أفغانستان أم طالبان أو هما الشيء نفسه

صدق الكثير من الافغان أن سدا منيعا سيقف بينهم وبين حركة طالبان وأن ضوء الحضارة الاصطناعي الذي جلبته القوات الأميركية معها لابد أن ينهي الظلام الطالباني بشكل نهائي.


كان الأفغان يأملون أن لا يقايض الأميركان مستقبلهم بالخروج الآمن


الثقة في الأميركان هي الخطأ الذي ارتكبه الأفغان

"العتب كله على الأفغان" جملة تقدم واحدة من خلاصات التجربة الفاشلة التي خاضتها الولايات المتحدة في أفغانستان وخرجت منها مهزومة.

تلك الجملة تكشف عن أن الأميركان لن يتعلموا.

كانت هناك حرب استمرت عشرين سنة. قُتل في تلك الحرب حوالي مئة ألف إنسان. كانوا كلهم أفغانا. لم يكونوا من طالبان ولم يكونوا معادين لطالبان كما أنهم لم يكونوا من المتعاونين مع الأميركان. أبرياء بكل معنى الكلمة ومظلومون ومنبوذون. ذنبهم الوحيد أنهم كانوا أفغانا قرروا البقاء في بلادهم التي تحولت إلى ساحة حرب. لذلك قُتلوا.

لا أعتقد أن هناك أحدا في إمكانه أن يسأل الولايات المتحدة عما فعلته في أفغانستان عبر العشرين سنة الماضية. حتى أوروبا وهي شريك للولايات المتحدة في جرائمها لا تجرؤ على القيام بذلك. أما عن مصير ترليوني دولار وهي أموال أُنفقت من أجل إدامة تلك الحرب فيبدو أنه لا يصلح موضوعا للمساءلة. فائض مالي من أجل القتل.

المهم أن أحدا من الأفغان الأبرياء لم يكن يتوقع أن الولايات المتحدة ستقدم على التفاوض مع طالبان، وهي جماعة ارهابية دفعت أفغانستان بسبب ما يقارب الست سنوات من حكمها ثمنا باهظا ليس في الإمكان تعويضه.

وبسبب ذلك الثمن كان الأفغان يأملون أن لا يقايض الأميركان مستقبلهم بالخروج الآمن. ولكن المحتل لا أمان له.

غير أن الأمر كله من وجهة نظر الأميركان لا يُناقش بتلك الطريقة. قال الرئيس الأميركي بما معناه إنهم لم يذهبوا إلى هناك لبناء دولة. مَن أوهم الأفغان بذلك؟ لقد صدق الكثير من الافغان من غير المتعاونين مع المحتل أن سدا منيعا سيقف بينهم وبين حركة طالبان وأن ضوء الحضارة الاصطناعي الذي جلبته القوات الأميركية معها لابد أن ينهي الظلام الطالباني بشكل نهائي.

لقد انجز الأفغان أشياء كثيرة أنهوا من خلالها آثار الفكر الظلامي الذي حملته طالبان معها وكانوا يحلمون في أن تترسخ تلك البداية وبالأخص على مستوى التعليم وحقوق المرأة والحريات العامة. انجازات اعتقدوا أن الولايات المتحدة لن تبيعها برخص، فالجزء الأكبر من ثقافة الاحتلال يركز عليها من خلال الانفاق على مراكز البحوث السياسية ومؤسسات التبشير بالديمقراطية والحريات ودعم جمعيات المرأة.    

غير أن ذلك لم يكن صحيحا. ففي مقابل نشاط المجتمع المدني نشر الأميركان الفساد في مؤسسات الدولة التي أقاموها على انقاض دولة طالبان كما أسسوا جيشا فاسدا زودوه بالأسلحة الحديثة غير أنهم سحقوا الروح الوطنية فيه. كان جيشا من غير مبدأ أو قضية.

 لا أعتقد أن الأميركان فعلوا ذلك لكي ينتقموا من الأفغان بل لأنهم يدركون أنهم سيغادرون يوما ما وهذه البلاد لا تعنيهم بعدها في شيء. أما مصير شعبها فإنه لا يدخل ضمن جدول اهتماماتهم.

الثقة في الأميركان هي الخطأ الذي ارتكبه الأفغان الذين لم يكن من الصحيح بالنسبة لهم أن يقاوموا محتلا حررهم من ظلام طالبان. أليست تلك معادلة صعبة تُمزج من خلالها صورة الوطني بصور العملاء المتعاونين؟

ما كان الأفغان على يقين منه أن طالبان شيء وأفغانستان شيء آخر. الولايات المتحدة احتلت أفغانستان لتحرر شعبها من طالبان. تلك فرضية أثبتت الوقائع أنها ليست صحيحة. فالسياسة الأميركية لا وجه واحد لها. مرة تكون حرية الأفغان عزيزة في مقابل الحرب على الارهاب الذي تمثله طالبان ومرة أخرى تحضر طالبان في الدوحة باعتبارها ممثلة لأفغانستان المستقبل. بمعنى أن تقوم طالبان بطي صفحة الماضي الاستعماري.

أيحق للأميركان والحالة هذه أن يقولوا "خذلنا الأفغان"؟ وأي أفغان يقصدون؟ لابد أنهم أفغانهم. قادة الجيش ومنتسبوه. الرئيس وحاشيته. وبضعة الوف ممَن كانوا يبخرون للمحتل الذي خذلهم.   

في سياق البحث عن سبل النجاة ذهبت أفغانستان ضحية.

حين قرر الأميركان الهرب من أفغانستان وتركها أرضا مفتوحة لطالبان أثبتوا أنهم لم يكن يفرقون بين شعبها والارهابيين. لقد كانا الشيء نفسه. ولم تكن العشرون سنة التي قضوها هناك كفيلة بأن يتعلموا شيئا أو يعرفوا شيئا عن الشعب الذي تعامل معهم باعتبارهم محررين. كان ذلك خطأً جسيما فرضه التاريخ فيما كان الأميركان يتعاملون مع الجغرافيا.

وإذا ما كان الأميركان قد ضمنوا من خلال اتفاق الدوحة مع طالبان نوعا من الأمان الخاص بهم وبمصالحهم فإنهم تركوا شعبا لكل احتمالات الضياع والتيه والعبودية. فكانوا مساهمين في تأسيس دولة طالبان الجديدة التي ستُقام على انقاض دولة الشعب الأفغاني.