أن تعرّف نفسك بما تكره صندوق إعلامي أسود


لم يعد الحذر من الأصدقاء الافتراضيين المزيفين يمثل الخطر وحده، وإنما الخطر صار يكمن عندما نكتشف أن الأصدقاء الحقيقيين ليسوا سوى نسخ مزيفة.


أن تقول بأنني أكره الدولة كذا والسياسي فلانا، فإنك مشروع معلن لممارسة التضليل

للوهلة الأولى يبدو الحساب للسيدة “…” على تويتر أسوة بكل الحسابات المتاحة، بيد أنها تعرّف نفسها بما تكره، كما تذكر دينها في نبذة التعريف، وتضع صورة مناسبة “لها” من يستطيع أن يؤكد ذلك؟ لأنها غير موجودة أصلا!

ذكر الدين في التعريف يبدو محاولة ذكية للهروب من فكرة التزييف، لكن بمجرد إضافة الكراهية المعلنة إلى جواره فإنها تثير الريبة القاطعة. أن تقول إنني فلان أعرّف نفسي بأنني أكره الدولة كذا والسياسي فلانا، فإنك مشروع معلن لممارسة التضليل.

حساب هذه السيدة المزيفة كان يتواصل معي بشكل يبدو عليه الاهتمام بما أكتب، لم تكن في كل ما تكتبه تصنع فكرة جديدة، أو على الأقل تدافع عن كراهيتها المعلنة بشكل يشجع على الحوار، لذلك لم تثر اهتمامي كثيرا إلا عندما أدركت أنها غير موجودة وهي صاحبة حساب مزيف من أجل الترويج “لصحافي” آخر مثير للشفقة أكثر منه للازدراء.هذا الصحافي الناشط “نجم” في الفضائيات بصفته سلعة مطلوبة للدفاع عن إيران بعد أن تهاوى خطابها السياسي في العالم العربي، وتحت بند الرأي الآخر تستعين به القنوات الفضائية العربية كي تجد من يدافع عن وجهة نظر إيران، لكنه لا يبدو أكثر من ماكنة مديح وشتائم في الوقت نفسه، تدور بشكل مستمر لتنتج نفس القطعة، يقرأ أحداث الواقع الواضحة بطريقة منحرفة، يحول الهزيمة المعلنة إلى نصر، وتلك لعمري أسوأ مراتب السقوط الإعلامي، فمثلا عندما انهزمت إيران أمام العراق في مباراة بكرة القدم، كتب أن إيران دائما مصدر سعادة للعراقيين، وخسارتها طريقة مقصودة لإسعاد العراقيين!

أما عندما تفقد نائب الرئيس الأميركي مايك بنس قوات بلاده في قاعدة عين الأسد في الأنبار في زيارة مفاجئة لم تعرف بها الحكومة العراقية أصلا، إلى درجة أن مكتب رئيس الجمهورية برهم صالح أعلن أنه لم يكن مطلعا بشكل مسبق على زيارة بنس، كتب “الصحافي المحترم” أن رئيس الحكومة العراقية عادل عبدالمهدي رفض لقاء بنس!

بينما الحقيقة التي لا تقبل اللبس أن نائب الرئيس الأميركي رفض بشكل معلن لقاء أي من السياسيين العراقيين واكتفى بالاتصال الهاتفي بعادل عبدالمهدي. زار العراق من دون أن تعرف الحكومة وغادرها من دون أن يلتقي أيا من وزرائها، تماما كما فعل الرئيس دونالد ترامب في المرة السابقة.

تلك القراءة المنحرفة تجد لها صدى ملفتا عند السيدة صاحبة الحساب المزيف، ماذا يعني هذا! أن “الصحافي المحترم” لا يكتفي بالتزييف المعلن الذي يمارسه بإصرار يثير الازدراء بوصفه إعلاميا محايدا، بل يدير حسابات مزيفة تدافع عما يريد تمريره إلى الجمهور.

