حقيقة موقف إيران من نزع سلاح ميليشياتها
تدرك إيران جيدا أن القرار بنزع سلاح الميليشيات في الشرق الأوسط حاسم ولا رجعة فيه. كما أنها تعرف أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو عدوها باق في البيت الأبيض حوالي ثلاث سنوات ونصف السنة. وهو زمن طويل وثقيل عليها كما أنه يكفي لكي ينفذ الرجل الأقوى في العالم قراراته لما عُرف عنه من سرعة في التنفيذ.
صحيح أن ترامب تراجع عن عدد من قراراته السابقة غير أنه لم يتراجع إلا من أجل أن يحصل على امتيازات أفضل تعود بالنفع على الاقتصاد الأميركي. وفي حالة نزع سلاح الميليشيات التابعة لإيران فإن كل شيء يجري في إطار خطة شاملة لا من أجل زيادة إنعاش السوق الأميركية من خلال الحصول على فرص استثمارية أكثر حسب بل وأيضا لإنجاز اختراق جديد من نوعه في التاريخ سيتحقق من خلاله سلام في منطقة، توقع الكثيرون أن حربا عالمية ثالثة ستبدأ منها.
الخاسرة في لعبة جر الحبل
تعرف إيران ذلك وأكثر. وإذا ما كانت قد جربت حظها في لعبة جر الحبل فإن النتائج كانت مخيبة، بل أن ما حدث كان صادما ومخيفا حين التحقت الولايات المتحدة بإسرائيل في حربها التي امتدت عبر إثني عشر يوما، نتج عنها التضحية بعدد من القادة العسكريين والعلماء وضُربت مواقع حساسة في المشروع النووي. هل كانت إيران في حاجة إلى أن تتأكد من ان ترامب كان جادا في رسالته القصيرة التي بعث بها إلى المرشد الأعلى علي خامنئي؟ في تلك النقطة أثبتت إيران قصر نظر نظامها ورداءة تقديرات عقلها السياسي. على الأقل أنها لم تضع في حسابها أن أي رد على ضربة أميركية كانت محتملة لن يكون مؤثرا على الولايات المتحدة. فالأمر يتعلق بميزان القوى الذي لا تميل كفته إليها. كل الشعارات التعبوية والشائعات المضللة لا تصنع واقعا بديلا الواقع الذي يصنعه التفوق العلمي والتقني.
سلاحها الذي صار خردة
كل ذلك لا يمنع من أن يقول علي أكبر ولايتي جملة هنا ويقول لاريجاني جملة هناك ويكتب عراقجي ما يراه مناسبا لحالة التعبئة والتضليل. ما يجب أن نحذره دائما هو أن إيران لا تقول ما تفكر فيه على ألسنة مسؤوليها في الدولة. حتى علي خامنئي وله الكلمة الأخيرة والعليا لا يقول حقيقة ما تفكر فيه الدولة العميقة في إيران في خطبه وتصريحاته.
من استمع إلى تصريحات المسؤولين الإيرانين فيما يتعلق بنزع سلاح الميليشيات التابعة للحرس الثوري لابد أن يصل إلى خلاصة مفادها أن إيران مستعدة لخوض حرب من أجل ألا يتم تجريد الميليشيات من سلاحها الذي هو سلاح إيراني. ذلك ليس صحيحا، فإيران التي لم تحرك اصبعا حين اغتالت إسرائيل درة أتباعها في المنطقة لا يمكن أن تغامر بنظامها السياسي من أجل الإبقاء على سلاح صارت تعتبره خردة على الرغم من أنه كلفها مليارات الدولارات. تقيس إيران الأمور حسب مبادئها. تلك المبادئ تضع بقاء النظام واستمرار الجمهورية الإسلامية فوق كل شيء. هي ليست مسؤولة في النهاية عما يفكر جمهورها فيه.
لا ضرر من الاستمرار في الكذب
لقد خيبت إيران آمال جمهورها في العالم العربي عبر السنتين الماضيتين. ذلك ما يقوله أي إنسان عاقل. فهي تركت حكومة نتنياهو تفعل ما تراه مناسبا لها على الرغم من أن مُخطط الحرب كان إيرانيا. تركت إيران أدواتها تلتهمهم نار تلك الحرب ولم تتدخل. الأدهى من ذلك أنها كانت تؤكد أنها بريئة مما يحدث على الرغم من أن اسماعيل هنية وهو زعيم حركة حماس السابق تم قتله في طهران وليس في غزة. لقد سعت إيران بكل الطرق إلى أن تفصل مفاوضات مشروعها النووي عن الحرب التي تشهدها المنطقة وهو ما لم يقنع أحدا. ذلك لأن الميليشيات المشاركة في الحرب كانت تلهج بالشكر لها. لم يكن ممثلو تلك الأطراف في حاجة للحديث بالفارسية لكي يؤكدوا انتماءهم إلى المشروع التوسعي الإيراني. لقد مات الكثيرون من غير أن يعرفوا أن إيران كانت تخدعهم بعد أن ملأت عقولهم بأكاذيبها.
لا يهم إيران أن تكذب وليس مهما أن يكتشف العالم كذبها. ما يهمها أن يبقى جمهورها مستظلا بأكاذيبها وهم يرون فيها حقائق الدهر. وهو ما يعني أنها نجحت في العثور على المحركات الغيبية التي في إمكانها أن تتحكم بمشاعر جمهور مغيب عقليا. حتى بعد أن يتم نزع سلاح الميليشيات من غير أن تتدخل إيران سيظل هناك مَن يغمض عينيه عن رؤية الحقيقة.