إسرائيل شيفلر يستكشف 'العوالم الرمزية' في الفن والعلم واللغة والطقوس
الرمزية خاصية أولية من خصائص العقل، تبرز في كل أشكال التفكير وفروع الثقافة. الفيلسوف الأميركي المعاصِر إسرائيل شيفلر، يستكشف في كتابه "العوالم الرمزية: الفن والعلم واللغة والطقوس" سِمات وظيفة الرمز في اللغة والعلم والفن، وفي الطقوس واللعب وتشكيل الرؤى المختلفة للعالم. إنه يعيد صياغة تيمات أساسية في أعماله السابقة، ويتتبَّع في هذا الكتاب الخطوط السابقة للبحث في تطور هذه التيمات، ويتناول عدة مشكلات جديدة تنبثق في سياق استفسارات أخرى.
يرى شيفلر في كتابه الذي ترجمه د.عبد المقصود عبد الكريم وصدر عن مؤسسة هنداوي أنه ضمن القدرات التي يفترضها الفعل الإنساني: قدرة التمثيل الرمزي، وعلى أساسها يمكن التعبير عن النوايا، وصياغة التوقعات، وعرض الفرضيات واستدعاء نتائج سابقة.. البشر حيوانات رمزية، ومن ثم كانوا مبدعين وكائنات ثقافية في ذات الوقت.. النظم الرمزية التي يشيِّدها البشر ليست ببساطة تغيرات ترتكز على منشأ عام، ينبثق بدوره من معطيات الفيزياء؛ فكلٌّ من هذه النظم العديدة لا تحدِّدها الحقيقة الفيزيائية بقيود كافية، وليس هناك مبدأ يضمن الانسجامَ الكامل والاتساق بينها.. النظم الرمزية ترتبط ـ في أذهاننا ـ بمجموعات من المقولات أو المصطلحات التي يطرحها الشخص عادةً في سياقات معينة. وبعيدًا عن المصطلحات، نُضَمِّن أيضًا وسائل غير لغوية للتمثيل؛ لفهم الجرافيكي أو البياني، والتصويري والتشكيلي، والحركي والطقوس. وتشترك النظم الرمزية في وظيفة الإشارة الظاهرية للسمات التي اختيرت لإلقاء الضوء عليها، ووظيفة الحساسية الناتجة عن الخصائص والعلاقات، والتضمين، والاستبعاد، والتدرج الهرمي والتباين الذي ينظِّم عالم الموضوع بطرق مميزة.
ويضيف "اعتمد تقديمي للطبيعة البشرية، في نشاطها وتشكيلها رموزًا باستمرار، بكثافة على أعمال الفلاسفة البراجماتيين العظماء.. ففي تصوري أن الرمزية تشمل مجالًا واسعًا من الظواهر غير اللغوية واللغوية أيضًا، تعود بنا الذاكرة إلى فترة سابقة على أحدث عهود الفلسفة الأمريكية التي سادت فيها الرؤية الألسنية والمنطقية والعلمية. وتستدعي في الحقيقة المفهوم البراجماتي الخصب لبيرس، المهندس المعماري للعلم الحديث للعلامات، الذي يُعنَى بالأبعاد الكثيرة لتوظيفها. ويردِّد أيضًا أصداء التعريف الواسع لإرنست كاسيرر للإنسان بأنه حيوان رمزي وليس عقلانيا، تُعرَض أعماله في الصيغ العديدة للتفكير الذي يشمل ثقافة الإنسان. ويعكس تأثيرَ الكتاب الرائد "لغات الفن" لنيلسون جودمان الذي اهتم بتطوير رؤية واسعة لإشارة النظم الرمزية بوصفها تمتد إلى ما بعد اللغة وتشمل الفنون أيضا. ويجدر بشكل خاص في التعليق المقدَّم هنا ملاحظة الخاصية الإبداعية للرمز، مطروحةً في تلك البِنى الجمعية الجذرية التي تشكِّل عوالم الموضوع؛ ومن ثم، عنوان الكتاب الحالي. وتشمل العوالم الرمزية التي أُشير إليها هنا العلومَ والفنون، كما تشمل الطقوس الدينية، ولا تقتصر على تصرف البالغين برزانة، بل تشمل أيضًا لعب الأطفال. وهذه العوالم لا تشمل الوصف الأدبي فقط، بل تشمل أيضا الإبداع الاستعاري، سواء كان لغويا أو تصويريا، وتشمل التمثيل الملتبس كما تشمل التمثيل الصريح. وهكذا تشمل الأقسام الرئيسية هنا علاج الالتباس والاستعارة، وتحليل اللعب والطقوس، ومناقشةً موسَّعة للعلاقات بين نظم الرمز العلمي والواقع.
