إيران التي لا تهدأ إلا بالتغيير

الحقيقة التي لا مناص من الاعتداد بها، هي أن طهران، في ظل العمائم المتشددة التي تحكمها، لا تبدي حتى ولو مجرد احتمال على تخليها عن ذلك الطموح المثير للأزمات والمشاكل التي لا حدود ولا نهاية لها.

منذ استتباب الحكم في إيران لنظام ولاية الفقيه ذي التوجه الديني المتشدد، فإن أفق المنطقة قد اكتفهَرّ ويزداد اكتفهَارًا مع مرور الزمن، ولا سيما بعد أن صار واضحًا أن النظام القائم في طهران ليس من النوع الذي يرضى بالبقاء منكفئًا على نفسه ضمن حدود إيران، بل إن لديه طموحًا يتعدى تلك الحدود.

هذا الطموح الذي انعكس وينعكس سلبًا على إيران نفسها بالدرجة الأولى، ومن ثم ينعكس بالدرجة الثانية على بلدان المنطقة، وأخيرًا انعكاسه السلبي على المصالح الدولية في المنطقة.

وقطعًا كان من الممكن الحيلولة دون أن تقع الأحداث والتطورات السلبية على الأصعدة الثلاثة التي ذكرناها لو لم يتجاوز طموح النظام الديني حدود إيران وتعامل مع الحدود وسيادات الدول بمنطق وأسلوب لا ينتمي لهذا العصر أبدًا. غير أن الحقيقة التي لا مناص من الاعتداد بها، هي أن طهران، في ظل العمائم المتشددة التي تحكمها، لا تبدي حتى ولو مجرد احتمال على تخليها عن ذلك الطموح المثير للأزمات والمشاكل التي لا حدود ولا نهاية لها.

نزع سلاح حزب الله اللبناني، وجعل ميليشيا الحوثي والميليشيات الشيعية في العراق أكثر أُلفة واتجاهًا نحو التهدئة، ليس بذلك الأمر السهل والممكن، ولا سيما وأن زمامهم جميعًا بيد طهران، والأخيرة التي بذلت الغالي والنفيس من أجل هذه "اللَّمّة العقائدية"، لا تُفرِّط بها وهي تواجه تهديدًا أقرب ما يكون للمصيري، ولا سيما وأنه صار يظهر في الأفق ثمة مؤشرات على سعي دولي على نار هادئة لإثارة مجموعة ملفات من شأنها في المستقبل أن تقلب الطاولة على العمائم الحاكمة في إيران.

وعلى الرغم من كل الذي عاناه النظام الإيراني من جراء عبثه بالأمن والاستقرار في المنطقة والذي دفع فَاتورته الشعب، فإنه ليس هناك من أي احتمال لتخلي طهران عن نهجها العابر للحدود والتخلي عن وكلائها، وحتى إن بعض الإشارات التي صدرت من داخل المنظومة الحاكمة بشأن الارتدادات السلبية للتدخلات في المنطقة، لكن تلك الإشارات كما يبدو كانت لا تعكس في الحقيقة وجهة النظر الرسمية الحقيقية التي حتى إن حكومة بزشكيان بحد ذاتها ليس بإمكانها أن تعكسها؛ إذ إن الذي بيده الحل والربط هو المرشد الأعلى خامنئي، فهو جُهَيْنة وعنده النبأ اليقين.

الطموح الإيراني العابر للحدود والذي دفع بدوره الحكم المتشدد في إيران إلى ممارسة المزيد من الممارسات القمعية ضد الشعب الذي جسد موقفه من هذا الطموح بشعار: "لا غزة ولا لبنان، روحي فداء لإيران"، كما أن ضمان تلك الحالة هو الذي جعل النظام يذهب بعيدًا في برنامجه النووي بما يجعله أمرًا واقعًا داخليًا وإقليميًا ودوليًا. ولحد الآن لا يبدو أن هناك أي ضمانة إيرانية للتخلي عن الطموح العابر للحدود ولا لوضع حد للممارسات القمعية، كما أن لعبة القط والفأر التي تلعبها طهران مع المجتمع الدولي فيما يخص برنامجها النووي، كل ذلك يؤكد بأن إيران لن تهدأ طالما بقيت نظرية ولاية الفقيه تحكم إيران!