آخر الرحابنة

رحيل زياد الرحباني يطوى فصلا أخيرا من عبقرية عائلة فنية فذة، إذ خاض ثورته الفنية الخاصة بمزيج من العمق والبساطة، رافضًا الشعارات والسطحية، وناقدا لواقعٍ عربي متردٍّ.

بلا مقدمات صمت بيانو زياد الرحباني وغادر صاحبه هذه الحياة تاركاً الكثير من الفن والجمال والحقيقة، وفائضاً من الجدل حول شخصيته وفنه ومواقفه.

رحل ابن الكبيرين عاصي وفيروز، وسليل عائلة الرحابنة التي فقدت برحيله أخر عباقرتها، والامتداد الوحيد والحقيقي للإرث الموسيقي والفني للأخوين رحباني، ولكن زياد لم ينسج على منوال أبيه وعمه مستسهلاً النجاح ومتكئاً على رصيدهما الكبير والثري من الأعمال الفنية، بل قاد ثورة فنية حقيقية ليستمر البريق الرحباني للأجيال الجديدة، ففي المسرح لم يقدم لبنان بصورته المثالية كما فعل الأخوين، بل كان صادماً جارحاً جريئاً في معالجة الواقع اللبناني، وفي الموسيقا "كلمات وألحان" حافظ على نهج الرحابنة المتمثل في الثنائية الصعبة "البساطة والعمق" ولكن مع بصماته كابن جيل الواقعية والحياة، نقيض جيل الشعارات والجعجعة والطنطنة، وعدو الكليشيهات، والمتمرد على المفاهيم المستقرة ، وفيما يشبه  القطيعة مع التراث الرحباني كان يتمرد عليه وينقضه احياناً بل ويرد عليه بوضوح كما في عنوان مسرحية "بخصوص الكرامة والشعب العنيد".

زياد كان له تأثير سحري على أجيال تربت على موسيقاه ومسرحياته وبرامجه الإذاعية وأغانيه وسخريته اللاذعة من الواقع، وبات أيقونة للناس البسطاء كما للنخبة، ولكن لعل أهم مشكلة كانت تواجه من يستمع لزياد الرحباني لأول مرة ويكون قد فاته ما سبق من اعمال لزياد يصبح المر عصيّاً عليه، فلكي تفهم زياد وتستمتع بفنه عليك ان تأخذه كاملاً دون نقصان.

رحل زياد في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة، هجم فيها برابرة التيكتوك والمؤثرين والبلوغر ومحللي الفضائيات بنفاقهم وكذبهم، وموسيقى هجينة كالفقاعة، وأغاني رخيصة، وبرامج توك شو من كل فجٍ عميق، وطائفية تطل بأقبح صورها لتؤكد ما قاله في اغنيته الشهيرة "يا زمان الطائفية"، وأوطان لم يبقى منها سوى الفتات الذي لم يعد يكفي لمن بقي ولم يهاجر.

رحل زياد ومعه يصبح ما قدمه خالداً كما أعمال الأخوين رحباني وفيروز حيث نلتقيهم جميعاً كل صباح مع فنجان قهوة وبعضاً من أمل يرمم أرواحنا المتعبة.