يقول شيفلر إننا نعيش في عالم رموز وأشياء أخرى أيضًا، وتتوسط الرموز باستمرارٍ صلتنا بها. ينمو تفكيرنا باطِّراد، وهو ينضج، في قدرته على استخدام الرموز المناسبة في التأمل والتصرف والاستنتاج والعمل. ولا يثير الدهشة أن الأمر يحتاج إلى جهد خاص للفصل بين إشاراتنا إلى الأشياء وإشاراتنا إلى الرموز التي تدل عليها. ومن هنا تأتي الممارسة المتأنية لاستخدام تدوين خاص لتحديد التمييز في سياقات، من قبيل المنطق؛ حيث يكون الوضوح النظري في منتهى الأهمية. وبالتالي يكون استخدام مصطلح، بين تنصيص، مثلًا، منفصلًا بحدة عن الإشارة إليه. يُستخدَم مصطلح "مائدة"، دون تنصيص، في الإشارة إلى مواد معينة من الأثاث، لكن المائدة نفسها لم يُشَر إليها بهذه الطريقة. ومن الناحية الأخرى، يشير المصطلح الموسع المكون من المصطلح الأصلي بين علامتَي تنصيص إلى الكلمة في إطارها؛ أي المصطلح ميم ألف همزة دال تاء، لكنه لا يشير إلى مركب تلك الكلمة أو علامتَي التنصيص، أو أية مادة من الأثاث.
ويشير إلى إن المنطق مسألة مصطلحات، لكن يمكن إنجاز الإشارة بوسائل أخرى أيضًا. تشير، مثلا، صورة لنكولن إليه بقدر ما يشير الاسم "لنكولن". لكننا هنا نواجه انحرافًا واضحًا عن المقابلة بين الاستخدام والإشارة. الاسم نفسه المستخدَم للإشارة إلى الرئيس لنكولن يُستخدم أيضًا للإشارة إلى الصورة التي تُشير إليه؛ لأن المصطلح الذي يشير إلى لنكولن يُعَنوِن أيضًا إشارةً تصويرية له. بدلًا من الإشارة إلى الصورة باستخدام اسم لها، يشار إليها باستخدام اسم من تشير إليه. صحيح أن مصطلح "لنكولن" لا يدل على الصورة؛ الصورة، رغم كل شيء، ليست الرئيس. لكن المصطلح يعنون الصورة بشكل مناسب؛ أي يختارها ويُطبَّق عليها، ويعرِّفها، وبهذا المعنى يشير إليها. الاستخدام الواعي لأداة التنصيص يحول دون استخدام المصطلح ليدل على نفسه، لكنه بوضوح لا يمنع إشارته إلى رمز يصنع الإشارة المماثلة. ولا يوجد، بمجرد تمييز العنونة عن الدلالة، أي سبب لنقصرها على الصور؛ قد يكون وصف يميِّز الرئيس لنكولن عنوانًا ﻟ "لنكولن"، كما قد تكون صورة. يمكن اعتبار مصطلح "لنكولن" نفسه عنوانًا لمصطلحات "لنكولن" نفسها. صحيح أننا وسَّعنا هنا الاستخدام المعتاد لمفهوم العنونة ليتجاوز الصور إلى المصطلحات، وفي الحقيقة، إلى التمثيل الرمزي عمومًا.
ويتساءل شيفلر: ما الالتباس؟ تحت أي شروط تكون الكلمة ملتبسة؟ ويقول "ندعي جميعًا لأنفسنا براعةً عملية في اكتشاف الالتباس، لكن نظرية الالتباس في حالة مؤسفة. يهتم المنطقيون والفلاسفة عادةً بالالتباس بوصفه عيبًا في براهين الآخرين أو خطرًا عليهم حمايةُ خطابهم الجادِّ منه. ولا يتمتَّع نُقاد الأدب، المدرِكون للقيم البلاغية للتعبير الملتبس، بقدر مساوٍ من الحساسية للاحتياجات الفلسفية للوضوح والنظام. وهكذا تبقى الأسئلة التحليلية العامة في معظمها غير مستكشَفة، بينما تعاني التفسيرات المكررة عادةً من مشاكل خطيرة متنوعة. يقال إن كلمةً، مثلًا، ملتبِسة إذا تضمنت معاني أو أحاسيس مختلفة، أو إذا كانت تمثل أفكارًا مختلفة. لكن الكِيانات الشبح من قبيل المعاني أو الأحاسيس أو الأفكار لا تقدِّم إلا شبحًا للتفسير إلا إذا كان من الممكن، وهذا يبدو بعيد الاحتمال، أن تُشيَّد بوضوح بوصفها أشياء قابلةً للعدِّ يمكن تحديد علاقتها ببعضها البعض وبالكلمات بشكل مستقل. وفي أفضل الأحوال، يمكن اعتبار هذه الكِيانات أقانيم لمحتوى مجموعات من التعبيرات المترادفة، ويعتمد التحديد على مفهوم غامض جدًّا للترادف.
