"أجاتا" رواية انفصام الشخصية

آن كاترين بومان تقدم روايتها الأولى "أجاتا" أو "البيت" التي فازت بالجائزة الدولية للكتابة عن الحب عام 2019، انطلاقا من واقع عالمها وشخوصه وأحداثه.


الرواية تسعى للكشف عن أغوار النفس الإنسانية في مواجهة الحياة بتقلباتها في الشباب والشيخوخة


مواجهة بين الطبيب الذي يبلغ من العمر 72 والشابة التي لم تتجاوز الثلاثين عاما


تحديات نفسية تدفع نحو أفق جديد للحياة

تقدم الروائية الدنماركية آن كاترين بومان روايتها الأولى "أجاتا" أو "البيت" التي فازت بالجائزة الدولية للكتابة عن الحب عام 2019، انطلاقا من واقع عالمها وشخوصه وأحداثه، فتخصصها في علم النفس ساهم بشكل أساسي في معالجتها لشخصيتي روايتها الطبيب والمريضة ولموضوعها الأساسي "انفصام الشخصية".. لذا فنحن أمام عمل يسعى للكشف عن أغوار النفس الإنسانية في مواجهة الحياة بتقلباتها في الشباب والشيخوخة، إذ تأتي المواجهة في الرواية بين الطبيب الذي يبلغ من العمر 72 والشابة التي لم تتجاوز الثلاثين عاما. لنرى التحديات النفسية التي تواجه كل منهما وقدرة كل منهما على الدفع بالآخر نحو أفق جديد للحياة.
الرواية التي صدرت عن دار صفصاصة بترجمة كل من شيرين عبدالوهاب وأمل رواش، تدور أحداثها حول طبيب نفسي يبلغ من العمر 72 عامًا يقوم بالعد التنازلي للأيام حتى يبلغ سن التقاعد. يعيش بمفرده في منزل طفولته وليس لديه أصدقاء ولا عائلة. إنه مرهق ولا يبالي بأي شيء يجري حوله لدرجة أنه بالكاد يستمع إلى مرضاه. غالبًا ما يلجأ إلى رسم رسوم كاريكاتورية للطيور لمرضاه بدلاً من تدوين الملاحظات. 
يلتقي الطبيب بتلك الشابة الألمانية التي تصر على الخضوع للعلاج معه فيحدث أن تقلب حياته رأسا على عقب. ومن جلسة علاجية إلى أخرى سرعان ما يدرك أن تحت مظهرها الخارجي الهش تقبع امرأة قوية ورائعة. يجري الطبيب جلسات علاجية لـ "أجاتا" ويخضعان معًا لدورة علاجية، فيكتشفان الكثير عن نفسيهما وعن الأمراض النفسية وخاصة الفصام، وتنشأ بينهما علاقة معقدة جدا تجبر الطبيب على مواجهة خوفه من معرفة العالم خارج عيادته وتغير في النهاية نظرته للحياة. 

