الاتفاقيات بين روسيا وسوريا
مع كل زيارة للرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع خارج البلاد، ينقسم السوريون بين مؤيد ومعارض لهذه الزيارات، لكن زيارة موسكو ولقاء بوتين استحوذا على الاهتمام والنقد استناداً إلى الدور الروسي المفصلي في سنوات الجمر السورية. ما يهمنا هنا هو تصريح الشرع "ملتزمون بجميع الاتفاقيات السابقة مع روسيا".
لكن ما هي الاتفاقيات التي يشملها هذا "الالتزام" الخطير؟ سنحاول تسليط الضوء عليها لنعرف مدى خطورة تصريح الشرع والتزامه المفتوح.
اتفاق مع شركة "ستروي ترانس غاز" (STG)، المرتبطة بالملياردير غينادي تيمتشينكو المقرب من بوتين، تحصل بموجبه الشركة على حقوق استغلال مناجم فوسفات الشرقية وخنيفيس في تدمر لمدة 50 سنة، بطاقة تقارب 2.2 مليون طن سنوياً، واحتياطي مُقدَّر بنحو 105 ملايين طن. وتقسَّم الأرباح بنسبة 70% للشركة الروسية و30% للجانب السوري.
اتفاق آخر مع الشركة نفسها "ستروي ترانس غاز" لتشغيل وإدارة مجمّع الأسمدة في حمص (الكيماويات) لمدة طويلة الأمد تتراوح بين 40 سنة وما يزيد، وهو المجمّع الوحيد في سورية لإنتاج الأسمدة (سوبر فوسفات + يوريا + نترات الأمونيوم). وتقسَّم الأرباح بنسبة 65% للشركة و35% للجانب السوري.
وفي كانون الأول/ديسمبر 2018، تم الإعلان عن توقيع اتفاقات في مجال الاستكشاف والإنتاج الهيدروكربوني، لكن لم تُنشر تفاصيل الشركات والمبالغ بشكل رسمي، إذ تم التوقيع من خلال "اللجنة المشتركة" التي تحدث الجانب الروسي اليوم عن إعادة تفعيلها قريباً.
أما الاتفاق الأهم، الذي دفع السوريون ثمنه عشرات آلاف الضحايا، فكان اتفاق حميميم. وقد تم توقيعه في 26 آب/أغسطس 2015، وبموجبه تمنح سوريا لروسيا حق استخدام مطار حميميم ومرافقه "مجّاناً"، كما يتضمن إعفاءات جمركية وضريبية وحصانات واسعة للأفراد والممتلكات الروسية. والاتفاق غير محدد المدة عملياً (يبقى سارياً ما لم ينهِه أحد الطرفين). وفي 18 كانون الثاني/يناير 2017، تم التوقيع على اتفاق مكمّل للاتفاق السابق، فصّل الحصانات والاختصاص القضائي وحدّد الممتلكات الممنوحة للاستخدام في حميميم.
وفي التاريخ نفسه (18 كانون الثاني/يناير 2017) تم أيضاً التوقيع على اتفاق توسيع نقطة الإسناد للبحرية الروسية في طرطوس، مدته 49 سنة قابلة للتمديد تلقائياً لفترات لاحقة، كل منها 25 سنة. وبموجبه يمكن تواجد 11 سفينة روسية في وقت واحد، بما فيها السفن التي تعمل بالطاقة النووية، كما يقرّ الاتفاق حصانات واسعة للموقع والأفراد.
أما ملف الدين الروسي على سورية فهو ملف معقد وغامض جداً. والواضح هو أن روسيا شطبت في أيار/مايو 2005 مبلغ 9.782 مليارات دولار من أصل 13.4 مليار دولار (ديون سوفييتية)، وتم الاتفاق على هيكلة الباقي (3.6 مليارات دولار). أما بالنسبة للديون الجديدة بعد عام 2011، فالثابت هو ما أعلنته وزارة الدفاع الروسية عام 2018، بأنها سلّمت إلى سوريا نحو 1.55–1.61 مليون طن من الشحنات عبر 424 رحلة بحرية و2,785 رحلة جوية منذ بدء العملية الروسية في أيلول/سبتمبر 2015 حتى 2018. فيما ذكرت مصادر صحافية روسية أنه بين عامي 2013 وأيلول/سبتمبر 2015، نُقل بحرياً حوالي 185,500 طن من الأسلحة والذخائر والوقود وقطع الغيار وغيرها.
لكن ما يُعد أكثر خطورة هو ملف الحصانة الشائك والمثير للجدل، فالاتفاقيات التي سيلتزم بها الشرع تعتبر أفراد "المجموعة الجوية" الروسية محصنين من الولاية الجنائية والمدنية والإدارية السورية على أفعالهم أثناء الخدمة. ويتوجب عليهم "احترام القوانين والعادات" السورية، لكن الملاحقة أو المحاكمة هي من اختصاص روسيا لا المحاكم السورية. كما أن المنشآت وميادين الانتشار الروسية في حميميم وطرطوس غير قابلة للدخول أو التفتيش من أي جهة سورية من دون موافقة القائد الروسي. والطائرات والسفن والمركبات الروسية لا يتم تفتيشها ولا تُحتجز، والوثائق والأرشيف ووسائل الاتصال الروسية مصونة وغير قابلة للمساس. أما الأضرار الناشئة عن نشاط القوات الروسية، فتُعالج بموجب الترتيبات الثنائية، مع قيود على مسؤولية الجانب الروسي أمام القضاء المحلي.
من هنا، تبدو عبارة "الالتزام بجميع الاتفاقيات" تُلقي بظلال الشك والريبة على مستقبل سوريا، الذي يبدو أنه لم يعد مهماً بقدر أهمية بقاء الحكم بأي ثمن، حتى لو استُبيح ما تبقى من السيادة السورية.