First Published: 2017-11-30

خبير صيني يؤكد أن الإصلاحات الكبرى ساعدت على رفع مستوى معيشة الشعب

 

جانغ جوه يوان: مجتمع الوفرة الذي ينعم فيه 1.4 مليار نسمة بحياة جيدة، يتطلب العمل على تعميق الإصلاح على نحو شامل.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

تأسيس مجتمع الوفرة

يناقش هذا الكتاب "المسيرة الجديدة للإصلاح الاقتصادي في الصين" للخبير الاقتصادي الصيني جانغ جوه يوان برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تضمنته "قرارات" الدورة الثامنة عشرة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، والمهام الرئيسية للإصلاح الشامل كما تناولتها هذه الدورة، والمغزى المهم لتفعيل دور السوق في توزيع الموارد، واعتماد الاقتصاد المختلط كشكل رئيسي للنظام الاقتصادي في الصين، وحاجة المؤسسات المملوكة للدولة للمزيد من الإصلاحات، وكذا دعم تطوير الاقتصاد غير المملوك للدولة والإسراع في تحسين نظام السوق الحديث، ويختتم بمناقشة أهم محاور الإصلاح الاقتصادي التي طرحتها "قرارات" الدورة الثامنة عشرة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني.

تأتي أهمية ترجمة هذا الكتاب الصادر عن دار جامعة الملك سعود للنشر بالسعودية، بترجمة د. حسانين فهمي حسين، إلى اللغة العربية كونه أول ترجمة لمرجع علمي ينقل إلى اللغة العربية عن الصينية مباشرة يناقش القرارات المصيرية التي تناولتها الدورة الثامنة عشرة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، والتي عقدت خلال الفترة 9-12 نوفمبر/تشرين الثاني 2013 والتي ركزت بشكل رئيسي على مجموعة من القضايا المهمة في مستقبل الصين؛ من أهمها قضايا الإصلاح الاقتصادي للمؤسسات المملوكة للدولة وغير المملوكة للدولة، والإصلاح المالي، وإعادة الهيكلة الاقتصادية ومكافحة الفساد، وسياسات العمل والرعاية الصحية، وإنهاء سياسة إنجاب الطفل الواحد في الصين والسماح بإنجاب طفلين بعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً على هذه السياسة، وقضايا التعليم والغذاء والدواء، والدبلوماسية الصينية الجديدة وعلاقات الصين بالعالم الخارجي، وقضية التلوث وغيرها من القضايا الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية والبيئية، التي سترسم خريطة مستقبل الصين وملامح المسيرة الجديدة التي ستنتهجها في مجال الإصلاح الاقتصادي.

يرى جانغ جوه يوان أن "قرارات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني بشأن تعميق الإصلاح على نحو شامل" والصادرة في 11/2013، تعد بمثابة وثيقة منهجية مهمة لدخول الصين المرحلة الحاسمة لتأسيس مجتمع متناغم وتوجيه الحزب والدولة لتعميق الإصلاح على نحو شامل، وهي في الوقت ذاته خطوة مهمة لتحسين وتطوير نظام الاشتراكية ذات الخصائص الصينية بحلول عام 2020، ودفع نظام إدارة الدولة وتحديث القدرات الإدارية.

ويؤكد أن الإصلاحات الكبرى والمؤثرة التي تمت منذ تطبيق الإصلاح والانفتاح في الصين عام 1978، بما في ذلك إصلاح نظام المقاولات العائلية الريفية، إصلاح الأسعار، تحديد أهداف إصلاح نظام اقتصاد السوق الاشتراكي عام 1992، الانضمام لمنظمة التجارة العالمية في 2001 وغيرها من الإصلاحات، جميعها ساعدت وبشكل كبير على دفع تطوير القوى الإنتاجية ورفع مستوى معيشة الشعب. إلا أن عملية الإصلاح كانت قد شهدت تباطأً خلال العشر سنوات التي تلت عام 2003، لذا فقد رفع المؤتمر الوطني الثامن عشر والاجتماع الكامل الثالث للدورة الثامنة عشرة راية استعادة برامج الإصلاح لتحقيق طفرة جديدة في مسيرة الإصلاح الصيني.

ويوضح جانغ جوه يوان "القرارات" عملت على توسيع آفاق الإصلاح لتشمل إصلاح النظام الاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي والبيئي، فهي عبارة عن إصلاحات "خماسية" شاملة. وتنطلق عملية تعميق الإصلاح على نحو شامل بشكل أساسي من إصلاح النظام الاقتصادي، ولا تزال تلتزم باعتماد البناء الاقتصادي كمحور رئيسي، مع الاستمرار في تعميق إصلاحات السوق بشكل واسع وعميق، ووضع الأساس المادي للاشتراكية ذات الخصائص الصينية. وتفعيل الدور الإرشادي لإصلاح النظام الاقتصادي تجاه إصلاح المجالات الأخرى، حيث إن تعميق الإصلاح على نحو شامل يعد الضمان الرئيس لتحقيق الصين هدفها في تأسيس مجتمع متناغم بحلول عام 2020. وبناءً على واقع التنمية الاقتصادية والاجتماعية الصينية، فقد طرح المؤتمر الثامن عشر للحزب عدداً من المطالب الجديدة للتأسيس الشامل لمجتمع الوفرة، والتي تستهدف تحقيق أهداف أعلى من تلك التي طرحها المؤتمران السادس والسابع عشر للحزب.

