إبراهيم مالك: في موريتانيا يقفون أمام كل شيء جديد

نصوص الشاعر الموريتاني تعتمد جمالية العبارة البسيطة مفردة وتركيبا، وتتشكل رؤاها من ذلك العالم القريب للذات.


عدم تأثري بالقصيدة الموريتانية والكلاسيكية، جعلني أعيش اغترابا آخر في بدايات تشكل معارفي الشعرية


التواصل الثقافي الموريتاني العربي موجود منذ القرن الماضي

تعتمد نصوص الشاعر الموريتاني إبراهيم مالك جمالية العبارة البسيطة مفردة وتركيبا، وتتشكل رؤاها من ذلك العالم القريب للذات، وصورها الشعرية تشتبك مع الواقع المحيط تعري تناقضاته وتواجه هزائمه، ومفارقاتها على بساطتها صادمة وعميقة ودالة، وتتميز بقدرة عالية على الإيجاز على الرغم مما تحمله من ثراء في المعاني والدلالات. 
مالك من مواليد انواكشوط حصل على درجة بكالوريا شعبة العلوم الطبيعية 2010، وليسانس في الفلسفة وعلم الاجتماع من جامعة انواكشوط، وماستر في علم الاجتماع 2016، يكتب إلى جانب قصيدة النثر، المسرحية والقصة القصيرة والنقد الأدبي ويشارك بقوة في الحراك الثقافي.
في هذا الحوار مع مالك نتعرف على تجربته قبل كتابة قصيدة النثر وبعدها وعلى المشهد الشعري الموريتاني والموقف النقدي من قصيدة النثر وأمور أخرى.
يقول مالك: البداية غالبا ما تكون صعبة، كنت أخوض صراعا ذاتيا أو وجوديا منذ وقت مبكر دفعني لأن أكتب، كنت أطرح الكثير من التساؤلات ولا أجد لها أية إجابة، ولم يكن أمامي سوى خيار واحد، أن أدوّن كل ما أكتب. ولدت في عالم غير متوازن، عالم مبني على الكثير من التناقضات والتجاذبات الأزلية، أردت أن أصرخ بشدة حتى يتوازن هذا العالم. في البداية أردت كتابة الشعر العمودي ككل مراهق موريتاني أو شاب يطمح لأن يكون شاعرا، لكنني لم أنسجم معه ولم أحصل على التوليفة التي أريد، إذ كان صعبا عليّ أن أختزل نفسي في قالب واحد، ثم انتقلت إلى كتابة القصة القصيرة، لكني لم أجد ذاتي بعد ذلك إلا في قصيدة النثر، وحين عدت إلى نصوصي القديمة جدا وجدتها تشبه كثيرا هذه القصيدة، لذلك أردت أن أطور نفسي وأقرأ كثيرا وأكتب أيضا، وهأنذا منذ نعومة إنسانيتي أكتب قصيدة النثر.

على منصات التواصل الاجتماعي هناك تواصل ثقافي آخر يتم من خلال نشر أغلب كتاب قصيدة النثر في موريتانيا في بعض المجلات الإلكترونية العربية

