آموك ومحنة التماهي في الحب

الحبكةُ التي تقومُ عليها رواية "آموك" لستيفان زفايغ هي الحب، وهذا ما يتضحُ من المفردة التوضحية للعنوان "سعار الحب".


زفايغ يميلُ في بناء رواياته إلى التكثيف والمتانة في الحبكة والاستبطان 


مشهد الليل بنجومه المتوهجه وسمائه الصافية يأخذ مساحة من الوصف

الحبُ بقدر ما يبدو بسيطاً وهو مثل النظر إلى السماء أثناء النهار حسب رأي إيرنان ريبيرا ليتيليير، يرافقهُ الشعورُ بالسعادة، وإنْ كانت مشروطةً بوجود الآخر، فإنَّه غامض لدرجة تثيرُ القلق بشأن العوامل التي تحركُ هذه العاطفة، وأحياناً ينساق المرءُ وراءَ إرغاماته مُغامراً بكل ما يؤسسُ لخصوصيته. ألم يقل تشيزاري بافيزي بأن الحب سبب للانتحار كون الحب يكشفُ عري الإنسان وبؤسه ويظهره أعزل وسط العدم. 
ربما رأي الشاعر الإيطالي يكونُ مدخلاً مناسباً لقراءة الرواية القصيرة "آموك" للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ، فالحبكةُ التي يقومُ عليها العملُ هو الحب، وهذا ما يتضحُ من المفردة التوضحية للعنوان "سعار الحب" إذن فإنَّ محتويات الرواية تفصيل لارساليات العتبة الأولى. ومن المعلوم أنَّ زفايغ يميلُ في بناء رواياته إلى التكثيف والمتانة في الحبكة والاستبطان على المستوى النفسي لدى شخصياته كما لا يدعُ المكان غائماً بل غالباً ما ينطلقُ الحدثُ من فندق أو شقة أو ميدان الخيل أو ربما على متن السفينة، مثلما تجدُ ذلك في "لاعب الشطرنج". كذلك بالنسبة لـ"آموك" فإنَّ الباخرة الراسية في نابولي قد تحولت خلال الرحلة إلى منصة لرواية الشخص الذي عاش تجربةً عاطفية عميقة.
ويشيرُ الراوي الذي يتنقلُ إلى موقع المروي له في المقاطع اللاحقة إلى وقوع حادثة غريبة في ميناء نابولي مع أن الصحف استفاضت في الحديث عنها غير أنَّ كل ما طاف على صفحاتها قد لا تفيد كل الحقيقة، لذا فإنَّ ما يقدمه الراوي يكونُ بمثابة شهادة أقرب من حادثة مارس 1912 .

الطبيب لم ينجحْ في إنقاذ حياة المرأة لكن تمكن من حماية سرها وتفادي جثمانها من التحقيقات

قصة عائمة
بعد ما يشير إلى ما يقومُ عليه متن العمل يسترسلُ الراوي في الحديث عن رحلة عودته من الهند إلى أوروبا، إذ يرصد الأجواء على متن الباخرة لافتاً إلى أن الازدحام قد حرمه من لحظة الهدوء، وفيما أراد الإنهماك في القراءة كانت حركة المارة تقطع عليه متابعة الفكرة إلى أن يتمكن من التصالح مع هذا الصخب، وأعجبه تأمل البحر والناس. ومن ثمَ ينجحُ الراوي في الالتفاف على الوجوه التي تشبع منها ويهرب من قهقات النساء ومعزوفات رديئة، وذلك عندما اختار في منتصف النهار النزول إلى مقصورته وهو ثمل ليتمكن من النوم، بينما كان يمضي الركاب هذا الوقت في الرقص وتناول الطعام، وحين توقفت الحركة على الباخرة صعد الراوي إلى السطح، وبذلك اكتسب فضاءً هادئًا.
هنا يأخذ مشهد الليل بنجومه المتوهجه وسمائه الصافية مساحة من الوصف وتتخللُ الصور البيانية إلى سبيكة اللغة والحال هذه لا ينقطعُ الراوي عن تأملاته في الأشياء ومعاينة الباخرة وتمخرها في الحقل من الأمواج متذوقاً الهدوء. ويذهبُ الوقت دون أن ينتبه إليه هكذا ينفردُ الراوي بالفضاء مستغرقاً في حواره الداخلي قبل أن يتناهي إلى مسمعه صوت السعال وينتزعه من أحلام اليقظة، فبالتالي ينضم صوت آخر إلى شريط السرد غير أنَّ ذلك ليس مجرد زيادة في العدد بقدر ما هو مؤشر إلى التحول في مضمون القصة وصيغتها بآن واحد حيثُ ينصرفُ الاهتمام إلى الشخصية المنعزلة عن الحشود المسافرين. 
واللافتُ أن في اللقاء الأول لا يتبادلُ الاثنان سوى كلمات موجزة، لكن قبل أن يمشي الراوي سمع الرجل يطلبُ منه أن لا يخبر أحدا بوجوده على الباخرة، موضحاً أن هناك أسباباً شخصية لعدم مخالطته الناس. وهذا ما يصعدُ من التوتر الدرامي في النص ويزيدُ رغبة الراوي لمعرفة أسرار هذا الشخص المتواري عن الأنظار.
حاول البحث في لائحة أسماء المسافرين علّه يجدُ اسما يكون اسمه وما انفك يفكر في هذا اللغز على امتداد اليوم، وفي الليل لم يمض كثيرا من الوقت في النوم نهض لمتابعة الرجل، وما أن يلتقي به مجدداً حتى ينتظم الحديث بين الاثنين بعد عبارات مجاملة، وما يلبثُ الرجل طويلاً إلى أن يلمح إلى سره المكتوم، ورغبته للحديث عنه مضيفاً إلى أنه طبيب، ومن شأن العاملين في هذا المجال مصادفة حالات فظيعة ومن ثمَّ يتساءل هل يجب على الطبيب أن يكون متعاوناً وطيباً ونبيلاً؟ إذن يمسكُ الرجل بحلقات السرد متصدراً المشهدَ.
أرض الأحلام
كانت بلاد الهند بمنزلة أرض الأحلام بالنسبة للإنسان الأوروبي، لذلك فمن الطبيعي أن يصبحَ السفرُ إليها مشروعاً للمتطلعين إلى الاكتشافات والعجائب المخبوءة، ومن جانبه أراد الطبيب الاستفادة من وجوده في الهند، ويبدأُ بدراسة اللغات وقراءة الكتب المُقدسة وإنجاز البحوث عن الأمراض واكتساب الخبرة عن روح السكان الأصليين. لكن ما عاشه خلال سبع سنوات كان واقعاً مًختنقاً إذ لا يتحملُ الوافد من المدن الكبيرة ذلك المناخ القاتم، لذا يهربُ منه الأوروبيون بالإسراف في الشراب أو الأفيون أو بالإنتحار.

