أكلتُ يوم أكلَ الثور الأبيض

الظلم لا يبدأ مجتمعيًا، بل بفعل محدود عابر، لكن التبريرات العقلانية والخوف والصمت تحوّل هذا الفعل إلى قوة جماعية مستمرة، تعيد إنتاج نفسها عبر المؤسسات والعادات.

الظلم غالبًا ما يبدأ بفعل فردي بسيط أو كلمة جارحة، أو قرار خاطئ، أو استغلال، أو إساءة يمارسها شخص على آخر. في هذه المرحلة، يمكن اعتباره سلوكًا معزولًا يمكن رَده بالضمير أو القانون. لكن الخطر الحقيقي يكمن في صمت المحيط؛ فحين يجد الفاعل غطاء القبول المجتمعي، يبدأ الظلم بالتمدد والتحوّل من فعل محدود إلى ظاهرة أكبر تتجاوز الشخص نفسه. إنها سلسلة من التنازلات، أولها ترك الثور الأبيض يُؤكل.

التبرير يحوّل الخوف إلى نظام

عندما يُرى الظلم ويُسكت عنه، يبدأ المجتمع في خلق تبريرات عقلانية له، مثل: "الأمر أعقد مما نظن"، "هذا لصالح النظام"، أو "هذا لا يعنيك طالما لم يصبك". هذه التبريرات تحوّل ردود الفعل الأولية من خوف إلى عادة عقلية، ويبدأ الأفراد بتكييف سلوكهم وفق الظلم بدل مقاومته. هنا، يتحول الصمت من مجرد خوف إلى تواطؤ نفسي يعيد إنتاج الظلم ويكرسه. الأساس الحقيقي للظلم ليس الفعل الفردي وحده، بل غياب المحاسبة وتطبيق القانون على الضعيف فقط، مع السماح للقوي بالإفلات من العقاب.

وهكذا يتسع نطاق الظلم تدريجيًا، فلا يبقى حبيس العلاقات الفردية أو الاجتماعية، بل يتحوّل إلى منظومة تمتد على مستوى المؤسسة، والدولة، بل والعالم بأسره، حين تتواطأ المصالح أو تُعطَّل العدالة الدولية. الظلم، في كل مستوياته، يبدأ من غياب المبدأ الواحد: العدالة المتساوية للجميع.

من التماهي إلى التجسيد المؤسسي للظلم

مع استمرار حالة الصمت والتبرير، يكتمل التحوّل الخطير، فيتحوّل الخوف الفردي إلى دفاع جماعي عن الظالم نفسه. ما كان همسًا بالأمس يصبح اليوم تصفيقًا ودفاعًا علنيًا، اعتقادًا من الأفراد بأنهم يحمون النظام أو يحفظون أمنهم. عند هذه النقطة، يتجاوز الظلم الفعل الفردي ليصبح شبكة اجتماعية متكاملة لا يشارك فيها الجلاد وحده، بل المساعدون والمؤيدون والمتفرجون المتواطئون. هذا التواطؤ يمنح الظلم الشرعية، فتُستثمر وتُسخَّر القوانين والإعلام لتثبيته، ليتحول إلى بنية مؤسسية أو حتى دولية يصعب كسرها ما لم تنهض الضمائر لكشفها ومحاسبتها.

قانون الثور الأبيض: فخ القوة ونهاية الظالم

الحكمة الشعبية "أُكِلتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض" تلخص هذا المسار كاملًا. من يسكت اليوم عن الظلم يفتح الباب للطغيان غدًا. ومن يشارك في تبريره يصبح جزءًا من شبكته. لكن يجب ألا يغفل أحد عن الدرس المُتَمِّم للقصة: الظالم نفسه ليس بمنأى عن هذا القانون.

إن قوة الظالم اللحظية تَغْريه وتَغُرّه، وتُنسيه أن نهاية كل طغيان هي الهلاك، وإن لم يكن الآن فـ "حين يشاء الخالق". فالأسد الذي التهم الثيران بتواطؤها، سيأتي عليه يوم يجد نفسه وحيدًا بلا سند أو حماية، ويُتركه ضعفه وهلاكه فريسة لشماتة حيوانات الغابة. إن قانون الظلم، الذي يعتمد على مبدأ التفكيك، سيأكل الظالم نفسه عاجلًا أم آجلًا، فلكل شيء نهاية.

مقاومة الظلم: استعادة المناعة الأخلاقية

مقاومة الظلم تبدأ بخطوات صغيرة وبمواقف فردية شجاعة: قول الحقيقة، رفض الكذب، حماية الضعيف، وعدم التواطؤ. هذه المقاومة لا تعني التمرد على القانون، بل الالتزام به وتطبيقه على الجميع بلا استثناء، ومعالجة الغياب الذي يسمح للقوي بالظلم على الضعيف.

لكن هذه الخطوات الفردية يجب أن تمتد بدورها إلى مستوى المؤسسات والدول، إذ لا معنى لعدالة جزئية في عالم يسكت عن ظلم شامل. السكوت عن الظلم في مكان هو تمهيد لتمدده في كل مكان. العدالة تبدأ بالمواقف اليومية قبل أن تصبح قضية عامة، والمجتمع يتعافى حين يدرك أفراده أن السكوت ليس حيادًا، بل شريك فعّال في الظلم. هذه الممارسات الصغيرة تصنع صمام أمان ضد تمدد القهر، وتعيد للمجتمع مناعته الأخلاقية المفقودة.

خاتمة ونداء أخير

الظلم لا يبدأ مجتمعيًا، بل بفعل محدود عابر. لكن التبريرات العقلانية والخوف والصمت تحوّل هذا الفعل إلى قوة جماعية مستمرة، تعيد إنتاج نفسها عبر المؤسسات والعادات. درس الثور الأبيض واضح وحاسم: الكرامة الجماعية مسؤولية كل فرد. وكل مجتمع يدرك أن الظالم لا يمكن أن يستمر إلا بتواطؤ المحيط، وأن قوته اللحظية ما هي إلا وهم زائل يحكمه قانون الفناء ذاته، سيكون قادرًا على كسر دورة الطغيان قبل أن تبتلع أفراده.

فالظلم الذي يبدأ بفرد قد ينتهي بإمبراطورية، لكنه أيضًا قد يُهزَم بكلمة حق واحدة. العدالة تبدأ بموقف شجاع، وتستمر حين يرفض الجميع أن يتحول الظلم إلى ظاهرة جماعية تهدد الفرد، والمؤسسة، والدولة، والعالم بأسره.