8/8/88

انتصر صدام حسين على كل أمراض التاريخ العراقي غير أنه لم ينتصر على مرضه الشخصي. كان انتحاريا في كل القرارت التي اتخذها من أجل أزماته في مواجهة العالم.

ذلك يوم ينتمي إلى القدر. فيه حل صمت هائل بعد صخب بركاني. ضحك العراقيون من فجائعهم وضربوا الأرض بأقدام راقصة وامتلأ الهواء من حولهم بالأمل. "انتهت آخر الحروب" في ذلك اليوم من القرن الماضي انتهت الحرب التي اعتقد الكثيرون أنها لن تنتهي إلا بالفناء. لم يكن مهما بالنسبة للشعب العراقي مَن أنتصر فيها. لقد هُزم الطرفان. نتيجة متوقعة من أية حرب. تكبد العراق وإيران خسائر بشرية ومادية لا يمكن تعويضها. لم يكن في ذهن الراقصين الذين خرجوا إلى الشوارع بفرح الأطفال وبراءتهم إلا شيء واحد. انتهى الكابوس بأناشيده وصواريخه وفزعه وحشوده وروائحه العفنة وزعيق عزرائيل وقوافل المشيعين واللافتات السوداء والبساطيل. فجأة انتهت الحرب مثلما بدأت فجأة. ثمان سنوات كان الجميع مستعد لطي صفحتها. الحياة أجمل من الموت. ذهب العراقيون بحرية انتمائهم إلى المستقبل إلى أقصاها. فبعد أن أدى الموتى واجبهم الوطني حان دور الأحياء لكي يهبوا حياتهم معنى. "انتهت آخر الحروب" ذلك رأي الشعب وهو رأي غالبا ما يُطعن بالسذاجة. سيُقال دائما إنه شعب طيب.

انتهت حفلة القتل في ذلك اليوم التاريخي. هل انتهت حقا؟ ذلك هو السؤال الذي ارتسمت علاماته في العيون بعد أن قال صدام حسين "هناك معركة صغيرة تنتظرنا" جملة هي ترجمة بالعربية الفصحى لما قاله باللهجة العراقية لكي يخفف الشعب من مزيج فرحته. ما الذي يفكر فيه القائد الضرورة ترى؟ صار ذلك السؤال مرجعا للحيرة من غير أن يقبض أحد على جوابه. أيمكن أن تخرج دولة من الحرب وهي مثقلة بالدماء والدموع والأمهات والأرامل واليتامى والديون والحزن والمراثي والأطلال والكسور لتفكر في حرب أخرى مهما كانت تلك الحرب صغيرة؟ صدق الكثيرون المزحة الثقيلة. البعض قال إنها دعابة سوداء سعى من خلالها صدام حسين إلى اختبار قدرة شعبه على المطاولة. غير أن مَن هو على معرفة بشخصية الرئيس الراحل كان على يقين من أنه في أزمة وهو يفكر في الحرب باعتبارها المخرج الوحيد له من تلك الأزمة. قبل أن تمر سنتان بأيام على ذلك اليوم السعيد نعى العراقيون سعادتهم وأدركوا أن سوء الحظ الذي اعتقدوا أنهم فلتوا من ثعالبه اصطادهم وقد توهموا أن زعيمهم لن يغدر بهم بعد كل ما قدموه من تضحيات من أجل أن تظل بلادهم عزيزة وكريمة وأكبر من هزيمتها.

شباب العراق اليوم لا يفهمون معنى اليوم الثامن من آب. فهو ليس عيدا وطنيا وإن اختلطت عليهم الأعياد الوطنية وهو ليس مناسبة دينية وقد حُقنت أيامهم بالمناسبات الدينية. ذلك هو "يوم الأيام". كان النظام السياسي قبل الاحتلال مغرما بالعناوين. عادة استعارها من أيام العرب وهي معاركهم. لذلك كان الثامن من آب هو يوم الأيام. وبغض النظر عن شعور النظام ممثلا برئيسه بأن ذلك اليوم هو يوم النصر العظيم فإن العراقيين صاروا يتذكرون ما فعلوه في ذلك اليوم بأسى فيه قدر هائل من الندم ولسانهم يقول "لمَ فعلت ذلك؟" كان العراق يكفينا ولسنا في حاجة إلى محافظة تاسعة عشر. كان في إمكان صدام حسين أن يبقي الكويت في حجمها من غير أن يحولها إلى مسألة دولية لو أنه احتكم إلى عقل رجل الدولة المسؤول عن مصير شعبه. ولكن جنون الحكم غلبه ونسي أن هناك قوانين دولية، يمكن استعمالها بكل يسر ضده. احتلال الكويت جريمة لا يمكن أن تقف أمامها القوانين الدولية صامتة.

ليس سيئا أن نستذكر يوم الثامن آب فهو يوم الأيام بالنسبة للشعب العراقي وإن كان سوء حظه قد قلب القدر ضده. لم يكن محظوظا بزعيمه. كان كذلك دائما. تمنى العراقيون أن يكون صدام حسين هو الخطأ في الحساب. لقد أحبوه كما لم يفعلوا مع أي من زعمائهم الآخرين. ووقف الرجل وراء كل خطط التنمية والتنوير والتعليم والإصلاح والمواطنة والمساواة والعدالة إلى الدرجة التي انتصر العراق فيها على الفقر والأمية والبطالة والمرض. انتصر صدام حسين على كل أمراض التاريخ العراقي غير أنه لم ينتصر على مرضه الشخصي. كان انتحاريا في كل القرارت التي اتخذها من أجل أزماته في مواجهة العالم. كان انتحاريا حين جُر إلى الحرب مع إيران وكان انتحاريا حين غزا الكويت لأنه فشل في المفاوضات معها وكان انتحاريا حين قرر البقاء في الحكم وهو يعرف أن الولايات المتحدة عازمة على إسقاط حكمه وتدمير العراق. وعلى الرغم من ذلك فإن الرجل صنع يوما خالدا في التاريخ يستحق أن نتذكره.