novel
تحصن بعزلته مقاطعاً مواطنيه الأوروبيين

ما يردُ ضمن اعترافات الطبيب هو تورطه في حب امرأة وأخذ من أجلها الأموال من صندوق المستشفى الأمر الذي كلّفه نجاحه المهني وضرب بمشروع لقاحه عرض الحائط. مشيراً إلى أنَّه كان لعبةً بيد النساء القويات. وجد فيما أعلنته الحكومة الهولندية عن انتداب الأطباء وإرسالهم إلى المستعمرات فرصة لتعويض خسارته.
هناك تحصن بعزلته مقاطعاً مواطنيه الأوروبيين، ولم يفعل شيئاً سوى الانتظار. كان ينتظر انتهاء خدمته والعودة إلى أوروبا، هكذا كانت تمضي الأيام رتيبة إلى أن دخلت امرأة إلى حياته متوددة إليها مبديةً إعجابها بالعناوين الموجودة في مكتبة الطبيب منها "التربية العاطفية" لـ فلوبير. يدور الحوار بين المرأة والطبيب عن الكتب والمرض إذ يفهم الطبيب من خلال تأكيدات السيدة عن عدم إصابتها بالأمراض الإستوائية والحمى الغرض من زيارتها، فهي بخلاف غيرها من النساء لا تتوسل ولا يبدو عليها الخجل. يخبرها بأن ما تطلبه يكون خطراً للطرفين وأن القانون يمنع الإجهاض وعندما يسأله عن سبب اختيارها له وما منها إلا أن ذكرت أنه يعيش في العزلة وطبيب جيد ناهيك عن عدم بقائه في هذا البلد.
وما يستغربهُ الطبيب في تلك المرأة لهجتها غير المساومة ورفضها التوسل أو القبول بصفقة مع الطبيب بموجبها يستمتع بمفاتنها الجسدية مقابل تخلصها من الجنين. عليه اعترف الطبيبُ بأنه مجنون بالمرأة وملاحقاً إياها إلى المدينة، إذ يزدادُ إعجابه بالمرأة الفاتنة عندما يراها في قاعة القصر الحكومي ترسل تحياها إلى هنا وهناك.
يتبدلُ موقف الطبيب، كل ما يريده هو إنقاذ حياة المرأة وحمايتها من الشبهة قبل عودة زوجها. وكان ذلك الواجب هو ما يربطه بالحياة حسب قوله. تجازفُ المرأة وهي تلجأُ إلى إحدى الصينيات لأنها تحافظ على السرية، وحين يصلُ الطبيب يقع نظره على جسد المرأة الشاحبة، لا تقبل الذهاب إلى المستشفى تفضل الموت على أن يفشى سرها.
لم ينجحْ الطبيب في إنقاذ حياة المرأة لكن تمكن من حماية سرها وتفادي جثمانها من التحقيقات.
أخيرا تنتهي الرواية بالتدوير، يعود الراوي الأول إلى الحدث الذي وقع في ميناء نابولي، ولفت انتباه الجميع ففي أثناء إنزال نعش سيدة هولندية من الباخرة إلى الزورق انزلق النقش وتهاوى جسم غريب فجأة من الباخرة ساحباً معه الزوج وحامل النعش إلى الماء، ويتم انقاذ الاثنين بينما يختفي النعش والجسم الغريب في البحر.
ومن نافلة القول الإشارة إلى أن ذلك الجسم الغريب لم يكن إلا الطبيب، وبذلك ينطبقُ عليه مدلول كلمة آموك التي يشرحها المترجمُ في المقدمة.