أسماء عبداللاوي ووميض الخزف

لعبة التشكيل تبتكر تواصلها وإيقاعها وخطابها وتشير إلى الآفاق تعلي من شأن الكائن وهو يعدد رؤاه.


بهاء الخزفيات وأعمال في أناقة فنية ورشاقة جمالية ورفعة الخطاب في الأشكال


رغبات شتى منها رغبات الفنانة وهي تدعك طين شؤونها وشجونها نحتا للممكن وللقيمة

كالطفولة الأولى يمضي الفن بكثير من براءة الأشياء والأفعال حيث الإقامة في الحلم ضمن حالات من النظر بعين القلب لا بعين الوجه. إنها فكرة السفر الدفين إلى عوالم من الدهشة هي بمثابة الترجمان للدواخل وشواسع الأحوال. وهل ثمة أحوال خارج أرض الفنان هذا الناظر تجاه ذاته والآخرين معلنا نشيده العالي تجاه الخراب. الفن إلماعة باذخة قبالة لعبة السقوط المدوي للقيمة، للإنسان وللجميل الكامن في هذه الذات الأمارة بالإبداع والعلو والتحليق عاليا مثل طيور من ذهب الأزمنة.
الفن عناوين وتلوينات شتى تذهب بالمهج تقول ببلاغة الأشياء. نعم العناصر تشكل هيئاتها على إيقاع الرغبات. رغبات شتى منها رغبات الفنان وهو يدعك طين شؤونه وشجونه نحتا للممكن وللقيمة ولما به تستقيم الكائنات منشدة حلمها الموعود في فخار هائل.
إنها لعبة التشكيل تبتكر تواصلها وإيقاعها وخطابها وتشير إلى الآفاق تعلي من شأن الكائن وهو يعدد رؤاه، وهنا نعني هذا الدأب في كون الفن الشفاف الذي يمضي إليه الفنان وفي قلبه شيء من خزف الحال.
هكذا نسافر ببهاء وبذخ في عوالم فنانة تشكيلية رأت في الفن لون قول بالذات وضربا من البوح وحيزا من شجن الكينونة. هي المعانقة لفكرة حالها في حلها الفني وترحالها الجمالي. تجوب شوارع الروح تبتكر أشكالها في نهج من التشكيل الخزفي لتضعنا أمام النور. نسيج آخر في تجريدية أنيقة فكأننا أمام بانوراما من بقايا فعل الأنامل في طين مدعوك يقول شهقاته. ترسل النظر وتعيد فعل ذلك تجاه مختلف الأعمال لتلمح ما يشبه الوميض. إنها أصوات الطين وموسيقى الأشكال ووميض الخزف.

