أوجه الجمال في تشكيلات الفنانة السعودية هناء الشبلي
إن هناك تجليات فنية متعددة الأوجه، تتعلّق بالفن الرقمي، وبالمادة التشكيلية للفنانة المتألقة هناء الشبلي، التي تُبرز عددا هائلا من الأشكال، والعلامات، والمواد التقنية، والمفردات الفنية، والعناصر التشكيلية في حلل جمالية بديعة، فهي تُظهرها وفق سلطة أسلوبها المتفرد، الذي يُشكل لغة تشكيليّة ذات خصوصيات تعبيريّة إبداعيّة بقوامة تشبيهيّة، تنتهل من الواقع مجمل المضامين الهادفة، إذ تشكل الرؤى الفنيّة والجماليّة وسيلة تعبير في هذا الأسلوب الخصب، بِصيَغه المتنوعة، وبرمزيّته التي تُشكل قيمة فنيّة حين تتداخل تقنيا مع العمليات الشكليّة المتنوعة، بكل عناصرها، ومفرداتها التي تتقصد المعنى المشترك.
وهي في الحقيقة مقاربة فنيّة، وجماليّة، وتواصلية، ودلاليّة تجعل المادة التشكيلية برمتها تخضع للأبعاد التأويلية بمكوناتها البصرية، ومن حيث هي بؤرة فنية، ولغة تواصل، ومن حيث هي خطاب تعبيري، ومن حيث هي مادة جماليّة تكتنز مجموعة من المخفيات التي تُنتج جملة من المعاني والدلالات التي ترتبط بثقافة المبدعة، التي يَشهد مؤهلها الجامعي من درجة الدكتوراه على نضجها الفني، والثقافي، والمعرفي؛ وعلى اختيارها الموفق للفن الرقمي، ما يزكي تألقها في إيصال رسالتها الفنية. لذلك، فإن الطابع الجدي لأسلوبها المتجسد في أعمالها التشكيلية؛ يتجلى في مسالك فنيّة خاصة، وفي تصورات دقيقة. فلهذه التجليات وظائف متعددة؛ منها الفنيّ، والثقافيّ، والبلاغي، والتداولي، إذ من خلالها نستشف قيمة أعمالها التي تُشكل مادة أساسيّة تمُرّ عبر الشكل واللون، من منطلق تشبيهي يُحدث جذبا بمختلف مظاهره الفنية.
فالمبدعة هناء الشبلي تهتم تقنيا بقيم السطح ونقاء الملمس، لارتباط هذا المنحى بالتجليات العامة للشكل الأمثل. فهي بذلك تُلهم القارئ، أو الناقد الكثير من المعاني، وتجعله يشعر بالجمال في أبهى صوره؛ بالشخوصات الواقعية والانطباعية وهي تَعبُر الأفق عبر الحروفيات في تشكلاتها، وبالتموجات التجريدية وهي تَعبر مدار اللوحات في هدأة اللون البهيج، وبالتعبير عن الواقع الاجتماعي، فتتغير ألوان الشكل، ويتغير الإحساس.
لذلك تشكل المبدعة مساحة تشكيليّة قابلة للتّجلي في أحسن الحُلل، لأن المادة الفنيّة متنوعة بتجلياتها المختلفة. ولا شك أن هذا التأطير يأتي في سياق تجربتها العالمة، وخبرتها بالمجال الفني. ويأتي كذلك من ثقافتها الموسوعية، ومؤهلاتها العلمية، وقدراتها المعرفية، ومهاراتها التقنية. ولكل ذلك أهميته في تدبير مجال اللوحات الفنية على نحو من الإبداع التشكيلي المعاصر الذي تعضده الفنانة هناء بتآليف فنية وبيانية وبلاغية مدهشة؛ شكلا مرموقا، ولونا مبهجا.