ويعتقد أن أغلب كتاب قصيدة النثر ظهروا نتيجة لواقع معين أرادوا إبرازه في مشهدية ملحمية قصيرة أو طويلة، الأهم أنها تعبر عن الواقع دون أن أي رتوش. لذا أسميهم أبناء الله وخاصته، أبناء الاختلالات البنيوية والوظيفية في المجتمع، أبناء الهامش، القادمون من رحم الحروب والثورات، القافزون على تابوهات الشعر ليضعوا قواعدهم الخاصة. يمكنني أن أقول بأنني بدأت كتابة قصيدة النثر قبل أن أقرأ أي ديوان أجنبي، لكنني كنت متأثرا ببعض الشعراء العرب أمثال أدونيس والماغوط، أحمد مطر، قبل أن أتأثر لاحقا بالعظيم رياض الصالح الحسين، ثم أبتكر طريقتي الخاصة في الكتابة.
يضيف مالك: أثناء دراستي للفلسفة كنت مبتعدا عن الكتابة، خصوصا أن الساحة الشعرية الموريتانية تعتمد أكثر على المحاكاة والتقليد والقواعد الثابتة وهذا ما تقوم عليه الكلاسيكية وكذلك شعر التفعيلة، وتقوم بإقصاء كل شيء جديد - حتى وإن كان حداثيا وإبداعيا - لكن بعد التخرج اكتسبت رؤية أخرى، تتمثل في أننا لا نستطيع الحياة أو الكتابة تحت وصاية أحد، لا نستطيع أن نكون نسخا أو جزءًا من نظام لا نقتنع به، إما أن نكون نحن أو لا نكون، فقررت أن أعيش بطريقتي وأكتب بطريقتي، وليرفض من يرفض، وليقبل من يقبل. فأطلقت العنان لنفسي ولقصيدتي النثرية، وكان ذلك بعد ما سمي بالربيع العربي، وبعد الكثير من الثورات العربية والخيبات واللعنات التي واجهتها شخصيا، فكان كل ذلك ملهما بالنسبة لي. 
كما أن عدم تأثري بالقصيدة الموريتانية والكلاسيكية، جعلني أعيش اغترابا آخر في بدايات تشكل معارفي الشعرية، هذا الاغتراب له بعده الفلسفي، وكذلك الشعري، وإن كنت قد جسدته في نص سابق كان عنوانه "هذا النص كتبه كافكا"، كان جليا جدا من خلاله النظرة التي أرى بها نفسي ضمن مجتمع هائم ومتشابه، لا قيمة للمختلفين فيه، كنت في لحظة ما أرى أني الوحيد الذي يتذوق قصيدة النثر، قبل أن أعرف أن لدي أصدقاء أيضا يتذوقونها مثلي، ويفضلونها على الكلاسيكية، كنت متضايقا لأن قصائدي لا تجد نفس الصدى، ولا يوجد بجانبي من يستطيع أن يتفهم هذا الاغتراب الذاتي والشعري، من يربت على كتفي ويقول: أنا أعرف قصيدة النثر وأؤمن بها. كنت أريد أن أثبت أنه "سواء أكتب الشاعر، شعرا أم نثرا، وسواء نحت في المرمر أم صب تماثيله من البرونز، فهذا رائع والشاعر حر، كما قال فيكتور هيغو في ديوان الشرقيات.
 ويرى مالك أن خطرين مازالا يتهددان العالم، النظام والفوضى. ويقول: لا أحب وضع الشعر في قواعد ثابتة، أحب التغيير والسيرورة في الحياة والاستمرارية، وكذلك التحديث، لذلك أرى بأنه من الصعوبة بمكان وضع مفهوم محدد لقصيدة النثر لأنني أرى أنها تختلف وتتطور انطلاقا من رؤية كل شاعر، لكني أميل إلى تعريف سوزان برنار حيث اعتبرتها "قطعة نثرية موجزة، مضغوطة كقطعة بلور، إيحائية لا نهائية". كما أنني أرى أنها تقوم على إبراز المشهدية والمعاش اليومي بطريقة درامية تجعل القارئ أو المتلقي مشدوها ومتأثرا، لا يستطيع سوى أن يصفق. وذلك طبعا باستخدام لغة شعرية استثنائية ومعبرة، تعتمد إيقاعا موسيقيا واضحا من خلال ارتباط كل مقاطع القصيدة، مع اعتماد الصور البلاغية المدهشة والإنزياحات الشعرية الكثيفة. وأعتقد بأن هذه المساحة الحرة في قصيدة النثر جعلتها عرضة لكل من يريد أن يكتب ويحسب نفسه عليها دون أن يعرف إن كانت هنالك خصائص محددة تمتاز بها هذه القصيدة أم لا، لكن كل من أرادوا التسلق عليها سقطوا تباعا ليدركوا حجم الكارثة، وكم أن السقوط سيكون مدويا إن لم تمتلك ناصية الحرف وملكة الكتابة، لذا عليك أن تعاني وتتعذب بما يكفي لتليق بك فضيحة الشعر.
ويشير مالك إلى أنه في موريتانيا يقفون أمام كل شيء جديد، حتى قبل أن يطلعوا عليه أو على حقيقته، يكفي أن يكون دخيلا ليناهضوه هو إذًا حكم مسبق فقط. شخصيا تلقيت رسائل وانتقادات عديدة من كتاب وشعراء ينصحونني باللجوء إلى كتابة شعر التفعيلة، إن أردت أن تخلد تجربتي الشعرية، أو أحظى بالتقدير والتكريم. أن تفكر خارج الصندوق يعني أن تبحث عن نفسك داخل كومة قش. لذا فإن قصيدة النثر هنا لا تزال مقصية من قبل بعض القامات الأدبية المنتهية الصلاحية، لكنها مقبولة من قبل أغلب الشباب والمثقفين الحداثيين، حتى أن هناك الكثير من شعراء العمودي الذين أصبحوا يميلون إلى كتابتها مؤخرا. إذن هو موقف قاسي ولا واعي متعصب للمدرسة الكلاسيكية، ونظرة نمطية غير موضوعية بالمرة، لكنني الآن أعمل على تغيير هذه النظرة رفقة بعض الشعراء الذين يكتبون قصيدة النثر". 

