First Published: 2018-01-12

جمال مطر: أي دولة تريد أن يزدهر مسرحها عليها أن تفتح سقف الحرية

 

الكاتب الإماراتي يؤكد أننا نحن بحاجة لرجل مسرح حقيقي كالقنبلة يفجر إبداعه على خشبة المسرح، أو كما قال نيتشه 'أنا لست إنسانا أنا ديناميت'.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

هناك حالة تراجع للشعر

يجمع المبدع الإماراتي جمال مطر بين السرد الروائي والشعر والمسرح والإخراج المسرحي والنقد الأدبي والعمل الإعلامي، بدأ شاعرا إذ سيطرت عليه جماليات الشعر العربي ممثلة في المتنبي وديوانه، فأصدر ديوانه "أحب الملح أكثر"، وأيضا كتابا نقديا عن المتنبي "رب واحد يكفي"، لكن دراسته للمسرح وعشقه له تأليفا وتمثيلا وإخراجا أخذته من الشعر دون أن يترك كتابته، قدم للمسرح العديد من الأعمال التي سعى من خلالها إلى تأصيل مسرح إماراتي ينطلق من الهم المجتمعي بجماليات ورؤى تستلهم التراث وتعالج من خلاله هم الحاضر وطموح المستقبل. وأخيرا فاجأنا بروايته الأولى "كلب" والتي بدا فيها أنه وجد ضآلته حيث السرد المفتوح والشخصيات الواقعية والحرية في تحميلها زخم الواقع وما يجري فيه من أحداث.

تساؤلات كثيرة طرحناها على جمال مطر منها ما يخص المسرح والرواية والشعر وغيرها. فكان هذا الحوار.

بداية تساءل جمال مطر: هل المبدع بحاجة أو من حقه أن يكشف وينبه ويلفت الانتباه؟ هل هو بحاجة إلى لفت الانتباه؟ هل هي حياة ووجود أن تقول أنا حاضر وموجود؟ هل أنت أصلا بحاجة إلى هذا الفعل؟ وكأنه نقص في شخصيتك أن تحاول لفت الانتباه لتعوض غربتك ووجودك الإنساني، الابتعاد عن الناس والخلوة على مشروع إبداعي، ثم تأتي المصالحة والكشف عن هذا المشروع والتفاعل مع الناس.

وقال "بكثير من القناعات أؤمن بوحدة الفنون، أؤمن أكثر بالفنان القادر على الإنجاب والإبداع وأن يكون مثمرا في زرعه، كل زرعه من كتابة وإخراج وتشكيل فهو إن كتب أبدع وإن رسم تعملق، وأي تجربة يخوضها المبدع يكون فيها مبدعا أكثر، لأن أي تجربة تأتيه مكتملة، فيصلح لكل الفنون ويبدع فيها أكثر، بمعنى آخر يكون ولادا.

ما دفعني لهذا الجمع بين أكثر من إبداع ربما يكون لأني بدأت مهتما بالشعر في الصغر، وتعلقت بالمتنبي الشاعر الكبير، وحفظت ديوانه ولا أزال في الصف الثالث الإعدادي، أفتح صفحة 329 وأقرأ قصيدة:

وَاحَرّ قَلْباهُ ممّنْ قَلْبُهُ شَبِمُ ** وَمَنْ بجِسْمي وَحالي عِندَهُ سَقَمُ.

ما لي أُكَتِّمُ حُبّاً قَدْ بَرَى جَسَدي ** وَتَدّعي حُبّ سَيفِ الدّوْلةِ الأُمَمُ

أو صفحة 506:

عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ, ** بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ

أمّا الأحِبّةُ فالبَيْداءُ دونَهُمُ ** فَلَيتَ دونَكَ بِيداً دونَهَا بِيدُ

وعندما كبرت كتبت عنه كتابا بعنوان "رب واحد يكفي". الحقيقة أنني امتلأت بالمتنبي وتعلقت به كنموذج فريد في الشعر العربي، وتحت قناعة أن الشاعر يموت ليحيى آخر، فمتى ما مات شاعر نمت البذرة في آخر، وبذرة الشعر أنبتت ديواني "أحب الملح أكثر" قصائد في مديح البحر واللؤلؤ الثمين وفضل الماء على اليابسة.

