إفريقيا الوسطى تسعى للاستفادة من التجربة المغربية لحلّ أزماتها

بانغي تأمل في دعم الرباط من أجل مواكبة المقاربة الأمنية والعسكرية بأخرى اقتصادية وتنموية واجتماعية.

الرباط - أبدت جمهورية إفريقيا الوسطى رغبتها في الاستفادة من التجربة الاقتصادية والتنموية المغربية، بما يشمل نقل الخبرة والحصول على دعم من المملكة في العديد من القطاعات، فيما يبدو أن بانغي أدركت أن التعاون مع الرباط من شأنه أن يمهد لها الطريق لإنهاء أزماتها المتعددة، لا سيما وأن المملكة أثبتت التزامها بعمقها الأفريقي من خلال المبادارت والرؤى الطموحة الهادفة إلى دفع مسيرة التنمية في القارة.

كثيرة هي التساؤلات التي تباغت من يتطرق إلى الأزمة الدائرة منذ سنوات في جمهورية إفريقيا الوسطى، والتي تتمحور جميعها عن السبب في عدم صمود أي حلول يتم التوصل إليها لتجاوز الصعوبات الأمنية والاجتماعية التي يعاني منها هذا البلد الإفريقي.

لكن يبدو أن ثمة بوادر أمل تلوح في الأفق، عندما انتهج قادة إفريقيا الوسطى، بمساعدة ودعم المغرب، نهج المقاربة الاقتصادية، مؤخرا، باعتبارها قد تكون طوق النجاة لكافة الصعوبات التي تواجه البلاد.

واحتضنت مدينة الدار البيضاء غربي المغرب خلال الآونة الأخيرة، اجتماعا لمناقشة برامج التنمية بجمهورية إفريقيا الوسطى، التي تعرف أزمة اجتماعية وأمنية، مع استمرار العنف الذي يقوض الاستقرار.

وتركز الاجتماع على التنمية والمقاربة الاقتصادية، فيما عده خبير مغربي "رهان قد يعرف النجاح هذه المرة، نظرا لأنه حل من جنس المشكلة التي هي بالأساس انفلات أمني سببه كثرة حالات السلب والنهب أو النزاعات الإثنية والعرقية".

وأوضح أن "الضعف الاقتصادي والاجتماعي والديني لإفريقيا الوسطى هو الذي عمق الانفلات الأمني من حالات السلب والنهب أو النزاعات الإثنية والعرقية لأن يتحول إلى أعمال وعنف يستغلها تنظيم القاعدة حيث يطرح نفسه بديلا عن الدولة الوطنية".

وتعرف إفريقيا الوسطى أعمال عنف من طرف الجماعات المسلحة منذ سنوات، حيث تنتشر قوات حفظ السلام الأممية "مينورسكا" في البلاد بنحو 17 ألف جندي.

وحضر الاجتماع رئيس جمهورية إفريقيا الوسطى فاوستين تواديرا، لعرض رؤيته حول برنامج التنمية خلال السنوات المقبلة، فضلا عن وزراء من هذا البلد ومن المغرب.

واعتبر تواديرا أن الهدف من الاجتماع ليس فقط توفير التمويلات العمومية والخاصة اللازمة لتنفيذ المخطط الوطني للتنمية 2024 - 2028، بل أيضا نسج ميثاق للثقة وفتح فصل جديد من التعاون مع الشركاء التقنيين والماليين.

وقال وزير الاقتصاد والتخطيط والتعاون الدولي بإفريقيا الوسطى ريتشارد فيلاكوتا، خلال الاجتماع، إن بلاده بحاجة إلى 12.5 مليار دولار لتمويل مشاريعها الاستراتيجية ضمن المخطط الوطني للتنمية الذي يمتد إلى غاية 2028.

لكن رئيس الوزراء فيليكس مولوا كشف أن بلاده نجحت في تعبئة مبلغ إجمالي قدره 9 مليارات دولار من الالتزامات. وأشاد مولوا، في كلمة له خلال الجلسة الاختتامية، بالمساهمات الكبيرة للعديد من الشركاء الدوليين ومتعددي الأطراف والإقليميين والقطاع الخاص، من أجل مواكبة تنفيذ المخطط الوطني للتنمية لبلاده.

ويرى الخبير المغربي بالشؤون الإفريقية عبدالفتاح الفاتيحي، أن الضعف الاقتصادي والاجتماعي والديني لإفريقيا الوسطى هو الذي عمق الانفلات الأمني، لذلك فإن هذا البلد "في حاجة إلى مواكبة المقاربة الأمنية والعسكرية بأخرى اقتصادية وتنموية واجتماعية".

وقال الفاتيحي، إن احتضان بلاده هذا الاجتماع يكرس تنامي التعاون العسكري والأمني بينهما، مضيفا أن التنسيق سيتواصل من خلال تقاسم إفريقيا الوسطى نهج المملكة في كون التحديات الأمنية والعسكرية يجب أن تعضد بمشاريع تنموية واقتصادية واجتماعية.