Literary dialogue
رؤية إقصائية تنامت في عقولنا اللاواعية 

ويلفت إلى أن الإشكال في موريتانيا أن الشعر لا يزال مهمشا وتابعا للقبلية والجهوية والمحسوبية، حتى أنه أحيانا يتاجر به، مثلا في أغلب الفعاليات السياسية نجد شعراء يمجدون الحاكم، أو يتغزلون بابن قبيلتهم المترشح، لذا فإنني أرى الشعر هنا بدائيا وبطيئا بالكاد يسير أو يحبو حتى يستطيع تغيير عقلية شخص واحد. إن لم يغيرنا الشعر نحو الأفضل، فما الفائدة منه؟! كما أن ندرة الطباعة والنشر في موريتانيا جعلت الشعر غامضا ومبهما، غائبا ومغيبا عن العالم. هناك الكثير من الشعراء الذين وصل صداهم لكل البلدان العربية، لكن تجاربهم توقفت عند هذا الحد، ولم يستطيعوا الإستمرارية أو الوصول للعالمية. 
أعتقد بأن الإشكال يتضح من خلال عدم امتلاك الشاعر لقضية وحملها على عاتقه، فلم يعد مقبولا أن يقف شاعر كبير ويقرأ قصيدة يتقرب بها من الحاكم، ولم يعد مقبولا من الشاعر أن يبقى مجرد دمية يكتب حين يطلب منه، ويتوقف حين يطلب منه. المشهد الشعري هنا هش جدا، ولا أرى فيه مستقبلا للشعر خصوصا إن كان هذا الوسط هو نفسه من سيقف لك بالمرصاد حين تخرج عن تقاليده المعروفة، وتكتب على طريقتك وبأسلوبك الخاص، فتحترم للشعر قواعده وموسيقاه، لكنك لا تكرر أحدا ولا تكتب على طريقة أحد.
أنت مقصي من هذا المشهد الشعري ما دمت تكتب على طريقتك الخاصة.
ويؤكد مالك أن الحراك الثقافي والإبداعي أيضا يخضع لنفس المشاكل والظروف السابقة التي يعاني منها الشعر، يمكننا أن نضيف عليه تهميش الثقافة والإبداع من طرف الحكومات المتعاقبة وعدم دعم وتشجيع الشباب المبدع حتى يستمر وكذلك عدم وجود أو خلق أمسيات ومهرجانات ثقافية كبيرة تنتشل هؤلاء المبدعين بعيدا عن مهرجانات القبيلة والمحسوبية، كلها عوامل تبطئ كل يوم من هذا الحراك الثقافي وتقتل أحلام الشباب المبدع. هنالك جهود جبارة يقوم بها بعض الشباب تستحق الشكر والتثمين، لكنها ليست كافية لنكون أمام حراك ثقافي حقيقي، وهو ما جعلنا مقصيين غالبا من هذا العالم الذي لا يعرف عنا سوى القليل، لم يستطع الشاعر الموريتاني حتى الآن أن يُعرف العالم بثقافته، ولم يستطع الروائي أيضا، ربما هنالك عوامل كثيرة ساهمت في تردي الحراك الثقافي الموريتاني لكن يمكن تلخيصها بشكل كامل بنظرة المجتمع والحكومة للشعر والثقافة.