أيضا درست المسرح وعشقته كثيرا، وأشهرها مسرحية "جميلة" التي عرضت على شاطئ البحر، على الرمل، وبعيدا عن العلبة الإيطالية، البطل في المسرحية يسبح أمام الجمهور ليحضر حبل البوم ـ البوم مركب كبير ـ وهو رمز للمهر الغالي، كان البحر أحد أبطال العرض المسرحي، عندما يكون البحر رائقا تحضر القصيدة والجمال فيتفاعل الجمهور مع العرض، وأعتقد أن عرض "جميلة" من العروض النادرة التي عرضت على شاطئ البحر وأحدثت صدى واسعا.

وحول ما إذا كان قد وجد ضالته في الرواية بعد أن قدم الشعر والمسرح تأليفا وإخراجا وغيره أضاف جمال مطر، وقال: بالفعل لم أجد ضالتي إلا أخيرا مع الرواية، لأنك مع الرواية تكون سيد نفسك ولا أحد يتحكم في مشروعك الإبداعي، أن تكون حرا طليقا كطائر لا يتعب، تركت المسرح رغم حبي الشديد له، بعد أن تدخلت بعض الأيادي لإخفاته، وهم كما يقول المتنبي عدو في ثياب صديق، كنت مثل متسلق الجبال الذي ألف أن يتسلق أكثر قمم الجبال وعورة لا يخاف الصعود بقدر خوفه عند نزوله أن تزل قدمه لأن أحدهم حفر تحته ليسقط، وأخيرا وجدت ضالتي في الرواية حيث صرت أعيش تجربتها أكثر.

وأوضح أن اختياره لعنوان الرواية "كلب" "لأني وجدت الشخصية المحورية في الكتاب لا تستحق الألف واللام، فالكلب حيوان أليف ومخلص لكن في الرواية نكتشف لاحقا أن البطل تصرفاته تنم عن جهل وعصبية وغيرة زائفة، فاستحق الثلاثة حروف عنوان الرواية، والأحداث تدور حول امرأة يعضها كلب في الصغر فتتعقد من الكلاب، وبعد سنوات يحاول زوجها أن يزيل كل العقد من خلال إحضاره "نانو" الكلب الوديع الأليف، فتتآلف معه المرأة وتحبه تعويضا لسنوات البغض للكلاب، وأثناء تصفحها على الإنترنت وتتواصل مع امرأة أجنبية عندها نفس سلالة الكلب وتريد أن تحمل كلبتها، يتفقان على الزيارة حتى يتآلف الكلبان، لكن الزوج يُعجب بالمرأة الأجنبية ليبدأ الحب في بيته في التراجع، حيث يبحث عن نزوة وطموح آخر، والمرأة الأجنبية لا يعنيها إلا كلبتها، ولا تلتفت له، وتصير الكثير من المفارقات في الأحداث فتكتشف المرأة الزوجة أن الكلب ينبح بحثا عن وجوده عكس الإنسان الذي ينبح ليخترع الدبابة والقنبلة، كقول الشاعر:

عَوى الذِئبُ فَاِستَأنَستُ بِالذِئبِ إِذ عَوى** وَصَوَّتَ إِنسانٌ فَكِدتُ أَطيرُ

ولفت مطر إلى أنه بعد ديوان "أحب الملح أكثر"، كتب الكثير من القصائد لكنه لم يتحمس لنشرها، "كنت أكتب تحت تأثير المتنبي شعرا كلاسيكيا، ثم صارت لي علاقة بالشعر الحديث وتجليات الحداثة على الشعرية العربية، ثم انشغلت بالمسرح ووظيفتي بالإعلام كمقدم برامج.

وقال: "صحيح هناك حالة تراجع للشعر أثر فيها غياب الكثير من رموز الشعرية العربية، وربما لأن الناس شبعت من الكلام المنمق، وبدأت تبحث عن حكايات وأحداث لم ترو بعد. ومن ثم كان البحث عن الحكاية والقصة والرواية لاعتقاد الناس أن الحكاية حقيقية والشعر عواطف فقط، وأعتقد أن الزمن بالفعل هو زمن الرواية الآن في ظل تراجع حضور القصة القصيرة والشعر، وما يعيشه العالم العربي منذ سنوات من دراما لا تبدو لها نهاية، في تقدم وتراجع، في مد وجزر. فالأنسب أن تكون الحكاية حاضرة تعبر عن مكنوناتنا، مكنونات المجتمع وآلامه، وكلنا يحب سماع الحكاية لأنها امتداد لجداتنا وتراثنا".

