أطلس العائلة
بالنسبة إلى مَن سافر واغترب وأخذته المسافات بعيدا عن وطنه وعائلته الأصلية يشكل حلم "العودة إلى البيت" هاجسا يفاجئه في كل لحظة تأمّل. والبيت هنا مجاز عن حياة سابقة لم تعد استعادتها ممكنة.
بيت العائلة الذي يضم الأم والأب والإخوة. بيت له عاطفة سرية وجمال خفي، تستجيب له الحواس كلها. فهو أشبه بالكائن الحي الذي تُرى صورته ويُسمع صوته وتُلمس بشرته وتُشم رائحته وتسطع ذائقته بالترف.
ذلك البيت الذي غنت له فايزة أحمد "بيت العز يا بيتنا/ على بابك عنبتنا/ لها خضرة وضليلة/ بترفرف ع العيلة" والعائلة أشبه بكوكب تشظى وتناثرت قطعه في كل اتجاه.
وهو الحدث الجلل الذي لا نشعر به إلا بعد وقوعه. يقول محمود درويش "هناك حب يمر بنا فلا هو يدري ولا نحن ندري" ذلك هو الحب الذي لا يشعر به المرء إلا بعد غيابه.
يقول المثل "في قانون العائلة من يخطئ يُعاقب، حبا لا كراهية،" ويقول ابن القيم "الأخ الصالح خير لك من نفسك لأن النفس أمارة بالسوء" فيما يقول المثل "رب أخ لك لم تلده أمك" ذلك هو الصديق. تلك مفارقة لم ترد في ذهن فايزة أحمد التي احتكرت التعبير عن العائلة غنائيا.
في البدء غنت من ألحان العراقي رضا علي "خي لا تسد الباب/ خي بوجه الأحباب" يوم كانت مقيمة في العراق ثم غنت "يا غالي عليا يا حبيبي يا خويا/ يا أغلى هدية من أمي وأبويا” وتألقت مع محمد عبدالوهاب في "ست الحبايب". غنت بعدها "يمه القمر ع الباب/ نور قناديلو/ يمه أرد الباب/ ولا أناديلو" ومن كلمات عبدالرحمن الأبنودي "يما يا هوايا يما/ الهوا بعثر ضفايري إيه قصدو معايا" ذلك سؤال بريء يضعنا على طريق، نعيش فيها حيرة التلفت بين ما يحدث لنا في الحاضر وبين ماض نشعر بمسؤولينا عن بقائه نضرا ومفعما بحنانه.
ذلك ما يختزله محمود درويش بأسلوب حزين حين يقول "أحن إلى خبز أمي/ وقهوة أمي/ ولمسة أمي/ وتكبر فيّ الطفولة يوما على صدر أمي/ وأعشق عمري لأني إذا مت أخجل من دمع أمي" ذلك الخيط السري الذي يربط المرء بطفولته هو المعنى الوحيد للحياة وإذا ما انقطع تضيع الكثير من المعاني.
يقول نزار قباني وهو شاعر الحب الأكبر في زماننا "تعلمت هذا العشق في حضن أمي التي باتت نموذج الأنثى في حياتي" بات على كل النساء اللواتي فتح قباني لهن أبواب حدائقه الساحرة أن يشعرن بالامتنان لتلك المرأة التي خلق جمالها شاعرا أحاط رقابهن بقلائد شعره.