وكان “ذكاؤه” قد أخبره أن يختار اسم امرأة من غير دينه في حساب ينشر فيه ما لا يقدر إعلانه باسمه الحقيقي؟ “ولنا أن نتخيل خدعة أن تكون سيدة غير مسلمة تدافع عن ملالي إيران!”، لكن كشف الفكرة أسهل من الكشف التقني لعملية التزييف، وأن الصحافي نفسه من يدير الحسابين وربما مجموعة أخرى من الحسابات على وسائل التواصل لا تخجل من إعلان كراهيتها! فحساب السيدة المزيف وظيفته الترويج لما يكتبه “الصحافي المحترم” والدفاع عن كل ما يقوله حيال النقد الموجه إليه.

هذه أقرب الوقائع المكررة في عملية التزييف المستمرة والمتصاعدة على وسائل التواصل.

بإمكانكم أيضا أدراج حزمة كبيرة أخرى من أمثلة التزييف، لكن ما يهمني أكثر هو أن يكون الإعلامي مصدرا للكراهية، ذلك أسوأ ما يمكن أن يلتصق بالصحافة.

كان الروائي سلمان رشدي قد وصف العالم المعاصر بأنه يعيش على وقع الكراهية المتصاعدة، وأن الناس باتوا يُعرّفون أنفسهم بما يكرهون. وحدد واحدة من خصائص العصر الحالي بنمو نوع من الثقافة مقترن بسياسات الهوية والطائفية، أطلق عليه اسم ثقافة الإقصاء بدافع الكراهية.

ذلك ما يثير المخاوف القاتلة من مصير هذا العالم وأن تكون وسائل الإعلام مصدرا لازدراء وسحق الآخر والتنكيل به، فقد تفاقمت – حسب تعبير رشدي – الكراهية والقبلية بين فئات كثيرة من الناس، وأصبحت فئات من المجتمع تقاتل حد الموت للدفاع عن قناعاتها الخاصة الدينية والقبلية. توجد اليوم ملايين الحسابات الزائفة المنتشرة على شبكة التواصل الاجتماعي، تعمل بشكل نشط وتتحدى الجهود التقنية والذكاء الاصطناعي في إيقافها.

تشير تقديرات شركة فيسبوك وفق إحصائية نشرتها صحيفة فايننشيال تايمز إلى أن الحسابات المكررة تمثل نحو 11 في المئة من المستخدمين النشطين شهريا، بينما تشكل النسخ المزيفة نسبة 5 في المئة، يدعي آخرون أن المجموع أعلى، ومع ذلك، تواصل شركة فيسبوك الترويج لقاعدة المستخدمين التابعة لها، على أنها تبلغ رقما لا يصدق هو 2.45 مليار شخص شهريا، أي نحو ثلث سكان العالم.

وطالما قال مارك زوكيربرغ إن الشركة التي أسسها هي منصة للأصالة. وأصر في استجواب معلن أمام الكونغرس الأميركي العام الماضي على أنه من غير المسموح للمستخدمين أن تكون لديهم حسابات مزيفة. لكن مثل هذا الكلام المثالي لا أهمية له حيال ما يحدث حقا في العالم الافتراضي الذي تديره شركات التواصل الاجتماعي، إلى درجة يعتقد فيها آرون غرينسبان، زميل زوكيربرغ السابق في جامعة هارفارد، أن ما يصل إلى النصف هو حسابات مزيفة.

وخلال تقديمه أدلة إلى لجنة برلمانية فرعية بريطانية معنية بالتضليل الإعلامي قبل أشهر وصف غرينسبان الشركة بأنها صندوق أسود، قائلا “نسمع بشكل روتيني أن لدى الشركة أكثر من ملياري مستخدم، وأعتقد أن هذا غير صحيح”.

فلم يعد الحذر من الأصدقاء الافتراضيين المزيفين يمثل الخطر وحده، وإنما الخطر صار يكمن عندما نكتشف أن الأصدقاء الحقيقيين ليسوا سوى نسخ مزيفة!