وحول تجربته المسرحية قال جمال مطر: بالنسبة لتجربتي المسرحية امتدت لسنوات طويلة بعد تخرجي في الجامعة قدمت أول أعمالي المسرحية "جميلة" وهي كأنها حكاية المهر عنتر ولكن برؤية جديدة، من يريد جميلة عليه إحضار حبل البوم وهو المركب الكبير والذي تحرسه الجن كما في الأسطورة، وقد قدمت على شاطئ البحر كما أشرت ولاقت استحسانا كبيرا، وقدمت بعدها مسرحية "قبر الولي" وهي أيضا مسرحية خارج العلبة الإيطالية، وهي تحكي عن كثير من الأوهام التي تعشعش في رؤوسنا وأننا أحيانا نحلم بالآخرين الذين يستغلون طيبتنا، وحكايتها في منطقة لا ينزل عليها الغيث، منطقة مجدبة، فيقرر الجوعان بطل المسرحية الذهاب إلى القرية المجاورة لبيعها بسعر غال، لأن السماء مجدبة، وعلى مدخل القرية يموت الحمار الذي يحمله فيدفنه ويبكي حزنا عليه وعلى ضياع حلمه، لكن الصدفة أن المطر نزل في هذا اليوم واستبشر أهالي القرية بالغريب القادم واعتبروا أن المدفون ولي من أولياء الله ساقه الله لإنقاذهم، والمدفون حماره، وبالفعل أصبح المكان مزارا، واستغل الجوعان هذه الصدفة ليكون مسئولا عن القبر، الناس طبعا بدأوا يزورون القبر للاستشفاء والدعاء، فاستغلهم وفرض عليهم أتاوة للزيارة، وفي نهاية المسرحية عندما مرض الرجل جاءه الناس من كل حدب وصوب لأنه شخص مبروك ويجب زيارته قبل أن يموت.

ويحاول أحد مساعديه أن يخبرهم أن المدفون حمار وليس إنسانا، ولكن صعب أن نغير أفكار الناس وقناعتهم. طبعا هذه المسرحية أثارت الكثير من الأسئلة وبالطبع هذا دور المسرح. هكذا قدمت أعمالا مسرحية ما بين الشعبي والتجريبي والحداثي، قدمت مسرحية يلعبون فيها مباراة كرة قدم على خشبة المسرح. كنت دائما أبحث عن شكل جديد للمسرح يكون ناجحا جماهيرا بعيدا عن الاسفاف، عميقا وقريبا من روح الإنسان.

ورأى جمال مطر أن أوضاع المسرح الإماراتي والعربي واحدة، كل منهما معاناة واحده، يعاني من ابتعاد الجمهور والبحث عن ميزانيات لمشروعاته وعن حرية أكبر وانفتاح على الآخر، وهنا في الإمارات تواجهنا مشكلة أن أغلب العروض المسرحية تنتج للمهرجانات للبحث عن انتصار زائف والبعد كل البعد عن أوجاع وهموم المجتمع، صار المسرح ترفا وليس هما وبحثا وأسئلة لأن المسرحي تراجع ولأن الشعر تراجع والترويج للأصيل تراجع، لذا طبيعي أن ينشط بعض المسرحيين يبحثون عن جمهور يريد الضحك فقط ولا يريد أن يسمع حكاية قد تحرر الراكد فيه.

ولفت جمال مطر إلى أن "أنشط المهرجانات المسرحية التي تقام في الإمارات هو مهرجان أيام الشارقة المسرحية، لكن البحث عن الجائزة أصبح هما، هناك عروض مسرحية لا تقدم إلا ليوم واحد فقط، تخيل ليوم واحد فقط، أكيد الأيام تتراجع لأن المسرح يتراجع، وعلى الرغم من اهتمام الشيخ سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة بالمسرح، إلا أن المسرحيين أنفسهم لا يبحثون عن ذاتهم وقلقهم وأسئلتهم بل الهدف مكرس للجائزة وليذهب الجمهور لشرب البحر، المسرح يتراجع أكيد يتراجع إلا بعض الاستثناءات من هنا وهناك، من أين لنا بطاقة جديدة إيجابية ولو كان لنا كلمة وفعل لازدهر المسرح أكثر، لهذا تباطأت خطوات المسرحي لأن حمل الكلمة عليه ثقيل".

