أبوخنيجر يبوح بتأملاته الشخصية في حال الكتابة

الكاتب وحيدًا على صخرة في صحراء وحيدة، مهملة ومنسية إلا من سرابها وخلقها المتجدد في كل لحظة.


في كل كرة كنت أرى ما لم أره في المرة الماضية


الحكاية القديمة لم تجد لها مأوى في متون الأوراق الصفراء

قال الكاتب الروائي أحمد أبوخنيجر: أوقفني شيخي عند مفترق الطرق، قال: انظر ماذا ترى؟ ولما كنت عارفًا بحيله وأن قصد السؤال في غير ظاهره، رحت أتدبَّر حالي وأتبصر الدروب التي على قدميَّ أن تدب فيها، وكنا قد قطعنا صحراء هائلة من التوجس والعطش، وما بانت لي آيته التي ينتظر؛ قلت: أرأيت حين أوينا إلى صخرة، والوقت غروب والذئاب ترعى في الوادي الفسيح تحت أقدامنا وسألتك عن يقين الروح لحظة البوح، فراوغت كما جرت عادتك، غير أنى لم أمسَّك بل رميت ببعض الزاد لذئب قريب وأخرجت وريقات كانت معي ورحت أنقش عليها ما تيسَّر على وقع الزمجرة القاسية، ورأيتك كالشيخ العجوز في البحر وقد أحاطت به القروش، لم تكن تنظر ناحيتي، بل سادرًا في أغنية لا يصلني منها سوى دندنة مبهمة، فانصرفت إلى أوراقي وقد عرفت أنك داخل لتبدُّلك، وأن وقع ما سأرى هو ما يخصني وحدي ويجسد بعضًا من أوهامي وبعضًا من أحلامي، وقليلًا من يقيني.
ويستمر أبوخنيجر في شهادته الأدبية في الجلسة التي ترأسها الكاتب الجزائري واسيني الأعرج ضمن جلسات ملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي بالمجلس الأعلى للثقافة، مضيفا: وكان ما كان حتى هاجت ذئاب الوادي، فقلتَ: آيتي، وأنا طويت أوراقي ووضعتها بجيبي، وسرت صامتًا تتفحَّص النواحي: بحرًا، جبلًا، نهرًا، سرابًا، أحلامًا، هوامَّ، وحوشًا، بيدًا، وحياةً مرت كأنها ومضةٌ، وحياةً طالت كأنها دهرٌ، ورفة جفنٍ خفقت لها أرواح، ورفة ثانية أزهقت أرواحًا. حتى أوقفتني على المفترق، وما رأيت إذ رأيت إلا طريقًا معبَّدةً مهندَسةً تظللها الأشجار والروائح، يبدو كل شيء بها واضحًا وناصعًا، باطنه يماثل ظاهره فعافته نفسي، وبدت الطريق الوسطى كسابقتها غير أن باطنها يخالف الظاهر منها، أو العكس، ينقلب ظاهرها إلى باطنها فعافتها روحي، بدت ثالثة الطرق موحشًا، غابة متشابكة بلا معالم، لا ظاهر منها يبدو ولا باطن، قريبة وقصية في ذات الوقت، لم يكن واضحًا أبحرٌ هو أم سرابٌ أم بحرٌ بلا حد، أم صحراء بلا نهاية؛ وتبلبلت روحي ولم تقوَ على الحسم، فالتفتُّ إليك كي أنقل هواجسي، فقلتَ: وما آيتك؟ فقلتُ: غزالة السراب.
ويبصر أبوخنيجر أخرى فيذكر رؤية الصبا الباكر ويقول:

ملتقى القاهرة للإبداع الروائي
الطرق تزدان وتزين نفسها لي

على صخرة أجلس مراقبًا الخلاء الوسيع الذي تفرضه الصحراء، قبضة من وهج تنحو للجحيم المطلق، وعيل جرَّته المخيلة لسن الجبل غير عابئ بالتهديدات ولا العلقة الساخنة التي في انتظاره، ما يربكه في تلك اللحظة هو مراقبة التحولات التي تخطها الكائنات فوق أديم الصحراء الملتهب، جيوش تتقدم وجيوش تتأهب للدفاع، والجنود من كل الأشكال والألوان وبكل التداخلات والتمازجات خالقة أشكالًا جديدة لحيوانات أسطورية سيتعرف عليها الغلام فيما بعد، لكنها الآن في وعيه تحمل كل الرعب الذي لا قِبل للكون بأسره أن يجابهه.
أحمد أبوخنيجر وحيدًا على صخرة في صحراء وحيدة، مهملة ومنسية إلا من سرابها وخلقها المتجدد في كل لحظة تتراءى لعين الصبي القابض على أنفاسه وحواسه المتيقِّظة في ألا يفوته شيء من المشهد العارم؛ كان النيل بعيدًا في تلك اللحظة بالكاد يلمح سطحه المستوي دون شرد تحركه رياح الصيف الصامتة، هل كان يراه، أم هو ذكرى في خياله فقط؟ غير أن المياه التي نبتت بعيدًا لم تكن كافية لطمأنته، فسرعان ما تبخرت كاشفة عن الهول العظيم الذي عليه أن يتابع تبدُّلات فصوله دون سند من أحد ينير له تقلبات السراب، أو يقنع الشمس أن تخفف من جنونها في وقدة الظهيرة، لم تكن يده الصغيرة قادرة على حماية وجهه وعينه من اللهيب، بقدر بؤسها وهي تحاول أن تستعيد تفاصيل المشهد البعيد القابع الآن كطيف مر بصبي ترك صحبته وراح يصعد مرتقاه وحيدًا.
ويشير الروائي قائلا: الحكاية القديمة لم تجد لها مأوى في متون الأوراق الصفراء ففرت من فم جدته إلى الصحراء وحطَّت بكل كيانها أمامه، وكانت غزالة تمر قاطعة بحر السراب المتلاطم بالوحوش والعماليق غير ملتفتة إلا لجمالها الباهر الأخّاذ، والذي أجبر الجيوش على الانفصال والإفساح لها كي تمر متأملين الجمال الطاغي الذي نبت فجأة وسط هذا القبح والضجيج وسكون الصحراء، في المنتصف توقفت والتفتُّ نحو الصبي، أكانت تشير إليه، أم تدعوه كي يلحق بها، وهو الذي لم يدرك بُعد الحكاية بَعد؟ وظن الحكاية قد خطفته بداخلها فصار واحدًا من شخوصها، أو أن لهيب الصخرة في قدميه العاريتين أفقده القدرة على التمييز، أغمض عينه لحظة كي يستفيق، وحين فتحها كان المشهد قد تغير برمته، تلفت بحثًا عن عيون الغزالة والسراب والجيوش والوحوش، وخاف أن يكون قد غفا أو أن الحكاية قد التفَّت من وراء ظهره، فتساند على كفيه واستدار فلم يجد نيلًا ولا نخيلًا ولا بيوتًا لقرية كان يسكنها ويتجول بين دروبها ويقابل رفقته من عصبة كانت تسمي نفسها وحوش الفلا، شاركهم كثيرًا في غاراتهم المتوجة بالخيبة والضحكات الهازئة، كل ما يعرفه قد اختفي وحل الخلاء الفادح للصحراء وزئير هائج ينبت من قلب عاصفة تزحف مقتربة ببطء منه. 

شهادة أدبية
يقرأ شهادته الأدبية

ويوضح أنه بعد نجاحهم في اقتناص عدد من السجائر، مما عدته العصبة فوزًا يضاف إلى مغامراتهم وكونهم أصبحوا رجالًا قادرين على فعل ما يريدون حتى وإن كان عليهم أن يدخنوا سجائرهم مستخفين من العيون في مغارة، كانت سحب الدخان تتصاعد متلكئة على الجدران الصخرية مكونة لمحة من معركة دارت خلف الجبل استعادها الصبي وقرر أن يقص ما جرى لكن بتعديل بسيط، فقد أوعز لرفقته أن ما سوف يحكيه هو إعادة لحكاية سبق أن سمعها من عابر شبه مجذوب، واستفتح الحكي بعيون الغزالة فتأوَّه البعض ودخل شراك القص طائعًا، وعبر الجيوش المتقاتلة كان قد أحكم قبضته على سمعهم وأرواحهم ووجدانهم فكانوا يستزيدونه وهو لا يدرك حتى الآن ما الروح التي تقمَّصته في الحكي غير أنه يدرك أن شيئًا هائلًا يسكنه، ولا بد لأحد أن يسمعه؛ أن ينصت لصحراء تريد أن تتشكل وفق إرادتها، كنبتة تخاصر ريحًا رخية وترقص على مهل على وقع نسغها الداخلي مكونة مع إيقاع الريح لحنًا بدائيًّا حوشيًّا يخصها بين ألحان الكون المتعددة.
قلتَ: الطرق أمامك، فانظر أيها تختار، فأعدت البصر كرة وراء كرة فما انقلب إليَّ البصر كسابقه، في كل كرة كنت أرى ما لم أره في المرة الماضية، غير أن روحي لا تزال تنتظر آيتها، والطرق تزدان وتزين نفسها لي، بيد أن الثالثة ظلت على تجهمها وغموض عوارضها، فرحت أدقق فيها وأزينها لروحي فيردني خوف وتوجس غامض، وشيخي كمن يحادث ذاته يتلو حديث شق الصدر وكنت أعرف خاتمته، وأن الأقدام والأرواح تعبد طرقها الخاصة، فدققت بصيرتي فرأيت غزالة السراب قادمة من ثالثة الطرق، ففتحت عيني، ورأيتني وحيدًا ولا أثر لشيخي وحماس يدفع روحي للحاق بالغزالة، فخطوت باتجاه الثالثة ومن خلفي تأتيني زمجرة الذئاب.