novel
المرايا الخاوية

نماذج من الرواية
إذا تقاعدت عند سن الاثنين والسبعين فلن يتبقى لي سوى خمسة أشهر عمل فقط لا غير أي ما مجموعه 22 أسبوعًا، وإذا جاء جميع مرضاي إلى العيادة فهذا يعني أن المتبقي من الجلسات هو 800 جلسة بالضبط. أما إذا قام أحدهم بإلغاء موعده أو أصابه المرض، فسوف يصبح الرقم الإجمالي بالطبع أقل. وهذا الاحتمال جعلني أشعر بنوع من الراحة، بالرغم من كل شيء.
***
كنت أجلس في غرفة المعيشة وأطل من النافذة عندما حدث التالي: سقطت شمس الربيع على سجادتي فشكلت أشعتها أربعة مربعات متداخلة، تتحرك فوق قدمي ببطء ولكن بثبات. وبجواري كانت هناك طبعة أولى مغلقة من رواية «الغثيان» التي كنت أحاول قراءتها منذ بضع سنوات ولم أفلح. كانت ساقا الصبية رفيعتين وشاحبتين، وكنت مندهشًا لأنهم سمحوا لها بارتداء فستان في هذا الوقت المبكر من العام. كانت قد رسمت ملعب حَجْلة على قارعة الطريق وكانت تقفز بتركيز عميق على ساق واحدة ثم على الساقين، قبل أن تعيد الكَرَّة مرة أخرى. وقد انسدل شعرها على جانبي رأسها عل شكل ذيلي حصان، ربما كانت في السابعة أو نحو ذلك، وتعيش مع والدتها وأختها الكبرى بالمنزل رقم 4 الكائن في نهاية الطريق.
إذا ظن المرء أنني نوع من الفلاسفة الذين يجلسون عند النافذة طوال اليوم يتأملون أشياء أهم بكثير من الحَجْلة ودوران الشمس حول الأرض، فالأمر لم يكن كذلك. إنما حقيقة الأمر أنني كنت جالسًا هناك لأنه لم يكن لدي شيء أفضل أقوم به. ولعلي كنت أجد شيئًا يؤكد الحياة في هتافات الإعجاب المبتهجة بالنصر التي كانت تتدفق داخلي وأنا أشاهد الفتاة تنفذ مجموعة مؤتلفة من القفزات لا سيما المعقدة منها.
وفي مرحلة ما من اللعبة ذهبت لعمل كوب من الشاي. وعندما عدت إلى مكاني كانت قد غادرت المكان. وفكرت في أنها على الأرجح قد ذهبت إلى مكان آخر لتنضم إلى لعبة بها مزيد من التسلية. وها هو الطباشير والحجر قد تُرك على قارعة الشارع.
في هذه اللحظة جرى ما جرى. فبمجرد أن قمت بتثبيت الكوب على حافة النافذة كي يبرد وفرَدت دِثار على ركبتي حتى لاحظت شيئًا بالخارج يسقط في مجال رؤيتي. فما أن تنامى إلى أذني صرخة حادة حتى أخذت أقنع جسدي المتيبس أن يقف على قدميه. فلما تقدمت من النافذة رأيتها قد استلقت هناك على الطريق عند الممشى المؤدي إلى البحيرة إلى اليمين مني، تحت سفح شجرة رأيت على أحد أغصانها قطة تهز ذيلها. وأسفل الشجرة، اعتدلت الفتاة واتخذت وضع الجلوس ثم أسندت ظهرها إلى جذع الشجرة وهي تمسك بكاحلها وتنتحب.
سحبت رأسي للخلف. هل ينبغي أن أذهب إليها؟ لم أتحدث إلى أي طفل منذ أن كنت طفلًا، وهذا بالكاد يدخل في الحسابات. ألن يزيد غضبها أن يظهر رجل غريب فجأة ويقترب منها ويحاول أن يطيب خاطرها؟ ومرة أخرى اختلست نظرة إلى الخارج. كانت لا تزال جالسة على العشب وقد رفعت وجهها الملطخ بالدموع وأخذت تحدق في نهاية الطريق، متجاوزة منزلي. وأفضل شيء أن ما من أحد رآني وإلا كانوا سيقولون بعضهم لبعض: أليس هذا هو الطبيب؟ لماذا يقف ويحدق هكذا؟ لذلك أخذت فنجان الشاي وذهبت إلى المطبخ، وجلست إلى الطاولة. وعلى الرغم من أنني قلت لنفسي إن الفتاة سرعان ما ستنهض وسوف تمشي إلى منزلها وهي تعرج وإن كل شيء سوف يسير على ما يرام فقد بقيت جالسًا هناك في مطبخي مثل الهارب، بينما أخذت الساعات تمر بي. بات الشاي باردًا وغائمًا، وهبط الظلام قبل أن أتسلل أخيرًا إلى غرفة المعيشة، وأخفيت نصفي خلف الستار، وأخذت أحدق في اتجاهات شتى من الطريق. وعندئذ وجدتها بالطبع قد اختفت.
***
في صباح أحد الأيام كنت مستلقيًا تحت لحافي الدافئ، أحدق في شبكة التشققات الدقيقة التي بالسقف بينما كنت أناور اليوم التالي. كنت سأقابل خمسة مرضى، وخطر على بالي أنه في تلك اللحظة الدقيقة لم يكن لدي أي فكرة عن العدد الإجمالي المتبقي من المرضى الذين سوف أجري الكشف عليهم.
وفي المطبخ قمت بتسخين الماء في الغلاية. أحضرت من الدرج كيس شاي من نبتة "الراوَنْد"، كنت أستنشق رائحتها وأصب الأوراق السوداء في مصفاة. كان جاري مستيقظًا. وكان يغلي الماء أيضًا، بعد ذلك بوقت قصير سمعت أزيز غلايته المميز عبر الحائط. ثم رميت ورق الشاي، وقمت بصب الحليب في الكوب وتناولت وجبة فَطُور سريعة على طاولة المطبخ. في هذه الأثناء تساءلت كيف يتأتى لرجل أصم أن يعزف على البيانو. ربما كان يسمع في مرحلة من حياته؛ كان عليّ أن أسأله ذات يوم، إذا تجرأت 