فن تشكيلي
في معرض الخزف

نعم الخزف يقول إيقاعه هنا وهو إيقاع الفنانة أسماء عبداللاوي الفنانة التشكيلية والدكتورة في مجالها العلمي والبحثي الذي انتهى بها إلى كون مفتوح من البحث والدأب. الفن دأب وطريق غير آمنة إذا تخير الفنان المغامرة والذهاب خارج المألوف والمعهود. أسماء عبداللاوي تخيرت تقديم حيز من أعمالها ومنجزها الفني وفق عنوان هو "وميض الخزف" وذلك ضمن معرض شخصي متواصل بقاعة علي القرماسي بالعاصمة. 
هذا المعرض يأتي بعد مشاركات وطنية ودولية في معارض وعدد التظاهرات التشكيلية بين البيانال والسمبوزيوم والمهرجان على غرار مهرجانات دولية بالمحرس وسطيف وخنشلة بالجزائر. هذا المعرض زاره عدد من الفنانين والنقاد والجامعيين وأحباء الفنون الجميلة لنذكر الحبيب بيدة وسامي بن عامر وعلي الزنايدي ومحمد المالكي وأصدقاء الفنانة الدكتورة أسماء عبداللاوي.
17 عملا فنيا ازدانت بتوهجها قاعة علي القرماسي ومن العناوين نذكر "جذع من معدن ورأس من نار" و"امرأة النار" و"فتوحات" و"حضن اللون" و"تلاحم" و"توهج" و"تشابك" و"عنقود الضوء" و"ملاحم". كل ذلك بتقنيات متعددة منها تقنية الفقاعات ومع بريق متنوع  مع الأكاسيد والرصاص وتنوع تلويني.
أعمال غاية في الأناقة الفنية تأخذك إلى بهاء الخزفيات ورفعة الخطاب في الأشكال التي كأنها تقول شيئا من ذات الفنانة أسماء في إيقاعات مختلفة يجمع بينها ما هو رشيق في قول جمالي عملت لسنوات على تضمينه في عملها الورشوي وتصورها الفني وحلمها بالنزوع نحو المختلف. إنه الفن يسائل ذات الفنانة وهي تخط طريقها بين حالات فنية متعددة ديدنها العلامة والخصوصية.
تجربة تعي فكرة حالها لتمضي بها في كون تلفه نمطية الأشكال والألوان لتكون لحظة الوميض بمثابة الرجة المضيئة تستنهض الذات والكائن عموما للمضي باتجاه النور والنور هنا عند أسماء يشي بالحرية.. حرية الشكل وبلاغة التشكيل.
معرض مهم يستدعي التوقف عنده تأملا وتأويلا وقراءة عميقة فنحن إزاء فعل تشكيلي دال من حيث الأسلوب والفكرة والخيط الناظم. عنوان دال أيضا "وميض الخزف"، نور الدواخل وما يعتمل في كيان الفنانة التي تواصل هذا النهج بوعي حالم ورغبة فيها الكثير من أسرار الفكرة الخزفية الناعمة.
هذا معرض فردي في فنون الخزف وتقنياته لأستاذة الفنون التشكيلية أسماء عبداللاوي المتحصلة على شهادة الدكتوراه بالمعهد العالي للفنون الجميلة بتونس يقترح على جمهور الفنون ورواد قاعة علي القرماسي منحوتات خزفية بقياسات وأحجام مختلفة ومتفاوتة مصحوبة بجميع محاملها.
عن هذا المعرض تقول الفنانة أسماء عبداللاوي: "... في معرضي هذا الّذي يضمّ مجموعة من الأعمال الخزفيّة المتنوّعة بين منحوت وسطوح ناتئة، أسعى إلى مواصلة البحوث الّتي قمت بها وأنجزتها في بحثيّ الأكاديمييّن رسالة الماجستير وأطروحة الدّكتوراه. ما زالت تلك الهواجس الّتي تحملني إلى الذّاكرة تدفع بي صوب إعلان التّحدّي الكبير الّذي يسكنني. تحدّ واجهه الخزاف القديم ويواجهه الخزّاف الحديث والمعاصر. هو تحدّ السّؤال عن ماذا يمكنني أن أفعل بطينة لزجة، لا تكاد تحتمل التّفتّت حين تجفّ، فأسوّي منها حجما كبيرا حجما يتجاوز حجمي أحيانا أو يوازيه طولا وامتدادا؟ وكيف تكتسي القطعة بطلاء مختلف يعلن حضورها الطّبيعي في اصطناع عجيب ومحبّب لكلّ مبدع صانع؟ 
وتواصلا مع ما أنجزته في مغامرتي الماجستير والدّكتوراه من أعمال تشكيليّة تستمدّ أصولها من محاورة شكل شوكة نبتة الصّبار ارتأيت أن تكون أعمالي هذه نابعة من نفس التّحدّي التّقني والتّشكيلي. وحيث إنني قمت بإنجاز أعمال صغيرة الحجم وكرويّة الشّكل تنطلق منها الشّوكات والشّويكات معا في تجربة الماجستير في بحث عن الشّكل والتّنويع على طرق توظيفه، وبما أنّني واصلت مع نفس الشّكل بروح جديدة في مبحث رسالة الدّكتوراه في الفنون التّشكيليّة، فأنتجت أشكالا ضخمة تتكوّن من أكثر من قطعة ونوّعت عليها وخلقت منها سلاسل تشكيليّة عديدة، رأيت أن أواصل في البحث التّشكيلي منطلقة ممّا تكوّن لديّ من خبرة.    

