اختفى البعثيون ولا يزال شبح البعث مخيفا
بعد أكثر من عشرين سنة من قانون اجتثاث البعث عاد شبح البعث ليتصدر المشهد السياسي في العراق.
هناك بيانات وتصريحات تصدر من هنا وهناك يؤكد أصحابها على ضرورة منع البعثيين من التسلل إلى الدولة من بوابة الانتخابات. وهو ما يجعل من "البعث" لافتة انتخابية ليس إلا. أما الحديث المتشنج عن الفلول، أي فلول البعث الذي تلحق به دائما صفة المقبور فإنه حديث لترهيب البسطاء من الناس كما لو أن البعث كان عدوا للشعب العراقي.
وبعيدا عن الجدل غير النافع في مسألة حقيقة وجود البعث تنظيما سياسيا من عدمه فإن هناك جدلا من نوع مختلف. ذلك لأنه لو افترضنا أن النسبة العظمى للمقترعين هم ممن ولدوا بعد إنهيار حكم البعث أو أنهم كانوا دون العاشرة من عمرهم حين وقع الاحتلال فإن ذلك يعني أن الذاهبين إلى الاقتراع لا يعرفون شيئا عن البعث وسنوات حكمه. ثقافتهم السمعية هي مصدر معلوماتهم السلبية والإيجابية عن تلك الفترة المضطربة من تاريخ العراق.
في تلك الثقافة كان الخلط المقصود كبيرا بين مرحلة حكم فيها البعث وكان صدام حسين واحدا من أهم زعمائه وبين الفترة التي حكم فيها صدام حسيين العراق وكان الحزب واحدة من أضعف أدواته إلى درجة أن البعثيين أنفسهم كانوا قد فقدوا معها ثقتهم باستمرارية الحزب معتبرين أنه انتهى في ظل طغيان الصنمية وعبادة الفرد.
هناك فرق هائل بين المرحلتين. تميزت المرحلة الأولى بالتنمية والتعليم المجاني ومحو الأمية والإنفاق على مشاريع البيئة التحتية وتطوير قطاعات الصحة والزراعة والصناعة. أما المرحلة الثانية فقد لوثها غبار الحرب وأضاع العراق فيها ثروته وفقد أكثر من مليون من شبابه والأهم أنه صار فيها خاضعا للإملاءات الدولية التي ظلمته وظلمت شعبه وصولا إلى مرحلة الاحتلال التي لا يزال يرفل بنعيم أحزابها الطائفية التي لا يزال شبح البعث يقض مضجعها.
وإذا ما عدنا إلى الثقافة السمعية فإنها نوعان. نوع يتذكر كبار السن فيها قوة الخير التي صنعت من العراق بلدا متقدما على جميع الأصعدة. شبابه متعلم ويكاد أن يكون مكتفيا غذائيا والمصانع فيه تعمل في أقصى طاقتها وهو البلد العربي الوحيد الذي لا يعاني من مشكلة البطالة وكان يتطلع إلى الخروج من مجموعة العالم الثالث.
أما النوع الثاني وهو ما صار محور الدعاية الإعلامية التي تبنتها الأحزاب الحاكمة في مرحلة ما بعد الاحتلال فإنه يركز على السنوات التي فقد حزب البعث فيها سيطرته على العراق وتفرد صدام حسين بالقرار السياسي. في تلك السنوات تم تهميش الحزب ولم يعد لمنطلقاته النظرية أو لتفاعله مع الشارع أي معنى.
سيكون من الصعب المقارنة بين المرحلة التي حكم حزب البعث فيها العراق والمرحلة الحالية. ذلك ما يُخيف أحزاب السلطة التي تتطلع إلى استمرار نفوذها بعد الانتختبات المقبلة وهو ما سيقع عمليا في ظل عدم وجود أية قوة معارضة حقيقية لها. بعد انقلاب 17 تموز 1986 نجح حزب البعث في بناء دولة حافظت على المؤسسات التي ورثتها وطورت عملها ووضعتها في خدمة التنمية البشرية والمادية بعد تأميم النفط وهو القرار الذي وقف وراءه صدام حسين شخصيا. أما في المرحلة الحالية التي لم تخرج حتى اللحظة من عباءة الاحتلال فإنها إضافة إلى ما شهدته من تدمير لمؤسسات الدولة قام به المحتل كانت شاهدا على عمليات تطبيع الفساد التي مارسها أتباع المحتل لكي تكون مؤسسات العراق الجديد بمثابة البقرة الحلوب التي احتكروا نتاجها لمصلحتهم. يوما ما كان العراق دولة ناجحة واليوم هو دولة فاشلة بامتياز. وفي هذا يكمن سبب كراهية البعث.
شخصيا أنا لا أحب البعث مثلما لا أحب أي تنظيم عقائدي مغلق على قطيعيته. غير أن البعثيين لم يكونوا سيئيين إلا إذا اتخذنا من الاستثناءات الفردية نموذجا. وفي كل الأحوال فإن البعثيين الحقيقيين أما ماتوا أو أنهم يعانون اليوم من أمراض الشيخوخة أو متاعبها وليست لديهم رغبة في استعادة حكم العراق.
حزب البعث الذي مورست في حق أعضائه مختلف صنوف العنف والبطش والحرمان والعزل والقهر والتشريد لا يُخيف واقعيا فهو بعد وفاة عزت الدوري وكان زعيمه الأخير حسب علمي لم يعد موجودا. ما يُخيف فعلا انما يكمن في الذاكرة العراقية التي تحفظ للحزب تاريخ مروره النظيف بالعراق.