الرؤية المغربية نحو القارة الإفريقية تنهض على تعزيز التعاون بين دول الجنوب وفق شراكة قوامها الندية والتضامن

واعتبر في تصريح لوكالة "الأناضول" أن إفريقيا الوسطى المقتنعة بنهج المغرب الاقتصادي والاجتماعي تسعى إلى الاستفادة من المبادرة الملكية الأطلسية التي تستهدف تمكين الدول غير الساحلية من ممرات بحرية.

وبحسب الخبير المغربي، فإن "البلد يعول على مزيد من الدعم المغربي في المجالات الاقتصادية والتنموية"، مشيرا إلى أن الرؤية المغربية نحو القارة الإفريقية تنهض على تعزيز التعاون بين دول الجنوب وفق شراكة قوامها الندية والتضامن، وهو ما يتم تكريسه عبر خلق اقتصاد إفريقي دامج ومتكامل، كما هو الحال في أنبوب الغاز الأطلسي نيجيريا المغرب

وتنشر الأمم المتحدة قوات حفظ السلام الأممية "مينورسكا" في البلاد قوامها 17 ألف جندي، من أجل المحافظة على الأمن والحد من أعمال عنف الجماعات المسلحة.

وحسب تقرير أممي، فإنه "على الرغم من التقدم الكبير الذي تم إحرازه على مر السنين لتوسيع حضور الدولة وسلطتها في جمهورية إفريقيا الوسطى، إلا أن العنف الذي ترتكبه الجماعات المسلحة والمليشيات لا يزال يقوض الاستقرار ويشكل تهديدا كبيرا للمدنيين والقوات الوطنية والجهات الإنسانية الفاعلة وقوات حفظ السلام".

واعتبر الفاتيحي أن "أعمق عوامل الانفلات الأمني بهذا البلد تعود أساسا إلى المشكلات التنموية والاقتصادية وغياب الدولة الوطنية التي تعمل على تدبير المقدرات الطبيعية للبلاد في خدمة المستوى المعيشي للسكان".

وأوضح أن "طبيعة أعمال العنف التي تقوم أساسا على النهب والسلب أو من خلال صراعات إثنية ودينية، يبين أن المشكلات الأمنية بهذا البلد تتصل في قسم كبير منها بالتدابير وغياب رؤية استشرافية لتدبير سياسات الدولة".

وبحسب الخبير المغربي، فإن "الضعف الاقتصادي والاجتماعي والديني لإفريقيا الوسطى هو الذي عمق الانفلات الأمني من حالات السلب والنهب أو النزاعات الإثنية والعرقية لأن يتحول إلى أعمال وعنف يستغلها تنظيم القاعدة حيث يطرح نفسه بديلا عن الدولة الوطنية".

وأعلن رئيس الوزراء لجمهورية إفريقيا الوسطى فيليكس مولوا خلال الاجتماع بالدار البيضاء، أن بلاده نجحت في تعبئة مبلغ إجمالي قدره 9 مليارات دولار من الالتزامات.

واعتبر الفاتيحي أن "إفريقيا الوسطى في حاجة إلى مواكبة المقاربة الأمنية والعسكرية بمقاربة اقتصادية وتنموية واجتماعية بمشاركة الجميع في تفعيل برامج ومشاريع تخلق الثروة للأفراد، وأن هذا الواقع سيعيد تقوية الدولة الوطنية في الوعي المواطنين ويزيد من انخراطهم في سياسات الدولة العمومية".

وأشار إلى أن نجاح هذا الرهان يجب أن يدعم بأسلوب سياسي جديد يعبئ الجميع للبدء في القضاء على مظاهر الفساد، وإعادة النظر في العلاقات التجارية والاقتصادية امع الشركاء الدوليين وفق مبدأ "رابح رابح".

وأوضح الخبير المغربي أن تحليل الواقع الاقتصادي والاجتماعي لدولة إفريقيا والوسطى وبالنظر إلى تحليل أسباب الاحتقان المجتمعي الذي خلق واقع الانفلات الأمني المتكرر يجدها ذات بعد اقتصادي واجتماعي وثقافي أكثر منها ذات بعد سياسي أو أيديولوجي لحزب أو تنظيم جهادي".

وتابع "يتأكد ذلك عبر دخول تنظيم القاعدة على خط الأزمة الأمنية، حيث استغل الوضع، وكرس عملياته خلال الآونة الأخيرة لتعميق حالة الانفلات الأمني والاستقرار ليطرح نفسه بديلا مجتمعيا للتسيير في ظل عجز الدولة الوطنية".

ومن المنتظر أن تعرف إفريقيا الوسطى انتخابات محلية وبرلمانية ورئاسية خلال ديسمبر/كانون الأول المقبل.

ويعتبر الفاتيحي أن تبني رؤية اقتصادية وتنموية واضحة عبر هذا الاجتماع، إلى جانب توفير الدعم الدولي، قد يشكل أرضية ملائمة لإجراء الانتخابات في أجواء أكثر استقرارًا، بما يمهد لمرحلة سياسية جديدة تتيح للنخبة الحاكمة فرصة العمل على تعزيز بناء الدولة.