الطويلة بيني وبين محمد الصاوي.

لقد ارتبطتُ بعدد كبير من كتاب القصة في الإسكندرية، وتعاملت معهم عن قرب، كانوا نوعين، الأول مجموعة من الكتاب الكبار في السن، القصة عندهم لها مدلول قديم، متأثرين بعالم الشعر الجاهلي والعباسي والحديث. لابد للقصة من عظة وعبرة.

والنوع الثاني تأثر بالقصة الغربية الحديثة، فجدد فيها، منهم محمد حافظ رجب ومحمود عوض عبدالعال ومحمد الصاوي.

قصص وروايات محمد الصاوي الأولى كانت أكثر وضوحاً. ثم بدأ في رحلة التغريب. أذكر في ندوة بقصر ثقافة الحرية، أن الأستاذ الدكتور حسن ظاظا؛ قال (ما معناه) إن بعض الأدباء يتعمقون في اللغات الأوربية، فيبتعدون عن قضايا بلادهم وشعبهم. وفوجئت به يقول: "مثل محمد الصاوي"، أيامها حدثتُ محمد الصاوي في هذا، وكان قد بلغه ما قاله الدكتور حسن ظاظا من قبل أن أخبره به، فقال لي يومها:

- غريب ما قاله الدكتور ظاظا .

الطريق الذي أختاره الصاوي ومحمد حافظ رجب ومحمود عوض عبدالعال طريق صعب للغاية. قلما يؤدي بكاتبه إلى الطريق العمومي المضيئ والصالح للمشي فيه. وقد توقف محمد حافظ رجب فجأة، رغم التجديد العجيب الذي أحدثه، وابتعد محمود عوض وكان إنتاجه قليل جدا في القصة القصيرة والرواية. وابتعد الصاوي سنوات طويلة كتب فيها سلسلة كتب عن السينما والعلوم وغيرها، وقد قال الناقد عبدالرحمن أبو عوف في ندوة بقصر ثقافة الحرية حديثاً يشبه ما أقوله، فقلت له: ما فيه كتاب بيكتبوا بالطريقة دي وماشيين.

فقال لي: قوللي اسم كاتب واحد.

قلت له: إدوار الخراط .

فقال لي: هو فيه حد بيقرا لأدوار؟!

في الحقيقة هذه الأقوال محتاجة تمعن وبحث دقيق. لقد كان يوسف شاهين أكثر فنان عربي يقدم سينما . وأفلامه التقليدية القديمة من أنجح الأفلام، ثم لجأ إلى التغريب فكان يقدم رؤية خاصة يصعب فهمها للكثيرين، وكان من الممكن أن يقدم سينما سهلة الهضم. لكنه أختار الطريق الصعب ولم تغرِه الإهواءات. هؤلاء الذين يكتبون في الطريق المعاكس؛ أبطال لاشك، ويستحقون أن نشيد بدورهم. لا يعيبهم أن البعض لم يفهمهم.

وهذا الكلام ينطبق على هؤلاء الأبطال الذين اختاروا الطريق الصعب في كتابة القصة والرواية. وقد قلتُ لأديب في مدينة الإسماعيلية عن صعوبة أعمال إدوار الخراط، قلت:

- إنني أبحث في قراءاتي عن الروايات والقصص التي أجد فيها متعة وأنا أقرأها.

فرد ردا غلبني فيه، قال:

- ومن أخبرك بأنني لا أجد متعة في قراءة أعمال إدوار الخراط؟!

يقول الدكتور السعيد الورقي في كتابه "إتجاهات الرواية العربية المعاصرة" – الصادر عن هيئة الكتاب 1982 "الرواية التجريبية في الواقع رواية شكل، فهي تجارب قليلة حاولت العبث بالشكل الروائي المألوف، وصولاً إلى تحقيق أمثل لمفهوم لا معقولية الوجود، أي أنها تسعى إلى إحداث التغيير الشامل لإعادة اكتشاف الوجود في شكل ملائم، بعكس الحقيقة الجديدة المكتشفة".

كتب محمد الصاوي الكثير جدا من الكتب يصعب حصرها الآن. بدأ بمجموعة قصصية اسمها الجدران الأربع عام 1964، مازلتُ أذكر قصصها التي يتحدث بعضها عن جبل ناعسة، المربعات المصنوعة من البازلت والتي كان المساجين يقتطعونها من الجبل بصعوبة لنسير نحن عليها.

ثم مجموعة قصصية أخري بعنوان "نهر النسيان" عام 1965 و"الثور والعذراء" 1970 و"كليوبترا" 1983 ورواياته: "أوديسا الصعود والهبوط والحب" 1979 "البياصة" 1984، "سوق الكانتو"، "الباب الأخضر"، "الدوخة"، "باب سدرة"، "كوم الشقافة"، "كوك الدكة"، "باب عمر باشا"، "الأنفوشي"، "كوم الناضورة"، "زنقة الستات"، "أبوقير"، "عمود السواري"، "محطة مصر"، "كورنيش قايتباي"، "زبيدة عروس البحر الأزرق"، "عش الحبايب"، "المصير"، "قهقهات محمد علي باشا"، "عشاق باب الكراستة"، "الخديوي وجميلة الجميلات"، "فضيحة"، "الطريق إلى علي بابا".

كما أن محمد الصاوي كتب في جميع المجالات: كتب الكثير جدا عن السينما المصرية والعربية والعالمية، كُتب بأسماء نجوم السينما مثل: فاتن حمامة، نور الشريف، تحية كاريوكا، عادل إمام، نادية الجندي، سعاد حسني، نبيلة عبيد، أحمد زكي، عمر الشريف، محمود ياسين، محمود عبدالعزيز، ليلي علوي، فؤاد المهندس، سمير غانم، شريهان، نجلاء فتحي، فريد شوقي، شكري سرحان، محمود المليجي، عماد حمدي، حسين فهمي، رشدي أباظة، محمود حميدة. وعن مخرجي السينما: يوسف شاهين، ومحمد خان، وشادي عبدالسلام، وصلاح أبوسيف، وغيرهم .

وكتب عن مجالات أخرى علمية وسياسية وأدبية: مثل الطريق إلى أحمد زويل، عباقرة القرن العشرين من اينشتاين إلى زويل، نجيب محفوظ ودكتور زويل وجائزة نوبل، وجمال عبدالناصر ونجيب محفوظ وجها لوجه، السادات ونجيب محفوظ وجها لوجه، محمد حسني مبارك وصدام حسين، الطريق إلى سوزان مبارك، ياسر عرفات والحنين إلى الوطن، الملك فاروق فضائح وانحراف الجميلات، الملك فؤاد والفساد الخفي، وكتب أخرى كثيرة في مجالات أخرى.

 

مصطفى نصر

 
مصطفى نصر
 
أرشيف الكاتب
القهر الثقافي والفني
2017-12-06
عندما أحبت الأميرة نازلي سعد زغلول
2017-11-08
أستاذي محمد الصاوي
2017-10-15
المزيد

 
>>