فن تشكيلي
خزافة استلهمت مما مضى كل ما هو فني وجمالي وإنساني

تأتي هذه الخبرات في التّشكيل عبر الصّفائح والحبال الطينيّة لتعطيني الرّوح الانتصاريّة في التّحدّي، فأضيف لسلاسل أعمالي السّابقة سلاسل جديدة تتّصل معها من حيث المنهجيّة والمسار وتختلف عنها ومعها من حيث نوعيّة المقترح ومنطلقاته الشّكليّة وكذلك مقترحاته اللّونيّة.  
في هذا الإطار تتنزّل أعمال هذا المعرض والّتي تنقسم إلى ثلاث مجموعات هي بمثابة السلاسل. 1 - مجموعة أولى من الأعمال المحجّمة والّتي تنبني على التّفجيج بخلق الفتحات في جسم الطّبقة الطينية إلى درجة يصير فيها الفراغ أكبر نسبة من الامتلاء، وبالتالي تصير القطعة الحجمية الكبيرة إلى حجم مفتوح من جوانبه العديدة. هي فتحات للتّهوية وللإضاءة، لأنّها لن تترك الحجم حجما كاملا، بل تكتفي بالقليل الّذي يفي بحاجة الحفاظ على بنية الحجم. 
إنّه خزف الهشاشة والمغامرة يقوم على المجازفة والمخاطرة في نفس الوقت. مجموعة من الأشكال الحجمية الكبيرة؛ المهوّءة والهشّة، تلك الّتي يصعب الحفاظ عليها أثناء جفافها وقبل إفرانها. كما لو أنّها مشرّبية من الخزف المطليّ، الّذي يساهم بريقه المعدني في فيضان نوره المشعّ من الدّاخل ومن الخارج ومن جميع الأرجاء. أعمال بمثابة الفوانيس الضّخمة، غير أنّها ليست فوانيس ولا شموس، هي طين رهيف وهشّ متماسك.
2 - مجموعة ثانية من الأعمال الّتي تجمع بين أشكال آدميّة وأخرى مضافة إليها، أشكال أنطروبومرفيّة ترحل بنا إلى الحضارات القديمة كالفينيّقيّة والبونيقيّة، تحوّل شكل جسد المرأة من منحوت على آنية للجمال. هنا يتكامل الحاو والمحتو وينتصب النّحتي منحوتا في الطّين وبالطّين. أعمال أردت بها استنطاق جسد المرأة وإضافة العناصر الشّكليّة من الخزف من أجل بناء تشكيليّ يعطي لعلاقة الطّين المرن والطّيع بجسد المرأة فرصة التّشكّل بمثل ما فعل بيكاسو وقبله خزّافو الحضارات الأولى. تجربة في الحجم وفي الطلاءات المعدنيّة المضيئة ببريقها وبتفاعلات المادّة على صفحة الخزف المتشكّل كائنات حيّة تخرج من ماء وطين.
3 - مجموعة ثالثة من النتوءات البارزة استعيد فيها تشكّلات الشّوحة في تربيعات تتكرّر بالاختلاف فهي تتشابه ولا تتطابق. تأخذ من بعضها البعض ولا تتساوى. تنويع مسترسل ومتواصل إلى ما لا نهاية على الوحدة (matrice) الّتي هي في أصل الخلق مع اختلافات طفيفة وأحيانا جذريّة وما من تتطابق أو استنساخ غير نسق العمل الّذي بمحتواه وبتكرّر الحركات والعمليات التّقنيّة تعطي نتاجا متقاربا ومتجانسا، إذ ليس المطابق هو ذات الشّيء. 
من تكرّر أشكال الشّوكة إلى تكرّر الأشكال المصاغة بالحبال الطّينيّة أسعى إلى خلق ماطورة ناتئة، لا تحتوي خصوصيّات الخزف الحائطيّ المصنوع من نفس المربّعات الخزفيّة كما لا تحتوي خصوصيّات الفنّ العربي الإسلامي. إنّها فرصة لبناء التّشابك على السّطح. فرصة لتشكيل الظّفيرة دون أن نظفر أو نتكلّف الفعل. احتكم هنا إلى الفعل وإرادة القيام بذات الفعل ومعاودته وتكراره مع الإيمان بالاختلاف. إنّه الاختلاف الجوهري الّذي نتلمّسه في الطّبيعة ونعاينه في الخلق المتواصل لنفس الجنس ولنفس الكائن. نطلّ هنا على الحياة والوجود ونعترف بأنّنا نتعلّم من الطّبيعة، ولكنّنا نضيف لها ونختلف عنها كما نحن منها وإليها، نشبهها وتشبهنا ونسير بالتّوازي معا. فكرة الوحدة المتكرّرة أو المعادة ولو بشكل آخر فكرة تغري الإنسان كما أغرت الطبيعة وتثري وتغني التّجربة، لذا اعتمدتها لتأصيل فكرة العمل المتواصل من أجل الابتكار الفنّي.
في هذا المعرض تجلّيات لخبرات سابقة ولاكتشافات آنيّة يسمح بها الطّين وشغل الخزف كما يسمح بها العلم ولكن يعمل من أجلها الإنسان والفنّان. ترسّبات في الّذات تحرّك بعث الحياة في الطّين عبر الالتفاف على البداية وجعلها بداية متواصلة ومتكرّرة لأنّنا أردنا الفعل وبما أنّنا أردناه هو. يتدرّج إلينا ليعطينا قوّته ونبضه وحياة أشكالنا. من هنا ينطلق الإيقاع الشّكلي ليترجم قيم الإيقاع الكوني في حياة الإنسان. ومن هذه القطع يخرج ضوء هو وميض الحياة، أو بالأحرى وميض الخزف في سمفونيّة البريق وإيقاع الضّوء...".
معرض وتجربة واستعادة شؤون وشجون اللاعب بالطين ونعني الخزاف. وهنا نحن تجاه خزافة استلهمت مما مضى كل ما هو فني وجمالي وإنساني وجداني في علاقة الإنسان بالخزفيات واقتراحاتها المبتكرة والمحيلة إلى الدهشة. معرض وأعمال فنية تضعنا بها أسماء عبداللاوي في حقول من الدهشة، والنشيد.. نشيد الطين القديم الملون بالآني المحفوف بالسؤال. الفن في جوهره سؤال، بل أسئلة مفتوحة تبرز كالبرق في وميضه.