إسماعيل شكري ينطلق نحو ذهن متنافذ للشعر المغاربي

شكري يدرس حالة الذهن الشعري المغاربي خلال سنة 2018 مفترضا أن هذا الشعر يتميز بتمايز القوالب الفنية وانفراد كل منها بهوية خاصة.


الخطاب الشعري العربي في شعر الهايكو يمكن تقسيمه إلى نوعين


الهايكو العربي المنزاح لم يعد محصورا في بؤرة الطبيعة بل تجاوزها نحو جزئيات الحياة اليومية

يرى الباحث المغربي د. إسماعيل شكري أن الناتج الشعري ليس مجرد دواوين منشورة، بقدر ما هو نسق شعري معرفي غير معزول عن محيطه المعرفي المحلي والعربي والكوني.
وفي تقريره المقدم حول حالة الشعر المغربي 2018 - والذي نشر ضمن تقرير حالة الشعر العربي الذي أصدرته أكاديمية الشعر العربي بجامعة الطائف السعودية 2019 – يدرس حالة الذهن الشعري المغاربي خلال سنة 2018 مفترضا أن هذا الشعر يتميز بتمايز القوالب الفنية (خصائص شعرية) وانفراد كل منها بهوية خاصة، غير أنها تتنافذ إلى بعضها بعض من خلال الكليات الشعرية المحلية والعربية والعالمية، وعليه تتدخل وظيفة الأطر البلاغية المحوسبة في الدماغ لتنشيط التنافذ حيث تتناسل المعاني في اتجاه تشييد عوالم شعرية متمايزة ومتفاعلة عبر سيرورات القراءة والحجاج والحوار والصراع والتعاون.
وما يعنيه شكري بالتنافذ هو تنافذ خصائص الشعرية إلى بعضها بعض، وتنافذها إلى التشكيل والسينما والرواية، بل وتنافذها إلى الشعرية العالمية دون أية مفاضلة بين نسق وآخر أو شاعر وآخر.
وهو يدرس هذا التنافذ إلى الشعري المغربي في 2018 من خلال التنافذ إلى العولمة الشعرية عن طريق شعر الهايكو، ويوضح أن الخطاب الشعري العربي في شعر الهايكو يمكن تقسيمه إلى نوعين: نمط تقليدي حافظ على البناء التقليدي لقصيدة الهايكو، كما جاءت في الهايكو الياباني الكلاسيكي، ونمط حاول الانزياح عن الشكل الكلاسيكي للهايكو الياباني.
ويشير إلى أن النمط التقليدي للهايكو يجعل من الطبيعة بؤرة رؤيته للعالم، فالنصوص تقدم إحساسا أو تنقل صورة مباشرة من الطبعية كصوت الماء عند نطة الضفدعة مثلا، بينما الهايكو العربي المنزاح لم يعد محصورا في بؤرة الطبيعة بل تجاوزها نحو جزئيات الحياة اليومية، فينفذ إلى المحطة والباص والقطار والترومواي والمصعد والسوق والمتسول .. الخ، ويضرب مثلا بشعر الهايكو عند الشاعر المغربي سامح درويش.
ويضيف شكري أن المنتوج الشعري المغربي تميز خلال 2018 بالاشتغال على مساحة مثل الدمج بين الهايكو والتشكيل ويطرح من خلالها قضية المشابهة في الأيقونات بوصفها ليست مطابقة حرفية بين اللغة الشعرية – الأيقون والواقع المرجع.
أما واقع شعر الهايكو في الجزائر فيرى شكرى أن اللغة الشعرية تحتفي بالتشكيل في سياق الكنابة بواسطة تأثير الطبيعة على المأساة، كما هو الشأن في "هايكو القلق" الصادر سنة 2018 للشاعر الجزائري معاشو قرور.
كما يتحدث الباحث د. إسماعيل شكري عن تنافذ السيرة والتاريخ في الشعر المغاربي في 2018 ويؤكد أن الحديث عن مسار الشعر المغاربي في هذا العام يقودنا إلى تسجيل تألقه عربيا وعالميا، سواء تعلق الأمر بترجمة دواوين الشعر المغاربي إلى لغات عالمية أم بحصول شعراء المغرب الكبير على جوائز وتقديرات عربية وعالمية، كان آخرها حصول الشاعر صلاح بوسريف على جائزة المغرب للشعر عن ديوانه الصادر سنة 2018 "رفات جلجامش"، وحصول الشاعر محمد بنيس على جائزة "المنتدى الثقافي اللبناني" في فرنسا. 

The case of Arabic poetry

ويوضح شكري أن في ديوان بوسريف ينمو تشاكل الإشباع الذي يهيمن على عدة صور بلاغية مبنية في شكل انبجاس استعاري، حيث انفلاق الماء في كل شيء ومن كل شيء، وهو في ذلك يتنافذ مع الأطروحة الشعرية للشاعر السعودي عمر صعابي في ديوان "أخاديد السراب" وهما معا يتقاسمان المعرفة القرآنية في دلالة الماء وإيحاءاته. ويتبين ان سؤال الماء عند الشاعر المغربي هو سؤال معرفي وجودي صوفي يحول أسطورة جلجامش إلى مناقضة، وهنا يتنافذ الشاعر المحلي إلى لغته وثقافته ومحيطه العربي الإسلامي والعالمي أيضا.
وعليه يرى شكري أن البنية التصورية المشيدة للصراع بين تشاكل الإشباع والحرمان تسم الشعر المغاربي في 2018 وفي مختلف البلدان المغاربية. وعلى سبيل المثال فالحركة الشعرية الجزائرية في 2018 عرفت إنتاجات غزيرة للشعراء الشباب من بينهم الشاعرة نهلة كابري التي يرد التنافذ المعرفي في ديوانها بالنظر إلى علاقة الراوي الشاعرة بالكتابة ذاته في شكل حوار يتصارع خلاله منفذو الإشباع والحرمان، وهو صراع يمطط كذلك في شكل تنافذ أوسع عند الشاعر السعودي محمد الثبيتي والشاعر المغربي صلاح بوسريف.
أما في الخطاب الشعري التونسي في سنة 2018 فيلاحظ الباحث تنافذ إلى تشكيل الكتابة، وإلى التاريخ والأسطورة والسياسة، وإلى تيمات فلسفية وجودية من قبل الصراع الأزلي بين الإشباع والحرمان، ويضرب مثالا بديوان "أرتميدا" للشاعر التونسي محمد الهادي الحزيري، حيث تقدم قصيدة الجزيري تحويلا معرفيا من تاريخ عربي مجيد إلى ألم عربي لا ينتهي.
ويخلص الباحث في بحثه الواقع في عشرين صفحة، إلى أن الذهن الشعري المغاربي في 2018 تميز بسمات أبرزها: تعزيز الاتصال بالشعر العالمي من قبيل شعر الهايكو، وتأصيل هذا النمط الشعري في البيئة الثقافية والاجتماعية المغاربية، والنفاذ إلى القارئ العربي عبر ترجمة نصوص شعرية مغاربية إلى لغات عالمية، وتعزيز الاشتغال على القصيدة بوصفها لوحة تشكيلية، والتناغم بين السيرة والمتخيل في المنتوج الشعري، وبناء الحوارية بين الشعري والأسطوري والتاريخي انطلاقا من قضايا الإنسان الوجودية، وإشكالات المجتمعات العربية المعاصرة، وتوليد دلالات الدهر والحرمان والإشباع في المعجم الشعري والتركيب التداولي إضافة إلى التوليف الاستعاري.