وأشار إلى أنه يجب الرجوع والعودة للتراث في المسرح لأنه يعيش في ضمير المجتمع، المسرحيون القدامى وبعض الحداثيين لجأوا للتراث من باب أن المسرح الغربي لا يشبع ذائقتهم ولا يروي أرواحهم، لا بأس أن نستدعي السير والملاحم لتثير أسئلة الشك في حاضرنا، لا بأس من العودة للمسرح الأصيل الخالص الذي يقدم روحا شرقية عربية، لا بأس للعودة للتراث لكن بشرط ألا نقف عند عتبته، بل نتجاوزه بما يحتاجه الوقت والزمان، يجب تأصيل المسرح وكلما التصق ببيئته نجح أكثر وارتبط بالمجتمع، والبحث عن التجريب، وعموما فن المسرح يعتبر جديدا على التجربة الإبداعية العربية ربما عمره 120 أو 130 سنة، عكس الشعر، لذا عندما نسقط التراث على النص المسرحي فإننا نستدعي كل أشكال الفرجة في المسرح، من أراجوز وخيال ظل وحكواتي، لنصل إلى فرجة جميلة، كأن يجلس البحر في الغرفة، منتهى الرومانسية.

وأكد جمال مطر أن أي دولة تريد أن يزدهر مسرحها عليها أن تدعمه بشكل كبير وتفتح سقف الحرية حتى لا نشاهد الدواعش ومتطرفين في وطننا العربي الكبير بعد كل الهزائم والانكسارات، أيضا ابتعد الكتاب عن طرح قضايا جوهرية وانشغلوا بالتلفاز كشهرة ومردود أكثر وبلا وجع رأس، المسرح عليه أن يرقى بالجمهور، أن ينزل إليه أولا لكي يصعد معه للأعلى، لا نريد تغريبا في المسرح ولكن نريد الجميل والثمين، وهذا لن يتأتى بالجلوس في البيت وانتظار الفرج.

للخروج بالمسرح مما هو فيه قال جمال مطر: "لابد من المزيد من الحريات، لا يمكن أن نحجر على المسرحي ونملئ عليه املاءاتنا، أيضا لابد من دعم واهتمام الدولة بالمسرح وترويجها للأصيل للباقي والمؤثر في الناس والبعد عن المسرحيات التنفيسية والتهريجية، لأن حضارة أي مجتمع بتقدم فنونه وتطورها، وأن يكون المسرح هما وحياة وموت كالهواء لا يستطيع المسرح الاستغناء عنه، وأن يكون لدى المسرحي الصبر والبحث عن النفيس وأن يكون له مشروعه مشروعه الإنساني والحياتي، أن يعرف قيمة ما يقدم، وأن يكون المجتمع همه الوجودي، لا يبحث عن جائزة بل يبحث عن قضايا تسهم في رفعة المجتمع، والمساهمة في خلق أفكار ومناقشتها، والبعد عن القناعات التي تؤدي إلى الكسل، نحن بحاجة إلى حوار وأفكار جديدة وأن نؤمن بأنفسنا أننا قادرون على خلق الجديد وغير المطروق في الحوار وتقبل الآخر والإنصات لكل أفكاره وهذا الفعل يساعد على التفاهم والانسجام، وليس إهدارا للوقت.

نحن بحاجة لرجل مسرح حقيقي كالقنبلة يفجر إبداعه على خشبة المسرح، أو كما قال نيتشه "أنا لست إنسانا أنا ديناميت".

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
غسان الحسن يؤكد أن هموم الوطن العربي تجلت في قصائد الشعراء
2018-01-18
انطلاقة حافلة بالوطنية والحب للحلقة الأولى من شاعر المليون
2018-01-17
رباب كمال تؤكد أن الأخوات المسلمات روجن لنموذج إيران الإسلامية
2018-01-16
48 شاعرا من بين 1300 شاعر يتنافسون على بيرق الشعر لـ 'شاعر المليون'
2018-01-14
مصطفى عطية يؤكد أن الوعي والسرد كل لا يتجزأ
2018-01-14
مقامات أبي سعيد شرح لأحوال ومقامات وأقوال الصوفي الشهير
2018-01-13
جمال مطر: أي دولة تريد أن يزدهر مسرحها عليها أن تفتح سقف الحرية
2018-01-12
70 لوحة تحكي تاريخ معبد ملايين السنين في مكتبة الإسكندرية
2018-01-11
باحثون روس يتتبعون تاريخ العلاقات المصرية الروسية
2018-01-10
كاتبة مصرية ترى أن العمل الفني معني بطرح الأسئلة وليس الإجابة عنها
2018-01-09
المزيد

 
>>