إن هذا الفهم في لوحاتها يجعلها تنحى بالأشكال الواقعية إلى صفوة التشكيل وذروة الجماليّات. لأنها تُشرك الصفات الواقعية في المعنى المشترك، وفي الدلالات، مع أن لكل منهما صيَغُه الفنية، ومسالكه الجمالية الخاصة. وبذلك تُشكل التجليات المختلفة في أعمال الفنانة هناء الشبلي مكونًا أساسيًّا تتقاطع فيه مجموعة من الخاصيات الجمالية، بقدر ما تنطوي عليه كل من تلك الخاصيات من مواقف فنية، تكتنز التشكيل في أبهته، والأشكال الأيقونية وما تبديه من قوة فنية ذات تأثير قوي، وحمولة جماليّة، تمُرّ عبر آليات فنيّة، تجعل للمعنى آفاقًا شاسعة.
ولعل السمة الفنية التي تُغذي المادة التشكيلية في أعمالها؛ ترتبط أساسا بالطابع التأملي، وقوة التأثير من خلال التعبير عن الواقع بصيغ جماليّة تتجلى في أجمل الأشكال، فيكون التشبيه والانطباع مبنيان بواسطة العلامات الواقعيّة، حيث يقوم الشكل البارز في السطح بدورين متصلين بعضهما ببعض، دور الخطاب ودور الجمال. هذا فضلًا عن كونهما يحملان قيمًا دلاليّة، وخطابيّة، وتواصليّة، ورسالة نبيلة تتصل مباشرة بثقافة المبدعة هناء الشبلي. إلى جانب ما يَنتُج عن هذه المتعة الفنية المظهرية، من تنوع في المسالك، وفي الوظائف التشكيلية، التي تنتج سياقًا جديدًا لتـنمية العلاقة بين المجال التشكيليّ والفن المظهريّ. إذ إن هناك ارتباطا وثيقا بينهما. ويتبدى من خلال هذا السياق؛ أن هذا المقصد الجماليّ هو فن يتجه نحو التفرد في المسلك الفني والأسلوب التشكيلي في صياغته الجديدة.
ويأتي هذا الاختيار الفني المتفرد من منطلق بيان خصوصية هذه الأعمال التشكيلية، وتجلياتها، وما تنطوي عليه من علاقات بين أبنيتها إلى نشوء المعنى، ويبدو أن هذا المعنى يُلقي بظلاله في أتون مادة فنية عميقة ومتشعبة، تؤدي إلى استقراء التصورات والأفكار التي تحملها المبدعة هناء الشبلي، وتنظيم معالجتها في أبعادها الفنيّة، والجماليّة، والدلاليّة من زاوية نقديّة تتمثل الفكرة الجوهرية لتلك الخصوصية الفنية، التي تدفع بالمادة التشكيلية إلى إنتاج معرفة بيانية، وبلاغية مغايرة في صلب أعمالها التشكيليّة. إذ تُعدّ تلك الأبعاد شكلًا من أشكال الدلالة التي تستطيع بقوتها التأثيرية أن تُعبّر عن معنى آخر في هذه التجربة الإبداعيّة السامقة.
فهي تستعير براعة الشكل، وجمال الوضع، وحسن التوظيف الذي يتوغل في أحضانها؛ فتنبني على مقاربة كل المفاهيم الجماليّة التشكيليّة والاتجاهات السائدة في المنشأ التشكيلي، المليئة بالتحولات الفنيّة، لتُشكل القيم الجماليّة التي تُجسد المخفيّ، سواء من حيث المادة التشبيهيّة، أو الأشكال الواقعيّة، أو الانطباعيّة، أو التجريدية، وهي مرتبطة أساسًا بصرامة الرؤية البصريّة التي تشترك في المعنى والدلالة.
وبكل ذلك؛ تُعدّ هذه التجربة التشكيلية العالمة انعكاسًا فنيًّا وثقافيًّا راقيًّا، يختزل جملة من العوالم، التي تظهر جلية في التفاعل الجدلي بين المكونات التحوليّة للمادة البصرية من حيث المجال الفنيّ والجماليّ والتقنيّ على نحو من الرقي، وفق مسلك إبداعيّ متفرد منحته المبدعة هناء الشبلي طاقة أخرى من المعنى والدلالة، ما يجعلها في صفوة الفن التشكيلي العربي والعالمي.