novel
الرواية الأولى

وفعلت.
قالت: “صباح الخير يا سيد”.
لقد كنت سعيدًا جدًّا برؤيتها. ولأول مرة في حياتي أمسكت بكتفي سكرتيرتي بطريقة تشبه إلى حد ما العناق.
هتفت قائلًا: "من الرائع أن تعودي، عدتِ، أليس كذلك؟".
ابتسمت السيدة "سورجو" ابتسامة حيية، وكل بوصة في وجهها تبدو وكأنها شابة تتلقى الإطراء لأول مرة.
أجابت: "أظن أنني عدت، لم يعد لدي المزيد لأقوم به في المنزل، لذا فقد حان الوقت".
ثم تناولت عصاي ـ أصبح الجو الآن دافئًا للغاية لدرجة لا تدعو لارتداء معطف، حتى بالنسبة لي، ووضعت قبعتي على الرف.
قالت بصورة مرتجلة وهي عائدة إلى مقعدها: "لقد تجرأت وتجاوزت الحدود وأضفت مريضة جديدة إلى جدول المواعيد".
صحت فيها قائلًا: "مريض جديد؟ أوه، أحقًّا فعلتِ!؟".
قالت وهي تتجه نحوي: “إنه هراء، بالتأكيد أنت لا تنوي التقاعد؟”.
كانت تنظر إليَّ بحدة لدرجة أنني ترددت. لم أجد أبدًا إجابة شافية عن الأسئلة التالية: فيم سأقضي الوقت بمجرد أن أتوقف عن العمل؟ كان العد التنازلي نهاية في حد ذاته، وماذا بعده؟ لا شيء سوى المرايا الخاوية.
ومع ذلك، ومن حيث المبدأ رفضت الاعتراف بسرعة بأنها كانت على حق. بعثت لها ما كنت أتمنى أن تكون نظرة خاطفة وقلت: "ينبغي أن تستشيريني قبل اتخاذ هذه القرارات، يا سيدة سورجو، أنت تعرفين ذلك جيدًا. هذا ببساطة لن يحدث".
لم يبدُ عليها أدنى شعور بالذنب.
قلت: "سوف أنظر في الأمر وسأرد عليكِ عندما أعود بعد ظهر هذا اليوم". 
ويعود الفضل إلى سكرتيرتي في أنني بالكاد أستطيع رؤية الارتعاش البسيط حول فمها عندما أومأتْ وجلست على عرشها.
تم استعادة الحد الأدنى من النظام البسيط على المكتب العظيم، وبدأت السيدة سورجو في الكتابة على الآلة الكاتبة بسرعة مخيفة، وعيناها مثبتتان على الأوراق أمامها.