أوروبا بين وهم الطمأنينة وتحوّلات الصراع العالمي
تعيش القارة الأوروبية لحظة تاريخية دقيقة، لحظة تتكشّف فيها حدود القوة وحدود الاعتماد على الآخر في عالم يتغيّر على نحو متسارع. لم تعد الحرب في أوكرانيا حدثًا محصورًا في الجغرافيا الشرقية لأوروبا، ولا أزمة عابرة يمكن احتواؤها عبر توازنات تقليدية.
ما يجري أعمق من مواجهة عسكرية، فهو إعادة تشكيل شاملة لمفهوم الأمن، ولموقع أوروبا داخل النظام الدولي، ولمدى قدرتها على حماية ذاتها في بيئة عالمية باتت أكثر خشونة وأقل قابلية للتنبؤ.
من وجهة نظري، تبدو أوروبا اليوم في وضع مألوف: قارة اعتمدت طويلًا على مظلّة خارجية، ونسجت أمنها واستقرارها على أساس ضمانات قادمة من خلف المحيط، تجد نفسها فجأة أمام سؤال سيادي جوهري: من يحمي أوروبا عندما تتراجع الإرادة الأميركية؟ هذا السؤال يذكّر العالم العربي بتجارب مشابهة، حيث كشفت التحوّلات الدولية مرارًا هشاشة الأمن القائم على التحالفات غير المتكافئة، وعلى افتراض دوام المصالح الخارجية.
الخطر الذي يلوح في الأفق الأوروبي لا يتجسّد فقط في احتمال صدام عسكري مباشر مع روسيا، فالتهديد الحقيقي يكمن في طبيعة الصراع ذاته. نحن أمام نمط جديد من الحروب، حروب تتسلّل عبر الفضاء الرقمي وتضرب شبكات الطاقة، وتُعطّل المواصلات، وتزرع القلق داخل المجتمعات من دون إعلان حرب رسمي. لا يحتاج هذا النوع من المواجهة إلى دبابات تعبر الحدود، ولا إلى صواريخ تُطلق على العواصم؛ فهو يستهدف شرايين الحياة اليومية، ويحوّل الاستقرار إلى حالة هشّة قابلة للانهيار في أي لحظة.
يثير هذا التحوّل تساؤلًا أوسع حول مفهوم القوة في القرن الحادي والعشرين، فأوروبا، التي راكمت ثروة هائلة وبنت نموذجًا متقدّمًا للرفاه، اكتشفت أن تفوّقها الاقتصادي لا يترجم تلقائيًا إلى مناعة استراتيجية. لم يعد الأمن مسألة جيوش فقط، ولا مسألة إنفاق عسكري؛ بل هو شبكة متكاملة تشمل الطاقة، والاتصال، والغذاء، والبنية التحتية، والثقة المجتمعية.
يتضاعف القلق الأوروبي مع تراجع الوضوح في الموقف الأميركي. لم يعد الخطاب السياسي القادم من واشنطن يقدّم الطمأنينة التي اعتادت عليها العواصم الأوروبية. تغيّرت اللغة والأولويات، وبات مفهوم الالتزام مشروطًا بتوافقات أيديولوجية وسياسية داخلية. يضع هذا التحوّل أوروبا أمام واقع جديد: لم يعد التحالف ضمانة ثابتة، وقد تُسحب أو تُثقَب المظلّة الأمنية في اللحظة التي تتبدّل فيها الحسابات.
يحمل هذا المشهد دلالة مهمّة بالنسبة إلى عالمنا العربي. فالنظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب الباردة يتآكل من الداخل؛ القواعد التي حكمت العلاقات بين القوى الكبرى تفقد صلابتها، والفراغات الاستراتيجية تتكاثر. في مثل هذه البيئات، تتحرّك القوى الطامحة إلى توسيع نفوذها، وتختبر الخطوط الحمراء، وتعيد رسم مناطق التأثير. وليس ما تفعله روسيا في محيطها الأوروبي منفصلًا عن هذا السياق العالمي، بل يذكّر بسلوكيات مشابهة شهدتها مناطق عربية عندما ضعفت التوازنات وغاب الردع الواضح.
تواجه أوروبا أيضًا أزمة إدراك، فقد خلق التركيز الطويل على الأمن التقليدي شعورًا زائفًا بالسيطرة، في حين تُركت الجبهات غير المرئية أقل تحصينًا. يعكس هذا الخلل في الرؤية مشكلة أعمق: صعوبة الانتقال الذهني من عالم الحروب الكلاسيكية إلى عالم الصراعات المركّبة. وهي صعوبة لا تخص أوروبا وحدها؛ إذ واجهتها دول عربية عند أول اختبار حقيقي لقدرتها على حماية فضائها السيبراني، أو منشآتها الطاقوية، أو نسيجها الاجتماعي.
في حال توقّفت الحرب في أوكرانيا بطريقة تمنح روسيا مكاسب ملموسة، فإن الرسالة التي ستصل إلى العالم ستكون خطيرة: القوة تُكافأ، والحدود قابلة للتعديل، والردع الجماعي قابل للتآكل. ولا تتوقّف آثار مثل هذه الرسالة عند أوروبا الشرقية، بل تمتد إلى كل المناطق التي تعيش نزاعات مجمّدة أو توازنات هشّة، بما فيها الشرق الأوسط. وتُظهر التجربة العربية مع تسويات غير عادلة كيف يتحوّل "الهدوء" المؤقّت إلى مقدّمة لجولات صراع أكثر عنفًا.
يفرض المشهد الأوروبي الحالي على العرب قراءة مزدوجة: قراءة لما يحدث هناك، وقراءة لما يعنيه ذلك هنا. يدخل العالم مرحلة تتراجع فيها الضمانات، ويتقدّم فيها منطق القوة، وتزداد فيها أهمية الاعتماد الذاتي. أوروبا، رغم ثقلها التاريخي، تمرّ اليوم باختبار سيادي حقيقي، وسيترك نجاحها أو فشلها في إعادة تعريف أمنها أثرًا عميقًا في شكل النظام الدولي القادم.
إن ما تعيشه أوروبا ليس أزمة أوروبية فقط، بل مرآة لتحوّل عالمي واسع، حيث لم يعد الاستقرار حالة دائمة، وحيث بات الأمن مشروعًا مستمرًا يحتاج إلى رؤية شاملة، وإرادة سياسية، واستقلالية في القرار. هذا الدرس، الذي تدفع أوروبا ثمن تعلّمه اليوم، يعرفه العالم العربي جيّدًا، وربما آن الأوان لقراءته بوعي جديد، بعيدًا عن الأوهام، وقريبًا من حقائق القوة في عالم مضطرب.