يهتم شيفلر بظاهرة اللعب، وخاصةً هذا الشكل من اللعب الذي يبدو فيه الطفل منهمكًا في اعتبار شيء شيئًا آخر، يبدو مثلًا أنه يعرِّف عصا مكنسة بأنها حصان. في هذا الموقف، لا يبدو ببساطة أن الطفل ينقل المصطلح "حصان" إلى عصا مكنسة، مقدِّمًا طريقةً ميسرة لتركيز الانتباه على عصًا باستخدام جديد لاسم قديم. ولا يبدو أن الطفل يخطئ ببساطة، معتبرًا العصا شيئًا من نوع يسميه حاليا "حصانًا". يبدو أن الطفل يفعل شيئًا مختلفًا وأكثر تعقيدًا، منكبًّا على العصا بلجوء خيالي إلى الأحصنة أو ربما، بالتركيز على الأحصنة باستخدام خاص للعصا. على أية حال، يستدعي مزاج الطفل توضيحًا سيمنطيقيا؛ أي تعليقًا على الكيفية التي قد تفهم بها وظيفة الإشارة في مثل هذه اللعبة. ويرتبط مزاج الطفل في اللعب بظواهر أخرى قد تكون أكثر أهمية. إن اعتبار شيء شيئًا آخر هو ما تتضمَّنه على ما يبدو أشكال معتادة من الإشارة الى أعمال الفنية، وطقوس دينية تتسم بالمحاكاة، والوثنية وسحر الكلمة، ومناقشات الدراما. نسمي صورة رجل "رجلًا" بدلًا من "صورة رجل". في بعض الطقوس القديمة المتسمة بالمحاكاة، يتماهى عموم البشر على ما يبدو مع كائنات سماوية. في الوثنية، أو بشكل أكثر عمومية، سحر الكلمة رمز يتماهى مع رب أو قوًى تُنسب للمرموز له. في مناقشات الدراما، يشار إلى الممثلين عادةً بأسماء الشخصيات التي يمثلونها. والعنصر المشترك في هذه الحالات المتنوعة على ما يبدو اعتبار الرمز ما يرمز إليه. ولكل حالة أقترح تفسيرًا سيمنطيقيا يتأسس على اختيار الإشارة.
ويرى شيفلر أن للطقوس كيانات رمزية متعددة لا مفردة. أي إن الطقوس تُعرَّف بالممارسة لا بأداء مفرد، لكن بمجموعات من الأداء تلبي مواصفات معينة. وهي في هذا تشبه الأعمال الموسيقية والنقوش، وليس الرسم. كيف تصاغ المواصفات الطقسية؟ هناك تنوع بالطبع. قد تُنقل بالتقاليد الشفهية، أو كتابة، وقد لا تُفهم إلا ضمنيا رغم فهمها جيدًا في سياق. لكنها في كل حالة تضع شروطًا يجب الوفاء بها، محددة الطرق الصحيحة والطرق الخطأ للفعل إذا لم يتحقَّق الطقس.
ويقول لاشك أن للطقوس، بتكوينها المحدد، تواريخ. وكثيرًا ما تبلورت من أحداث أو ممارسات تفتقر إلى هذه الخاصية المحددة، لم تتشكل مواصفاتها بعد. ودون هذه المواصفات، تكون الممارسة مرنة، وشروط هُويتها غير ثابتة، ويكون "الطقس نفسه" و"الطقس المختلف" غير واضحَين حتى الآن. حين تتبلور مثل هذه الممارسة المرنة بشكل كافٍ لتعبِّر عن مواصفات محدَّدة تتأكد هُوية الطقس. لكن هذا التغيُّر ليس تغيُّرًا في الطقس أو تغيُّر طقس؛ لأنه لا يوجد طقس بداية. إنه يمثِّل نشأة فئة من الطقوس حيث لا توجد فئة من قبل؛ أي حيث لا يوجد ميلاد طقس، إذا جاز التعبير. وبالعكس، قد نتحدَّث عن تحلُّل فئة من الطقوس حين تتفكَّك مواصفاتها أو تضعف، ونتحدث هنا، إذا جاز التعبير، عن موت الطقس. ولا تمثِّل علمنة الطقوس الدينية غالبًا فشلًا بسيطًا في الأداء لكنها تشمل ضعفًا تدريجيا في هُويات الطقوس، وطمس ما كان حدودًا محددة، ليصبح من غير الواضح متى يحدث أداء الطقس. ولا يمكن تمييز هذا التحلل إلا بتصريح يقلِّل كثيرًا من شأنه بوصفه تغيرًا في الطقس؛ وهكذا قد يوصف موت إنسان بأنه تغيُّر فيه. ولا يوجد، في مفهوم تحلل الطقس، أي إيحاء بإحلال، مثلًا، تغير طقس مكان آخر.