إيران تريد حمصها
لا تزال الحرب الدائرة في أوكرانيا الحدث الأبرز في العالم والذي يطغى على سائر مناطق الأزمات، وتعتبر الأكثر خطراً وتهديداً على السلام والأمن في العالم، بما في ذلك احتمال أن تؤدي إلى حرب عالمية ثالثة، بيد أن ذلك لا يقلل من تهديد وخطورة مناطق ساخنة أخرى تهدد أيضاً السلام والأمن العالمي، ولاسيما تلك التي تقع ضمن ما يصطلح على تسميته "منطقة قوس الأزمات".
الحروب والمواجهات والأزمات المختلفة التي تحدق بالعالم وتهدد أمنه، تقابلها مساعٍ سلمية جارية على قدم وساق من أجل إطفاء نيرانها أو تهدئتها، ولكن الملاحظ أن هذه المساعي تقف أمام مسار يكاد أن يكون أقرب إلى الفشل، ولاسيما عند التمعن في جدية الأطراف المتورطة في هذه الحروب والمواجهات والأزمات. ولئن حاولت إيران جاهدة أن تستفيد من الأجواء الساخنة في المناطق الساخنة الأخرى في العالم وأن تكتسب المزيد من الوقت لتستعيد عافيتها تماماً وتقف على قدميها كما كانت قبل الأحداث والتطورات التي تداعت عن هجمة السابع من أكتوبر 2023، لكن لا يبدو أن الأجواء متاحة لها في هذا الصدد.
عند الاطلاع ملياً على أكثر المناطق سخونة، سواء في المنطقة أو في الحرب الدائرة في أوكرانيا، فإننا نجد بوضوح البصمة الإيرانية فيها، بما يدل على أن النظام الحاكم المثير للجدل في إيران له ولع بمناطق الأزمات، ويحاول دائماً جهد ما أمكن أن يجد موطئ قدم فيها، كما أنه لا يحبذ أيضاً حسم بعض من أزمات هذه المناطق من دون أن يكون لاعباً أساسياً فيها، كما يعمل حالياً بالنسبة لموضوع نزع سلاح حزب الله اللبناني.
إيران، ومن خلال المسار والأسلوب الذي اتبعته في تدخلاتها، حاولت وتحاول إيجاد عامل قوة إضافي لها تقوم باستخدامه ليس على صعيد المنطقة والنطاق الدولي فحسب، بل وحتى على مستوى الداخل الإيراني، ولاسيما بعدما أصبح موضوع تدخلاتها في المنطقة وصرفها المبالغ الطائلة على وكلائها يرى العالم كله أن الشعب الإيراني في أمس الحاجة إليها، ولهذا لا تريد الخروج من تدخلاتها في المنطقة بدون "كمية كافية من الحمص".
بهذا الصدد، فإن التصريحات التي أدلى بها مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية، ووزير الخارجية الأسبق علي أكبر ولايتي قبل أسابيع، والتي اعتبر فيها أن حزب الله أهم من الخبز والماء بالنسبة للبنانيين وحاجة ضرورية، أثارت غضباً لبنانياً واسعاً إلى الحد الذي دفع إلى رد من وزير الخارجية اللبناني أكد فيه أن "السيادة" أهم من الخبز والماء، منتقداً تلك التصريحات التي اعتبرها "تدخلاً سافراً في الشؤون اللبنانية". لكن ظهر واضحاً أن ولايتي لم يهتم شروى نقير لكل ردود الفعل اللبنانية هذه، وعاد ليؤكد على أن إيران ستواصل دعم حزب الله الذي هو -حسب قوله-: "يشكل أحد أهم أعمدة جبهة المقاومة، ويؤدي دوراً محورياً في مواجهة إسرائيل".
هذا الموقف الإيراني ليس طارئاً ولا حتى ثانوياً، بل هو موقف يعبر عن صلب موقف النظام الحاكم الذي يعلم جيداً بأن نزع سلاح حزب الله معناه ليس فقط رفعه الراية البيضاء بالنسبة لمشروعه في المنطقة، بل وحتى إنه سيكون بدون "ورقة التوت"، وهذا ما يعني أنه سيصبح في فوهة مدفع الشعب والمعارضة الإيرانية، وسيدفع ثمناً لن يكون بأقل من ذلك الذي دفعه سلفه نظام الشاه.