ويشير جانغ جوه يوان إلى أنه في مجال التنمية الاقتصادية، تم طرح الوصول للتنمية الاقتصادية المستدامة. وقد حقق تغيير نمط التنمية الاقتصادية تقدما ملحوظا، فعلى أساس تعزيز التنمية العادلة والمنظمة والمستدامة، تم مضاعفة إجمالي الناتج المحلي ودخل سكان الحضر والريف مقارنة بعام 2010. وحدث تقدم كبير في مساهمة التقدم العلمي والتكنولوجي في النمو الاقتصادي، لتدخل الصين بذلك في قائمة الدول المُبتكِرة.

ويعد مضاعفة دخل سكان الحضر والريف أحد المطالب الكبرى التي تضمنتها مقترحات المؤتمر الجديدة. وكذلك المطالبة برفع مستوى معيشة الشعب على نحو شامل. كما شهدت البلاد تحقيق التكافؤ في تقديم الخدمات العامة الأساسية. كما شهدت البلاد تقدماً ملحوظاً في مستوى تلقى المواطنين للتعليم ومستوى إعداد الكوادر، لتدخل الصين بذلك في قائمة الدول العظمى التي تمتلك الكوادر والموارد البشرية المؤهلة، وتم تحقيق الحداثة في مجال التعليم. وشهدت البلاد زيادة كبيرة في فرص التوظيف. وتقليص الفجوة بين دخل المواطنين، واتساع قاعدة الطبقة الوسطى، وانخفاض معدلات الفقر بشكل كبير. والسعي لأن يغطي الضمان الاجتماعي كافة المواطنين، وتمتع كافة المواطنين بالخدمات الأساسية في مجالات الصحة والعلاج والمسكن، ولأن تشهد البلاد حالة من الاستقرار الاجتماعي المتناغم.

ويؤكد أنه خلال هذه المرحلة المهمة، فإن ضمان تحقيق التكافؤ في الخدمات العامة الأساسية وتغطية الضمان الاجتماعي لكافة المواطنين وضمان الحق في الحصول على السكن تمثل جميعها مطالب كبرى طرحها المؤتمر الوطني الثامن عشر للحزب. وبالإضافة إلى ذلك، نجد الدعوة إلى بناء النظام الحضاري والإيكولوجي، وتحقيق تقدما كبيرا في بناء نظام اجتماعي موفر للموارد وصديق للبيئة. وانخفاض استهلاك الموارد وتقليص انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، والانخفاض الواضح في نسبة التلوث. وزيادة مساحة الغابات، وتعزيز استقرار النظام الايكولوجي، والتحسن الواضح في البيئة البشرية. ويعد طرح مطلب خفض حجم انبعاثات الملوثات من أهم التعهدات التي تعهدت بها الحكومة الصينية خلال هذا المؤتمر.

ويرى جانغ جوه يوان أن تحقيق المطالب الكبرى التي طرحها المؤتمر الوطني الثامن عشر للحزب بهدف تأسيس مجتمع الوفرة، يحتاج للاعتماد على تعميق الإصلاح على نحو شامل ومزيد من إفساح المجال لحيوية المجتمع والسوق والمؤسسات والأفراد، ومزيد من تحرير وتطوير قوى الإنتاج في البلاد.

كما أن تحقيق هدف مضاعفة دخل سكان الحضر والريف لا يتطلب فقط التنمية الاقتصادية، وزيادة حجم الثروات المادية في المجتمع، وإنما يتطلب في الوقت ذاته التوزيع الجيد "للكعكة الكبيرة"، وهذا بدوره يتطلب الاعتماد على تعميق الإصلاح الحكومي، وإصلاح نظام توزيع الدخل والنظام المالي، وتحسين نظام الضمان الاجتماعي.

خلاصة القول، فإن تأسيس مجتمع الوفرة الذي ينعم فيه 1.4 مليار نسمة بحياة جيدة، يتطلب بلا شك العمل على تعميق الإصلاح على نحو شامل.

ويقول: أشار تقرير المؤتمر الوطني الثامن عشر للحزب لأول مرة وبوضوح إلى أن محور إصلاح النظام الاقتصادي في البلاد يتمثل في ضبط العلاقة بين الحكومة والسوق، والذي يتطلب احترام قواعد السوق، وتفعيل دور الحكومة على نحو جيد.