ويرى أن المشهد الشعري العربي لا يزال تابعا لنفس عقلية المجتمعات العربية التي ترفض التغيير ولا ترحب به، بعكس المجتمعات الغربية التي رحبت ببودلير وقصيدته النثرية في أزهار الشر، بل واحتفت بها كقصيدة جديدة جديرة بالثناء والتقدير، حتى ساهمت هذه القصيدة في صناعة عصر النهضة الأوروبي الذي كان سببا في هذا التقدم الهائل الذي وصلوا إليه حاليا. أما في البلدان العربية فقد نشأنا على مساعدة الفاشل في فشله، والوقوف في وجه من يريد النجاح حتى يفشل. هي رؤية إقصائية تنامت في عقولنا اللاواعية وتربينا عليها منذ الأزل، فحتى في أربعينيات القرن الماضي حين كتبت نازك الملائكة قصيدتها الشهيرة "الكوليرا" في شعر التفعيلة، وحين نادت به كحركة شعرية جديدة نتيجة لما تقتضيه ظروف تلك المرحلة وقف الجميع في طريقها معتبرين ذلك شذوذا عن القواعد الخليلية الثابتة، ورغم أنها بعد ذلك أثبتت نفسها، وتقبل الجميع شعر التفعيلة، كانت نازك الملائكة أيضا من أوائل المعارضين لقصيدة النثر حين ظهرت مع روادها الأوائل جبرا إبراهيم جبرا، وأدونيس، مظفر النواب، أنسي الحاج وغيرهم.
مع أنه كانت هناك ظروف أخرى جديدة ومغايرة، ظروف اجتماعية وثقافية ساهمت في نشأة هذه القصيدة. إذًا ظل المشهد الشعري العربي إقصائيا ولسنوات طويلة، أيضا ظلت قصيدة النثر العربية على الهامش، فقلت مهرجاناتها ومؤتمراتها، وتم تهميش شعرائها في العديد من البلدان، ومع أنني لا أتابع هذا المشهد إلا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي فإنني أرى بأن هناك الكثير من الشعراء الذين يمكن أن يغيروا وينهضوا بالمجتمعات العربية، لكن لا أحد يستمع لهم أو يلقي لهم بالا، ففي مجتمعاتنا وحده السلاح مسموح له بالتغيير والسلطة، وليس الكلمة.
ويختم مالك بإشارته إلى أن التواصل الثقافي الموريتاني العربي موجود منذ القرن الماضي، وربما هو ما جعل مجلة "العربي" الكويتية تطلق علينا بلد المليون شاعر سنة 1967، بعد أن برز الشعراء الموريتانيون في الساحة الشعرية العربية، واستمر هذا التواصل أيضا مع بداية الألفية، وحتى مؤخرا فاز كاتب موريتاتي بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية .كما أعرف الكثير من الروائيين والكتاب والشعراء الذين لا يطبعون كتبهم إلا في مصر والإمارات والسعودية، وغيرهم. وحتى على منصات التواصل الاجتماعي هناك تواصل ثقافي آخر يتم من خلال نشر أغلب كتاب قصيدة النثر في موريتانيا في بعض المجلات الإلكترونية العربية.. إذن لا يزال هذا التواصل قائما، وإن كان محدودا ويحتاج تكثيفا ورؤية أخرى أكثر مصداقية وإفادة للطرفين.