وفي عام 2005، أشار مقترح اللجنة المركزية للحزب لصياغة الخطة الخمسية الحادية عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية، إلى أن الإسراع في إصلاح النظام الإداري يعد النقطة الرئيسة في تعميق الإصلاح على نحو شامل ورفع مستوى الانفتاح على الخارج. وفي غضون ذلك، نشر عدد من الخبراء الاقتصاديين بمن فيهم قاوشانغ تشوان، تشه فولين وسونغ شياو وو وآخرين دراسة ترى أن محور تعميق إصلاح النظام الاقتصادي يتمثل في ضبط العلاقة بين الحكومة والسوق. في حين رأي آخرون أن الإصلاح الحكومي هو المنقذ الرئيس لتعميق إصلاح النظام الاقتصادي.

وكنت قد أشرت شخصياً في مقابلة لي مع مجلة "أحوال النظريات" العدد 1718 بتاريخ 10/9/2006 بعنوان "الحاجة لمعرفة أهمية الإصلاح الحكومي"، أشرت إلى أن الإصلاح الصيني يمر الآن بمرحلة جديدة، وهي التطور من مرحلة إصلاح المؤسسات المملوكة للدولة كمحور رئيسي في عملية الإصلاح إلى مرحلة اعتماد إصلاح النظام الإداري كمحور للإصلاح. وأن السبب الرئيس في هذا التغير يرجع إلى التكيف مع متطلبات تطبيق التقدم العلمي والتكنولوجي وتغيير نمط النمو الاقتصادي الذي تلتزم به الصين منذ مطلع القرن العشرين. وأن القضايا البارزة التي تواجه التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد هي السبب في تحول الإصلاح الحكومي إلى مهمة ملحة في هذه المرحلة.

ثم نشرت بعد ذلك مقابلة أخرى بالعدد 11 لسنة 2012 بمجلة "الإصلاح الصيني" بعنوان "الإصلاح الحكومي كمحور رئيسي خلال العشر سنوات القادمة"، أكدت فيه على نفس الآراء السابقة. أما ما طرحه المؤتمر الثامن عشر للحزب حول اعتماد ضبط العلاقة بين الحكومة والسوق كمحور رئيسي لإصلاح النظام الاقتصادي، يعد طرحاً واقعياً ودقيقاً للغاية. حيث تؤكد التجارب الطويلة أن النقطة الحاسمة في تحسين نظام اقتصاد السوق الاشتراكي، ودفع النمو الاقتصادي وتغيير نمط التنمية الاقتصادية، وتحقيق التحول الاقتصادي هي الإسراع في إصلاح النظام الإداري، والإصلاح الحكومي وتغيير مهام الحكومة، بما في ذلك تصحيح مسار (المأسسة) الذي تتبعه الحكومات المحلية.

يذكر أن جانغ جوه يوان الباحث الاقتصادي المعروف عضو اللجنة العليا التي صاغت النص النهائي للإصلاح الاقتصادي الصيني خلال الدورة الثامنة عشرة للحزب الشيوعي الصيني، عضو المجلس العلمي للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، عضو معهد الاقتصاد التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، رئيس تحرير مجلة "الدراسات الاقتصادية" التي تصدر عن الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، عضو العديد من الهيئات الاقتصادية في الصين، له العديد من المؤلفات في مجال الدراسات السياسية والاقتصادية، والإصلاح الاقتصادي، ودراسات السوق والتي صدرت داخل الصين، وترجم عدد منها إلى لغات أجنبية.

أما المترجم د. حسانين فهمي حسين فهو أستاذ مساعد بقسم اللغة الصينية بجامعة عين شمس وأستاذ مشارك بكلية اللغات والترجمة جامعة الملك سعود، ويشرف على سلسلة "قراءات صينية" التي تصدر عن دار صفصافة للنشر بمصر.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
عبداللطيف مشرف يؤكد أن المدرسة التاريخية العربية أهملت قضايا الموريسكيين
2017-12-15
علي سالم: يصعب تخيل التغيير المنشود دون تحرير وإطلاق طاقات وابداعات الشباب
2017-12-14
'الملائكة لا تأكل الكنتاكي' تبحث عن الهوية المسلوبة بعد فشل ثورات الربيع العربي
2017-12-13
حزامة حبايب تؤكد: ورثت ﻣﻦ أبي اﻟﻔﻠﺴﻄﯿﻨﻲ ﺣﻜﺎﯾة ﻧﺎﻗﺼﺔ
2017-12-12
باحث صيني: التاريخ والصين والعالم زوايا القيادة الجماعية لصين المستقبل
2017-12-11
أوروبيون يقرأون حضور عرب وعثمانيين في الأدب الأوروبي
2017-12-10
قراصنة المتوسط: تاريخ الأوروبيين في المنطقة مصدر مهم لسياساتهم المعاصرة
2017-12-09
في رواية 'حياة' .. الحياة أكثر تعقيداً من الموت
2017-12-08
أحمد السيد النجار: هناك تناقض موضوعي بين قوة الاقتصاد الصيني ودوره العالمي فعليا
2017-12-06
لور كاتسارو: عزوبية الفنان الحداثي الملاذ الوحيد المضاد لفكرة المستقبل
2017-12-04
المزيد

 
>>